التحضيري والمرحلة الابتدائيّة

[المرحلة الابتدائية][twocolumns]

المرحلة الإعداديّة

[المرحلة الإعدادية][twocolumns]

المرحلة الثانويّة

[المرحلة الثانوية][twocolumns]

بحوث الإيقاظ العلمي

[بحوث الإيقاظ العلمي][twocolumns]

بحوث متفرّقة

[بحوث متفرّقة][twocolumns]

الامتحانات والفروض

[امتحانات وفروض][twocolumns]

المكتبة

[أقسام المكتبة][twocolumns]

الحقيبة المدرسيّة

[أقسام الحقيبة المدرسية][twocolumns]

قاموس تصريف الأفعال العربيّة

[قائمة تصريف الأفعال][twocolumns]

الموسوعة المدرسيّة العربيّة

[الموسوعة المدرسية العربية][twocolumns]

Les bases de la langue française

[langue française][twocolumns]

آخر المواضيع

لا يجوز نقل محتوى هذا الموقع إلى مواقع أخرى ولو بذكر المصدر
حسبنا الله ونعم الوكيل

لتتمكّن من مشاهدة أقسام الموقع عليك بالنقر على (الصفحة الرئيسة) أعلاه

هام جدّا
طريقة تحميل ملفات الموسوعة المدرسية

الإمبراطورية العثمانية وحركات الإصلاح - الدول الإسلامية أمام التحدي الأوروبي



الدول الإسلاميّة أمام التحدّي الأوروبي

 الإمبراطوريّة العثمانيّة وحركات الإصلاح 

دخلت الإمبراطوريّة العثمانية منذ نهاية القرن XVII طور الانحطاط نتيجة ضعف السلاطين وفساد الإدارة واختلال نظام الجيش الانكشاري الذي تحوّل إلى آلة فساد وفوضى، فتتابعت انهزاماته، وبدأ التدخل الأوروبي في شؤون الإمبراطوريّة.

وقد حاول بعض السلاطين منذ مطلع القرن XIX القيام ببعض الإصلاحات لجعل النظم العثمانيّة التي هي عماد قوّة الدولة تتماشى والعصر الحديث، لكنّهم لم يحقّقوا إلاّ نجاحا محدودا، واستمر تقهقر الدولة التي عرفت بالرجل المريض حتى القرن XX.

 I- مظاهر الانحطاط وأسبابه :
اتخذ انحطاط الإمبراطوريّة العثمانيّة مظاهر عديدة نتيجة لعدّة عوامل تمثّلت في فساد نظام الحكم من جهة ونموّ الروح القوميّة لدى الشعوب البلقانيّة وتدخّل الدول الأوروبيّة في شؤون الإمبراطوريّة من جهة ثانية.

1)- فساد نظام الحكم :
لم تساير الإمبراطوريّة العثمانيّة حركة التقدّم التي عرفتها أوروبا، بل بقيت متأخّرة عنها محتفظة بتنظيمات سياسيّة وإداريّة وعسكريّة غير متماشية والتطوّر الحديث، من ذلك :
أ- ضعف السلاطين :
استمر حكم السلاطين الاستبدادي الذي فرض نفسه بفضل عزيمة السلاطين الأولين لكن بعد ذلك تولّى عدد من السلاطين امتازوا بالضعف ومالوا إلى الترف وحياة القصور، فتخلوا عن قيادة الجيوش بأنفسهم وتركوا شؤون الدولة لكبار الموظفين.

وأصبح عدد السلاطين الذين كانوا أصحاب الحقّ المطلق في الحكم يخضعون لمشيئة رجال الدين. فعندما اضطرّ السلطان التوقيع على معاهدة "ادرنة" سنة 1829 والتي اعترف فيها باستقلال اليونان، فإنّه التمس من رجال الدين الحصول على فتوى لإقرار شرعيّة هذه المعاهدة.

ب- فساد الجيش الانكشاري :
اختلّ نظام الجيش الانكشاري وأخذ يفقد كلّ مزاياه الحربيّة، فتضاءل ارتباطه بوظيفته العسكريّة، وأصبح الكثير من أفراده لا يذهب إلى الثكنات إلاّ لتسلم رواتبهم (العلوفات) بل تحّول الكثير منهم إلى الاشتغال بمهن مختلفة بعد بيع تذاكر علوفاتهم كما تباع أسهم الشركات.

