شرح نصّ بونوّارة - 7 أساسي - محور الحيّ
شرح نصّ بونوّارة - يوسف عبد العاطي - السنة السابعة أساسي - محور الحيّ
النصّ
«بُونَوَارَةِ» حَرَقَ شَارِبَيْهِ
كُنْتُ أَسْتَمِعُ إِلَى الأطْفَالِ يُرَدِّدُونَ أُهْزُوجَتَهُمْ، إِنَّهُمْ يَضْحَكُونَ مِنَ
الرَّجُلِ بَيْنَمَا لَمْ يَفْهَمُوا مَا حَدَثَ. إِنَّهُ لَيْسَ مَعْتُوهًا مِنْ مَعْتُوهِي حَيِّنَا، فَقَدْ
عَرَفْتُ الرَّجُلَ جَيِّدًا. إِنَّهُ بَائِعُ النَوَّارِ فِي حَيِّنَا وَرُبَّمَا مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ نَادَاهُ
الأَطْفَالُ بِاسْمِ «بُونَوّارَة»، لَقَدْ كُنَّا جَمِيعاً نَتَمَنَّى الجُلُوسَ حِذْوَهُ ؛ فَلَهُ
حِكَايَاتٌ عَذْبَةٌ لِكُلِّ الأَعْمَارِ، وَرَغْمَ قِلَّةِ رِبْحِهِ مِنْ تِجَارَةِ النَوَّارِ فِي حَيِّنَا، فَإِنَّهُ
رَفَضَ أَنْ يَنْتَقِلَ مِن دُكَانِهِ إِلَى حَيٍّ آخَرَ.
«بُونَوَارَةِ» حَرَقَ شَارِبَيْهِ
كُنْتُ أُفَكِّرُ فِي سَبَبِ ذَلكَ وَأَنَا أَصِيحُ فِي وَجْهِ الأَطْفَالِ أَنْهَرُهُمْ لَكِنَّهُمْ
لَمْ يَنْصَرِفُوا إِلَى لَعِبِهِمْ إِلاَّ بَعْدَ أَنْ أَعَانَنِي عَلَى نَهْرِهِم عَدَدٌ مِنَ الرِجَالِ بَيْنَمَا
كَانَ «بُونَوَّارَة» يَرْقُصُ عَلَى أَنْغَامِهِمْ وَكَأَنَّهُ يُشَجِّعُهُمْ.
كَانَ « بُونَوَّارَة » فِي كَامِلِ أَيَامِ الأُسْبُوعِ يَضَعُ زَهْرَةً عَلَى أُذُنِهِ بَعْدَ أَنْ
يَكُونَ قَدْ عَدَلَ مِنْ وَضْعِ شَارِبَيْهِ، ثُمَّ يَجْلِسُ أَمَامَ دُكَانِهِ أَيَامَ الحَرِّ وَدَاخِلَهُ أَيَّامَ
القَرِّ، وَأَغْلَبُ سُكَّانِ حَيِّنَا يَجْلِسُونَ مَعَهُ لِلاِسْتِمْتَاعِ بِحِكَايَاتِهِ الشَيِّقَةِ التِي
تَنْبِضُ بِالحَيَاةِ. إِنَّهَا حِكَايَاتُنَا، وَرُبَّمَا إِذَا سَمِعَها أَحَدٌ غَيْر أَبْنَاءِ حَيِّنَا لاَ يَشْعُرُ
بِحَلاَوَتِهَا، أمَّا نَحْنُ فَكُنَّا نَحْيَاهَا مَعَهُ وَهُوَ يَرْوِيهَا.
«بُونَوَارَة» حَرَقَ شَارِبَيْهِ عَلاَمَةَ الرُّجُولَةِ فِي حَيِّنَا.
أَجْلَسَنَا «بُونَوارَة» فِي المَقْهَى بَعْدَ أَنْ تَفَرِّقَ الأَطْفَالُ. لَقَدْ أَصْبَحَ نَحِيلاً، فَقَدْ مَرَّ
وَقْتٌ طَوِيلٌ لَمْ أَرَهُ فِيهِ وَبَقِيَ دُكَّانُهُ مُغْلَقًا مُدَّةً طَوِيلَةً مِثْلَ جَمِيعِ الدَكَاكِينِ المُجَاوِرَةِ،
ظَنَنْتُ أَنَّهُ يَبِيعُ النَوَّارَ فَي مَكَانٍ آخَرَ وَقَدْ تَغَيَّرَ الكَثِيرُ مِنَ الأُمُورِ فِي حَيِّنَا، فَصِرتُ
أتَفَادَى البَقَاءَ فِيهِ وَقْتاً طَوِيلاً، أَخْرُجُ إِلَى العَمَلِ فِي الصَبَاحِ وَلاَ أَعُودُ إِلَيْهِ إِلاَّ فِي وَقْتِ
مُتَأَخِّرٍ مِنَ اللَّيْلِ فَقَدْ انْتَصَبَتْ فِيهِ آلاتٌ ضَخْمَةٌ مِنْ أَجْلٍ هَدْمِهِ لِتَجْدِيدِهِ، وَرُبِّمَا كَانَ
وَرَاءَ غَلْقِ دُكَّانِ «بُونَوَارَة» سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ هُرُوبِنَا مِنَ البَقَاءِ فِي الحَيِّ، فَقَدْ عَلِقَ بَابٌ
دُكَانِ «بُونَوَّارَة» وغُلِقَتْ حِكَايَاتُهُ عنًّا . أَصْبَحْنَا جَمِيعاً لاَ نَأْتِي إِلَى الحَيِّ جَمِيعاً لاَ تَأْتِي إِلَى الحَيِّ إِلاَّ مِنْ أَجْلِ
النَّوْمِ، لَمْ تَعُدْ تَرْبِطُنَا إِلَى الحَيِّ تِلْكَ الحِكَايَاتُ المُشَوِّقَةُ التِي كَانَ يَرْوِيهَا، وَلاَ عَادَتْ
تُغْرِينَا تِلْكَ الأَطْلالُ التِي عَاشَ فِيهَا أَجْدَادُنَا وَبَنَوْهَا بِعَذَبٍ أَحْلامِهِمْ. صَار ذَلِكَ
رُكَامًا؛ لِذَلِكَ كَانَ لِزَاماً عَلَيْنَا الهُرُوبُ مِنَ الحَيِّ فَتَرَكْنَاهُ لِلآلاَتِ الضَخْمَةِ وَالرُّكَامِ.
وَكَانَ دُكَّانُ « بُونَوَّارَة » أَوَّلَ مَا هُدِمَ فِي حَيِّنَا، فَهُدِمَ الرَّجُلُ مَرَّتَيْنِ: غُلِقَ دُكَّانُهُ وَأُخْرِسَ
صَوْتُهُ، أَمَّا نَحْنُ فَقَدْ خَسِرْنَا النَوَّارَ وَالحِكَايَاتِ التِي تَرْوِينَا.
التقديم:
نَصٌ سَرْدِيُّ يَنْدَرِجُ ضِمْنَ مِحْوَر الحَيّ لِلكَاتِبِ التُونُسِيّ يُوسف عبد العاطي وهو مَأْخُوذٌ من روايته " و بعد..." , صفحة 104.
موضوع النصّ ومحاوره الرئيسة:
يَنْدَرِجُ هَذَا النَّصُّ تَحْتَ أَدَبِ الذَّاكِرَةِ وَالحَنِينِ إِلَى المَكَانِ وَالشَّخْصِيَّاتِ الَّتِي تَصْنَعُهُ. وَهُوَ يَرْسُمُ صُورَةً لِرَجُلٍ بَسِيطٍ هُوَ «بُونَوَّارَة»، كَانَ يَبِيعُ النَّوَارَ فِي الحَيِّ، وَيَرْوِي لِأَهْلِهِ حِكَايَاتٍ عَذْبَةً، ثُمَّ يُصَوِّرُ كَيْفَ تَحَوَّلَ الحَيُّ وَانْدَثَرَ كُلُّ شَيْءٍ بِسَبَبِ التَّجْدِيدِ الحَضَرِيِّ.
الفكرة العامة:
يَسْتَرْجِعُ الرَّاوِي ذِكْرَيَاتِ شَخْصِيَّةٍ مَحْبُوبَةٍ فِي حَيِّهِ هِيَ «بُونَوَّارَة» بَائِعُ النَوَّارِ وَالحَكَّاءُ الشَّعْبِيُّ، مُصَوِّرًا مَكَانَتَهُ المُمَيَّزَةَ فِي نُفُوسِ الجَمِيعِ. ثُمَّ يَنْتَقِلُ إِلَى وَصْفِ مَشْهَدٍ حَزِينٍ يَتَعَرَّضُ فِيهِ «بُونَوَّارَة» لِسُخْرِيَةِ الأَطْفَالِ، لِيَخْتِمَ بِرِثَائِهِ عِنْدَمَا يُهْدَمُ دُكَّانُهُ مَعَ بَقِيَّةِ الحَيِّ، فَيَفْقِدُ النَّاسُ النَّوَارَ وَالحِكَايَاتِ مَعًا.
المحاور الرئيسة:
* مِحْوَرُ شَخْصِيَّةِ «بُونَوَّارَة» فِي الذَّاكِرَةِ الجَمَاعِيَّةِ لِلْحَيِّ:
الموضوع: مَكَانَةُ «بُونَوَّارَة» كَوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الحَيِّ وَكَرَاوٍ لِحِكَايَاتِهِ.