ومن هنا كانت الدولة عند إعلان الحرب لا تجد إلاّ عددا ضئيلا من الجنود لأنّ عدد العاملين في الجيش أصبح أقلّ بكثير من عدد المسجّلين، وهذه القلة قلّما تصمد في حالة الحرب أمام العدو. أما في حالة السلم فقد كان هذا الجيش عنصر نهب وسلب وترويع لسكان البلاد، فتحوّل من ضباط أمن ودفاع إلى آلات شرّ وفساد. فأصبح هذا الجيش يمثّل عبئا ثقيلا على الدولة مطالبا باستمرار بالترفيع في علوفاته، متمرّدا على الدولة ومتدخّلا في شؤونها رافضا لكلّ حركة إصلاحيّة داخل صفوفه، في وقت أخذت فيه النظم العسكريّة الأوروبيّة تتطوّر بسرعة سواء أكان ذلك في ميدان الوسائل أو الطرق.

ج- فساد الإدارة :
- أصبحت الحكومة المركزيّة بالاستانة ضعيفة عاجزة عن إدارة شؤون إمبراطوريّة واسعة مترامية الأطراف، غير متماسكة جغرافيّا وسياسيّا واجتماعيّا، فأصبح من المستحيل على العاصمة العثمانيّة التحكّم في أجزاء هذه الإمبراطوريّة في وقت كانت فيه طرق المواصلات صعبة وغير ميسورة، فالاتصال ببعض الولايات كان يتطلّب في بعض الأحيان شهرا وبعض الشهر.
- وتمتّع الولاّة بسلطات واسعة كان لها نتائج سيئة على حكومة مركزيّة ضعيفة فاستبد الولاّة وتعسّفوا وابتزوا أموال السكان، واستخدموا القوّة العسكريّة التي كانت بأيديهم لتحقيق أطماعهم الشخصيّة دون خشية من السلطة المركزيّة والتي كانت تميل في كثير من الأحيان لاسترضائهم.
- فتقاعس بعض الولاّة وامتنعوا عن أداء ما يعود إلى خزينة الدولة من أموال، ورفض البعض الآخر أوامر عزلهم فتحوّلت بعض الولايات إلى ولايات وراثية تعاقب على تسييرها عدّة ولاّة من عائلة واحدة فأصبحت أشبه بالدول المستقلّة كالدولة الحسينيّة بتونس ودولة محمد علي بمصر.
- وعمّ نظام الالتزام فأصبحت الجباية تمنح عن طريق المزايدة فيلتجئ الملتزمون إلى ابتزاز أموال الناس بمختلف الطرق والوسائل التعسفيّة لكي يتحصّلوا على ثروة طائلة بعد دفع ما التزموه للدولة من أموال.
- وبالإضافة إلى ذلك كلّه أصبح الموظفون يتحصّلون على وظائفهم الإداريّة بالرشوة، فكان لكلّ وظيفة ثمن معيّن لها وكان جلّ الموظفين الإداريين في الحكومة المركزيّة من اليونانيين سواء أكانوا من المسيحيين أو المسلمين فتسلّطوا على شؤون الدولة وفرضوا نفوذهم الأدبي على شعوب البلقان.

2)- تعدّد القوميات واختلاف الأجناس :
امتدت الإمبراطوريّة امتدادا واسعا وضمت بلاد البلقان وبلاد المشرق العربي وشمال إفريقيا باستثناء المغرب الأقصى.

وقد اختلفت شعوب هذه الإمبراطوريّة سواء أكان ذلك من ناحية الجنس أو اللّغة أو الدين، وهذا الاختلاف جعل تماسك الإمبراطوريّة صعبا بل مستحيلا خاصة في القرن XIX حيث ضعفت الإمبراطوريّة في وقت نمت فيه الروح القوميّة فأصبحت حافزا أساسيا للتخلّص من السيطرة العثمانيّة.

أ- سكان بلاد البلقان :
ضمّت بلاد البلقان (بلغاريا ورومانيا وألبانيا واليونان ويوغسلافيا...) الجنس الأوروبي السلافي المسيحي الأرتدكسي الذي تمتّع في ظلّ الإمبراطوريّة العثمانية بنوع من الحرية الدينيّة وحتى السياسيّة. فقد احتفظت هذه الشعوب بجميع مقوّماتها الحضاريّة والثقافيّة. ومع ضعف الإمبراطوريّة العثمانيّة وظهور القوميّة الأوروبيّة وتعقّد تضاريس هذه المنطقة أصبح من الصعب على الدولة السيطرة على هذه الأجزاء الأوروبيّة.

ب- سكان البلاد العربيّة :
خضع الوطن العربي باستثناء المغرب الأقصى إلى النفوذ العثماني، وكان أغلبيّة سكانه من العرب المسلمين الذين يدينون بمذاهب مختلفة (السنة، الشيعة...) وهناك أقلّيات إسلاميّة كرديّة في العراق وبربريّة في الجزائر وزيادة على أقليات مسيحيّة ويهوديّة ليس لها أهميّة تذكر.

لقد بقيت هذه الأمّة ترزح تحت الهيمنة العثمانيّة ومع ذلك فقد اعترفت للسطان العثماني في حكم البلاد باعتباره خليفة للمسلمين. غير أنّ هذا الشعور الديني أخذ يفتر بعد حملة نابليون وظهور الحركة الوهابيّة فنما الشعور القومي وأخذت البلاد العربيّة تسعى للتحرّر من السيطرة الأجنبيّة والعثمانيّة.

3)- الثورات الداخليّة واستقلال اليونان :
نمت الروح القومية في بلاد البلقان نموا سريعا تحت تأثير النهضة الأوروبية والثورة الفرنسية فأخذت هذه القوميات تسعى للتخلص من النفوذ العثماني وكان أبرز هذه القوميات وأسبقها للثورة ضد الإمبراطوريّة العثمانية القومية اليونانية.

أ- الوضع العام لليونانيين :
استمدّت الحركة اليونانيّة قوّتها من تاريخ بلادها المجيد ومن جهود الطلاب اليونايين الذين كانوا يدرسون في المعاهد الأوروبيّة ومن مبادئ الثورة الفرنسيّة التي كان لها الصدى العميق في نفوسهم. زد على ذلك ما كان يتمتّع به اليونانيون في ظل الإمبراطوريّة العثمانيّة من حريّة دينيّة وسياسيّة وسيطرة على الأجهزة الإداريّة في الاستانة.

فقد سمحت الدولة العثمانيّة لليونانيين بتكوين شرطة لمكافحة العصابات وتسليح سفنهم التجاريّة لمقاومة القراصنة، فاستغلّت هذه القوّة لمقاومة الإمبراطوريّة العثمانيّة.

وعرفت بلاد اليونان نهضة فكريّة تزعمها "كوريس" (1748-1833) الذي أوقف حياته على إحياء القوميّة اليونانيّة داعيا أحفاد الإغريق إلى القيام برسالتهم الحضاريّة.

ب- الثورة واستقلال اليونان :
مرّت الثورة اليونانيّة بمرحلتين أسايتين هما :
- المرحلة الأولى : ثورة 1821 :
تألّفت سنة 1814 جمعيّة سريّة (جمعيّة الإخوان) ترمي إلى تحرير اليونان من السيطرة العثمانيّة واتخذت مركزها الرئيسي في اديسا (بروسيا) وأنشأت لها فروعا في جميع أنحاء اليونان.

وتزعم هذه الحركة "الإسكندر هبسلنتي" (Hypselanti) الذي انتهز الأزمة التي كانت تعانيها الدولة العثمانيّة إثر ثورة الوالي علي باشا في ألبانيا فأعلن الثورة والعصيان آملا مساعدة روسيا والشعوب البلقانيّة ولكن شيئا من ذلك لم يحصل.

ونتيجة لذلك تمكّنت الدولة العثمانيّة من القضاء على هذه الثورة.

- المرحلة الثانية : ثورة "المورة" (1822-1827) :
لم تلبث الثورة أن استؤنفت من جديد فقد ثار اليونانيون في شبه جزيرة المورة وفتكوا بخمسين ألفا من المسلمين الأتراك. كانت ثورة عنيفة نادت بتحرير البلاد من كلّ تركي "لن يعيش تركيّ في المورة وفي الدنيا كلّها" ذلك هو مطلع أنشودة ثورتهم.

وانتشرت الثورة وعمت بلاد اليونان والجزر المجاورة لها، فقام السلطان العثماني بشنق عدد كبير من اليونانيين في الاستانة وعلى رأسهم بطريقهم. ثم أرسل جيشا سنة 1823 لقمع الثورة لكنّه أخفق فاستنجد بمحمد علي في مصر مقابل جعل شبه جزيرة المورة لابنه إبراهيم باشا. وكاد إبراهيم باشا أن يسحق الثورة سنة 1825 لولا تدخّل الدول الأوروبيّة بدافع العطف الأوروبي والديني.