التَّفَاصِيلُ الدَّالَّةُ:
- "إِنَّهُ بَائِعُ النَوَّارِ فِي حَيِّنَا".
- "لَقَدْ كُنَّا جَمِيعًا نَتَمَنَّى الجُلُوسَ حِذْوَهُ".
- "لَهُ حِكَايَاتٌ عَذْبَةٌ لِكُلِّ الأَعْمَارِ".
- "أَغْلَبُ سُكَّانِ حَيِّنَا يَجْلِسُونَ مَعَهُ لِلاِسْتِمْتَاعِ بِحِكَايَاتِهِ الشَّيِّقَةِ".
* مِحْوَرُ: طُقُوسِ «بُونَوَّارَة» اليَوْمِيَّةِ وَرَمْزِيَّتُهَا.
الموضوع: عَادَاتُ الرَّجُلِ الثَّابِتَةُ الَّتِي تَجْعَلُ مِنْهُ جُزْءًا مِنْ نَسِيجِ الحَيِّ.
التَّفَاصِيلُ الدَّالَّةُ:
- "يَضَعُ زَهْرَةً عَلَى أُذُنِهِ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ قَدْ عَدَّلَ مِنْ وَضْعِ شَارِبَيْهِ".
- "يَجْلِسُ أَمَامَ دُكَّانِهِ أَيَّامَ الحَرِّ وَدَاخِلَهُ أَيَّامَ القَرِّ".
- الشَّارِبَانِ هُنَا "عَلاَمَةُ الرُّجُولَةِ فِي حَيِّنَا".
* مِحْوَرُ: الحِكَايَةِ كَمَادَّةٍ رَابِطَةٍ بَيْنَ أَهْلِ الحَيِّ.
الموضوع: الحِكَايَاتُ كَقِيمَةٍ مَعْنَوِيَّةٍ تُشَكِّلُ هُوِيَّةَ الحَيِّ المُشْتَرَكَةَ.
التَّفَاصِيلُ الدَّالَّةُ:
- "إِنَّهَا حِكَايَاتُنَا".
- "... رُبَّمَا إِذَا سَمِعَهَا أَحَدٌ غَيْرُ أَبْنَاءِ حَيِّنَا لاَ يَشْعُرُ بِحَلاَوَتِهَا".
- "... أَمَّا نَحْنُ فَكُنَّا نَحْيَاهَا مَعَهُ".
* مِحْوَرُ: المُفَارَقَةِ بَيْنَ الطُّفُولَةِ البَرِيئَةِ وَقَسْوَةِ الوَاقِعِ.
الموضوع: سُخْرِيَةُ الأَطْفَالِ مِنْ «بُونَوَّارَة» وَهُوَ يَرْقُصُ عَلَى أَنْغَامِهِمْ.
التَّفَاصِيلُ الدَّالَّةُ:
- "يَضْحَكُونَ مِنَ الرَّجُلِ بَيْنَمَا لَمْ يَفْهَمُوا مَا حَدَثَ".
- "يَرْقُصُ عَلَى أَنْغَامِهِمْ وَكَأَنَّهُ يُشَجِّعُهُمْ".
- مُدَاخَلَةُ الرَّاوِي وَالرِّجَالِ لِنَهْرِ الأَطْفَالِ.
* مِحْوَرُ: الهَدْمِ وَالغُرْبَةِ (مَوْتُ الحَيِّ)
الموضوع: تَحَوُّلُ الحَيِّ القَدِيمِ إِلَى رُكَامٍ بِسَبَبِ التَّجْدِيدِ الحَضَرِيِّ، وَمَوْتُ رُوحِهِ.
التَّفَاصِيلُ الدَّالَّةُ:
- "انْتَصَبَتْ فِيهِ آلاَتٌ ضَخْمَةٌ مِنْ أَجْلِ هَدْمِهِ".
- "غُلِقَ بَابُ دُكَّانِ «بُونَوَّارَة» وَغُلِقَتْ حِكَايَاتُهُ عَنَّا".
- "صَارَ ذَلِكَ رُكَامًا".
- "تَرَكْنَاهُ لِلآلاَتِ الضَّخْمَةِ وَالرُّكَامِ".
* مِحْوَرُ: مَوْتِ «بُونَوَّارَة» الرَّمْزِيِّ وَالحَقِيقِيِّ.
الموضوع: هَدْمُ دُكَّانِهِ كَانَ إِعْلاَنًا لاِنْتِهَاءِ عَالَمٍ كَامِلٍ.
التَّفَاصِيلُ الدَّالَّةُ:
- "وَكَانَ دُكَّانُ