فقد أرسلت الدول الأوروبيّة (روسيا وفرنسا وإنقلترا) بعد توقيعهم معاهدة لندن سنة 1828 أسطولا مشتركا لبلاد اليونان لحمل السلطان على قبول هذه المعاهدة التي تنصّ على استقلال اليونان استقلالا داخليا. وفي معركة "نفارين" 1828 تحطّم جزء من الأسطول المصري. لذا دعا السلطان العثماني إلى الجهاد ضدّ النصارى فاتخذت روسيا من ذلك ذريعة وأعلنت الحرب على العثمانيين فحقّقت انتصارا عظيما وكادت أن تحتلّ الاستانة فاضطرّ السلطان إلى التوقيع على معاهدة أدرنة 1829 اعترف فيها بما جاء في معاهدة لندن. فتحصلت بلاد اليونان على استقلالها الداخلي وفي سنة 1832 تمّ الاعتراف باستقلالها التام.

II- حركات الإصلاح :
شعرت الدولة العثمانيّة منذ نهاية القرن XVIII بما تعانيه من فوضى واضطراب وتمزّق وتدخّل أوروبي في شؤونها وأدركت ضرورة إلغاء النظم البالية والقيام بحركة إصلاحيّة لتحويل الإمبراطوريّة إلى دولة عصريّة. 

1)- أسباب الإصلاح :
كانت من أهم الأسباب التي دفعت بعض السلاطين إلى القيام بحركة الإصلاح والتجديد داخل الإمبراطوريّة :
أ- الهزّات العنيفة التي تعرّضت إليها الإمبراطوريّة من ذلك حملة نابليون بونابرت على مصر والتدخّل الأوروبي في شؤون الدولة ونموّ القوميّة في بلاد البلقان وحركة الوهابيين وانفصال محمد علي في مصر وانتصاراته.

ب- الأساليب الفاسدة لنظام الحكم والإدارة والجيش والتي أصبحت لا تتماشى والنظم العصريّة ممّا أدّى إلى عجز الدولة في كثير من الأحيان عن القضاء على الثورة الداخليّة في بلاد البلقان والبلاد العربيّة.

 من أجل ذلك حرصت الدولة العثمانية خاصّة في القرن XIX على القيام بحركة الإصلاح والتجديد مستفيدة من المدنية الأوروبيّة وذلك لتقوية قبضتها ونفوذها على ممتلكاتها الأوروبيّة والعربيّة.

وقد تركّزت حركة الإصلاح في بدايتها على الإصلاح العسكري قبل الإداري، ذلك أنّ الإمبراطوريّة العثمانيّة كانت دولة عسكريّة فالجيش بالنسبة لها هو بمثابة المحور الأساسي لتقدّمها وازدهارها.

2)- الإصلاحات العسكريّة :
بدأ إصلاح الجيش منذ عهد السلطان مصطفى III (1757-1774) واستؤنفت رغم العراقيل في عهد سليم III ودخل طوره الحاسم والإيجابي في عهد محمود II.

أ- إصلاحات سليم III ـ (1789-1805) :
أدرك سليم III منذ حداثته أهميّة إصلاح الجيش فكرّس جهوده في سبيل ذلك فأحدث جيشا جديدا منظّما على الطرق والأساليب الأوروبيّة. فأحدث هذا التنظيم الجديد مخاوف الانكشاريّة لذا ثارت على السلطان وأجبرته على التنازل عن الحكم ونصّبت مكانه السلطان مصطفى IV.

ب- إصلاحات محمود II ـ (1808-1839) :
اكتسبت حركة الإصلاح أنصارا استطاعوا الزحف على الاستانة بقيادة مصطفى باشا (العلمدار) فوقع تنصيب محمود II على العرش رغم صغر سنّه وذلك سنة 1808.

واصل السلطان الجديد حركة الإصلاح بكلّ حزم وحذر، فأنشأ المدارس العسكريّة ونظم المدفعيّة. وفي سنة 1826 قام بإلغاء امتيازات الجيش الانكشاري وأحال قوادهم على التقاعد، ونظرا لاستمرارهم في مقاومة حركة الإصلاح قرّر السلطان القضاء عليهم نهائيا مستعينا بالأهالي والمدفعيّة. وفي يوم واحد (الواقعة الخيريّة) قتل جلّهم وشرّد من بقي منهم فانقرض بذلك الجيش الانكشاري من الوجود، فسارت الدولة في ميدان الإصلاح إثر إبادة الجيش الانكشاري سيرا مطردا فوضعت قوانين تضبط تحديد الخدمة العسكريّة ومراحلها وشروط إعفائها، وأنشأت المصانع الحربيّة ومدارس لتخريج الضباط.

وتواصلت حركة الإصلاح العسكري طوال القرن XIX معتمدة على الخبراء الألمان بصفة خاصّة. 

3)- الإصلاحات الإداريّة والسياسيّة :
بعدما تمّ تركيز الإصلاحات العسكريّة توجّه السلاطين تحت تأثير رواد الإصلاح إلى القيام بعدّة إصلاحات إداريّة وسياسيّة، وقد بدأت هذه الحركة في عهد السلطان عبد المجيد واستمرّت في عهد السلطان عبد الحميد II وتمّت على مرحلتين :

أ- المرحلة الأولى وتعرف باسم التنظيمات :
بدأت هذه التنظيمات في عهد السلطان عبد المجيد (1839-1861) واستمرت في عهد السلطان عبد العزيز (1861-1876) واستندت على مرسومين أساسيين هما :
- "خطّّ شريف كلخانة" الذي صدر سنة 1839 وأهمّ ما جاء فيه إعلان المساواة بين جميع الرعايا على اختلاف مذاهبهم أمام القانون والمحافظة على أرواحهم وأعراضهم وأرزاقهم ،وتنظيم جباية الضرائب وذلك بإلغاء نظام الالتزام.
- "الخطّ الهمايوني" أصدر السلطان عبد المجيد هذه الوثيقة الإصلاحيّة التي هي تأكيد لمرسوم كلخانة وذلك تحت تأثير الدول الأوروبيّة إثر حرب القرم.

ب- المرحلة الثانية وتعرف باسم "المشروطيّة" :
صدرت المشروطيّة (الدستور) في عهد السلطان عبد الحميد II ـ (1876-1909) تحت تأثير المصلح مدحت باشا وأنصاره من جمعيّة تركيا الفتاة. وكانت تهدف إلى القضاء على الحكم المطلق وجعل نفوذ السلطان مشروط بقوانين وتوزيع السلطة على ثلاث هيئات هي :
- السلطة التنفذيّة وعلى رأسها السلطان والوزراء المسؤولون أمام مجلس النواب.
- السلطة التشريعيّة وتتألّف من مجلس الأعيان الذي تعيّنه الحكومة ومجلس النواب الذي ينتخبه الشعب ومهمّته سن القوانين وتقرير الميزانية.
- السلطة القضائيّة وهي مستقلّة عن السلطة التنفذيّة وتتألّف من محاكم على مختلف المستويات. وبجانب ذلك أقرّت المشروطيّة الحريّة والمساواة لجميع الرعايا كمّا أقرّت مبدأ التعليم الإجباري وحريّة الصحافة.

4)- الاستبداد الحميدي وحركة الشباب التركي :
اصطدمت جهود المصلحين باستمرار بعراقيل كثيرة أهمّها النزعة الاستبداديّة للسلاطين، فبعدما وضع الدستور موضع التنفيذ حيث تمّت الانتخابات واجتمع مجلس النواب وبعد سنتين فقط تنكّر السلطان عبد الحميد للمشروطيّة فعطّلها لمدّة أكثر من ثلاثين سنة ممّا أدّى إلى نموّ حركة المعارضة التي تزعمتها جمعية "الاتحاد والترقي".

أ- الاستبداد الحميدي :
تظاهر السلطان عبد الحميد بادئ الأمر بإخلاصه للمشروطيّة ولكنّه لم يستطع التنازل عن الحكم المطلق والرضوخ إلى حركة الإصلاح فقام بالتخلّص من مدحت باشا الصدر الأعظم سنة 1877 وأوقف العمل بالمشروطيّة وحلّ المجلس النيابي واعتقل عددا كبيرا من أنصار الإصلاح. كما أوجد شبكة واسعة من الجواسيس، وقام بمراقبة الصحافة وأنشأ حرسا خاصّا به من الأكراد والألبان والعرب "الحرس الحميدي".

وأخذ السلطان عبد الحميد يدعو إلى وحدة الأمة الإسلاميّة مستغلاّ بمهارة ودهاء حركة جمال الدين الأفغاني الداعية إلى توحيد المسلمين تحت راية الخليفة العثماني، فأضفى السلطان على حياته الخاصّة مظاهر الزهد وأحاط نفسه بالفقهاء ورجال العلم والدين وبثّ المبشّرين في البلاد الإسلاميّة للإشادة بورعه وتقواه.

وساد الإمبراطوريّة في أواخر القرن XIX جوّ من الرعب والخوف والاستبداد نتيجة سياسة السلطان عبد الحميد.

ب- حركة الشباب التركي :
أدّت سياسة عبد الحميد إلى ازدياد النقمة والمعارضة فتألّفت جمعيات سريّة تعمل داخل البلاد كمّا تألّفت جمعيات علنيّة تعمل خارج حدود الدولة. فقد فضل أحمد رضا مدير المعارف في بروسة الذي سافر لزيارة المعرض الدولي في باريس البقاء في فرنسا للعمل في سبيل حرية البلاد، فالتف حوله جماعة من الشباب التركي الذين كونوا مع الجمعيات السريّة العاملة في الداخل "جمعيّة الاتحاد والترقّي".

كان نشاط حركة الشباب التركي خاصّة داخل البلاد محدودا بسبب صرامة النظام الاستبدادي. ولكن بعد سنة 1905 وجدت جمعيّة الاتحاد والترقّي مجالا أوسع للعمل خاصّة في سالونيك والولايات الخاضعة للرقابة الدوليّة. ففي 10 جويلية 1908 صدرت عدّة برقيات من جميع الوحدات الإداريّة تطالب بإعلان المشروطيّة ودوّت المدافع احتفاء بذلك.

وأمام هذا الانفجار المفاجئ اضطرّ السلطان عبد الحميد في 24 جويلية 1908 إلى العودة إلى العمل بالمشروطيّة فعمّ البلاد جوّ مفعم بالسرور غير أنّ الجنود والدراويش ورجال الدين ثاروا في 31 مارس 1909 مطالبين بإلغاء المشروطيّة. فقامت جمعيّة الاتحاد والترقّي بتحريك الجيش الموالي لها نحو العاصمة فتمكّن من قمع هذا التمرّد والانقلاب على السلطان عبد الحميد وخلعه.



III- المنافسات والتدخّلات الأوروبيّة :
كانت مشاغل الدول الأوروبيّة خلال القرن XVII هي إيقاف الزحف العثماني والحدّ من توسّعه وتمكّنت من ذلك بعد فشل العثمانيين في احتلال فينا سنة 1683. واطمأن الأوروبيون منذ القرن XVIII من الخطر العثماني نتيجة ضعف الإمبراطوريّة من جهة وتقدّم الدول الأوروبيّة من جهة ثانية. فأخذوا يبحثون عن تحرير أوروبا من السيطرة العثمانيّة إلاّ أنّ هذا الحلم لم يتحقّق إلاّ في أواخر القرن XIX نتيجة للأطماع الأوروبيّة واشتداد التنافس فيما بينها.

1)- التنافس والأطماع الأوروبيّة :
اتضحت أطماع الدول الأوروبيّة خلال القرن XIX واشتدّ تنافسها لاقتسام ممتلكات "الرجل المريض" إلاّ أنّ خشيتها من توسّع بعضها على حساب الإمبراطوريّة العثمانيّة جعل مواقف الدول الأوروبيّة تختلف باختلاف مصالحها الحيويّة.

أ- سياسة روسيا :
اتجهت سياسة روسيا القيصريّة بدعوى حماية الشعوب السلافية في بلاد البلقان باعتبارهم تابعين للكنيسة الأرتدكسيّة إلى التوسّع في بلاد البلقان حتى تجد لنفسها منفذا إلى البحار الدافئة (البحر الأبيض المتوسّط).

ب- سياسة إنقلترا :
أثارت السياسة الروسيّة ردّ فعل قويّ من إنقلترا التي كانت مسيطرة على البحار فاتجهت من أجل ذلك السياسة الإنقليزية إلى المحافظة على الوضع الراهن للإمبراطوريّة العثمانيّة ومنع روسيا من السيطرة على بلاد البلقان.

ج- سياسة النمسا :
كانت سياسة النمسا ترمي هي أيضا إلى السيطرة على بلاد البلقان بحكم الجوار وأولويتها في زعامة الشعوب السلافيّة التي كانت تابعة لها لذا عارضت سياسة روسيا.

د- سياسة فرنسا :
 أمّا فرنسا فقد ادّعت لنفسها حقّ حماية الشعوب الكاتوليكيّة بحكم صداقتها التقليديّة وامتيازاتها التي تحصّلت عليها في الإمبراطوريّة العثمانيّة منذ عهد السلطان سليمان القانوني لذا اتجهت أطماعها نحو المشرق والمغرب العربي.

وهكذا اتضحت الأطماع الأوروبيّة واشتدّ التنافس بينها خلال القرن XIX من أجل السيطرة على الإمبراطوريّة العثمانيّة واقتسام ممتلكات الرجل المريض.

2)- حرب القرم (1854-1856) :
اشتدّ التنافس بين الدول الأوروبيّة لتحقيق أطماعها، غير أنّ اختلاف مصالحها أدّى إلى اصطدامها في حرب القرم وذلك سنة 1854.

أ- أسباب الحرب :
أقرّت لائحة الإصلاحات "خطر شريف كلخانة" الحقوق العامّة للأفراد إلاّ أنّها لم تطبق وأثارت معارضة شديدة من مختلف الأوساط، وترتب عن ذلك أن اشتد النزاع بين الطوائف المسيحيّة في الأراضي المقدّسة بين الأرتدكس والكاتوليك، حيث ادّعى كلّ منهما أحقّيته في حراسة الأماكن المقدّسة المسيحيّة في فلسطين (كنيسة المهد في بيت لحم وكنيسة القيامة في بيت المقدس). فقامت روسيا بمساندة الأرتدكس بينما وقفت فرنسا بجانب الكاتوليك وتحصّلت على مفاتيح الأماكن المقدّسة فاستاء الأرتدكس وانتهزت روسيا هذه الفرصة وطلبت من السلطان العثماني ما يلي :
- حلّ مشكلة الأماكن المقدّسة بما يوافق حقوق الأرتدكس.
- حقّ روسيا في حماية الرعايا المسيحيين في الدولة العثمانيّة.

رفض السلطان المطالب الروسيّة معتبرا ذلك تدخّلا سافرا في شؤونه الداخليّة لذلك أعلنت روسيا الحرب سنة 1853.

ب- موقف الدول الأوروبيّة :
تدخلت النمسا في الأمر وحاولت حلّ الأزمة ودعت إلى عقد مؤتمر في فينا، فضمّ كلّ من النمسا وبروسيا وفرنسا وإنقلترا واتفق المؤتمرون على توجيه مذكرة إلى كلّ من روسيا والدولة العثمانيّة تؤكّد وجوب حماية الرعايا المسيحيين من طرف السلطان العثماني، ورفضت روسيا المذكّرة فاضطّرت كلّ من فرنسا وإنقلترا لإعلان الحرب على روسيا سنة 1854 لوضع حدّ لأطماعها، وتمكّن الحلفاء من الانتصار على روسيا فقبلت التوقيع على معاهدة باريس سنة 1856.

ج- نتائج معاهدة باريس :
كان من أهمّ نتائج مؤتمر باريس دخول الإمبراطوريّة العثمانيّة ضمن حضيرة الدول الأوروبيّة مع ضمان استقلال وحماية وحدتها فأنقذت هذه المعاهدة الدولة العثمانيّة من سيطرة روسيا لتضعها تحت سيطرة دول المحفل الأوروبي.

3)- التدخّل الأوروبي في الميدانين المالي والاقتصادي :
بدأ التدخّل الاقتصادي في الإمبراطوريّة العثمانيّة منذ القرن XVI على إثر حصول فرنسا على بعض الامتيازات الاقتصاديّة، وازداد هذا التغلغل واكتسى صبغة دوليّة وأصبح ظاهرة بارزة خاصّة في القرن XIX.

أ- التدخل المالي :
بدأ التدخّل المالي منذ أن تركّزت البنوك الأوروبيّة في الإمبراطوريّة العثمانيّة سنة 1860. فقد تمكّنت هذه البنوك من السيطرة على الدولة نتيجة لعجزها المالي المتواصل بسبب سياسة التبذير والارتشاء من جهة والتدهور الاقتصادي والاجتماعي من جهة ثانية.

فقد كان الاقتصاد العثماني يعتمد على الزراعة التقليديّة ممّا أدّى إلى عدم الاستقرار في الإنتاج وبالتالي عدم استقرار مداخيل الدولة التي كانت تعتمد على طريقة الالتزام. من أجل ذلك اضطرت الدولة إلى الاعتماد على القروض الطويلة والقصيرة المدى. ونظرا للعجز المالي المستمرّ لميزانيّة الدولة كانت تضطّر إلى الاقتراض من جديد لتسديد الديون القديمة التي حلّت آجالها.

وهكذا أصبحت الإمبراطوريّة العثمانية تحت رحمة البنوك الأجنبيّة.

ب- التدخّل الاقتصادي :
اتجهت الدول الأوروبيّة بعد تدخّلها السياسي إلى التدخّل والتغلغل الاقتصادي خاصّة في النصف الثاني من القرن XIX وذلك لإحكام نفوذها على الإمبراطوريّة العثمانيّة فقامت بإنشاء عدّة مشاريع اقتصاديّة ذات طابع سياسي واقتصادي وعسكري. فبادرت إنقلترا بمدّ خطوط البرق والبريد في العراق وأرسلت بعثات للتنقيب عن البترول، وازداد اهتمام إنقلترا بالشرق خاصّة بعد اتفاق السلطان عبد الحميد مع أحد البنوك الألمانيّة لمدّ خطّ حديدي يربط بين الاستانة (اسطنبول) وبغداد والبصرة. فأدركت إنقلترا خطر هذا المشروع على مصالحها في الهند فعارضته كما عارضت فرنسا لأنّه يهدّد مصالحها الاقتصاديّة والثقافيّة في بلاد الشام.

4)- الأزمة البلقانية ومؤتمر برلين :
عادت الأزمة البلقانيّة من جديد إثر ثورة البوسنة والهسرك ممّا أدّى إلى تدخّل الدول الأوروبيّة وعقد مؤتمر برلين.

أ- الأزمة البلقانيّة :
اندلعت الثورة في بلاد البلقان، خاصّة في البوسنة والهرسك واتسعت بتشجيع من صربيا وروسيا، فأرسلت النمسا وبروسيا وروسيا مذكّرة إلى السلطان العثماني تطالب فيها إجراء إصلاحات تحت رقابة دوليّة. فالتزم السلطان بذلك إلاّ أنّ نطاق الثورة اتسع فامتدّ إلى بلغاريا سنة 1876 فقامت الدولة العثمانيّة بسحق الثورة بكلّ شدّة ممّا دفع بصربيا إلى إعلان الحرب على العثمانيين.

انهزمت صربيا فتدخلت بعض الدول الأوروبية لإنقاضها وفرض الهدنة بين الطرفين سنة 1876.

وتنكّر السلطان عبد الحميد لإجراء الإصلاحات تحت الرقابة الدوليّة فاستاءت الدول الأوروبيّة واستفادت روسيا من هذا التذمّر فأعلنت الحرب على السلطان سنة 1877 وأصبحت الجيوش الروسيّة على أبواب الاستانة. فاضطر السلطان إلى عقد الصلح وفرضت روسيا شروطها في معاهدة سان ستيفانو سنة 1878 فتحصّلت بمقتضاها على عدّة امتيازات هامّة.

ب- مؤتمر برلين :
أثارت معاهدة سان ستيفانو استياء الدول الأوروبيّة خاصّة إنقلترا التي ادّعت أنّ هذه المعاهدة تناقض معاهدة باريس وتدخّلت النمسا، فخرجت بذلك الدول الأوروبيّة من حيادها وتقرّر إعادة النظر في تسوية مشاكل بلاد البلقان في مؤتمر ينعقد في برلين للحدّ من الامتيازات التي تحصّلت عليها روسيا في مؤتمر سان ستيفانو. انعقد المؤتمر في برلين سنة 1878 وترأسه بسمارك ولعب فيه دزرائيلي دورا خطيرا.

ج- نتائج المؤتمر:
كان من نتائج مؤتمر برلين تقلص حدود الإمبراطوريّة وازدياد تدخّل الدول الأوروبيّة في شؤونها الداخليّة بدعوى حماية المسيحيين.

فتمتعت بلغاريا بحكم ذاتي واستقلّت كلّ من صربيا والجبل الأسود ووضعت البوسنة والهرسك تحت الإدارة النمساويّة.

فكان من نتائج المؤتمر إذن الحدّ من الامتيازات التي تحصّلت عليها روسيا في مؤتمر سان ستيفانو كما كان من نتائجه أيضا التقارب بين فرنسا وروسيا من جهة والتباعد بين ألمانيا وروسيا من جهة ثانية. وهكذا لم تستفد الإمبراطوريّة العثمانيّة من هذه المعاهدة بل كانت أشدّ وطأة عليها من معاهدة سان ستيفانو، فازداد تدخّل الدول الأوروبيّة في شؤون الإمبراطوريّة ومهّد لاقتسام ما تبقى من ممتلكات الرجل المريض فقامت فرنسا باحتلال تونس وإنقلترا باحتلال قبرص ومصر وإيطاليا باحتلال ليبيا.

الخاتمة :
تعرضّت الإمبراطوريّة العثمانيّة خلال القرن XIX إلى أزمات داخليّة حادّة نتيجة لضعف السلاطين ونموّ القوميات وتدخل الدول الأوروبيّة في شؤونها.

وفي أواخر القرن XIX تقلّصت حدود الإمبراطوريّة رغم المحاولات اليائسة التي قام بها بعض السلاطين فاقتربت نهاية الرجل المريض وانقضت الدول الأوروبيّة إثر مؤتمر برلين على ما تبقى من ممتلكاته.



ليست هناك تعليقات: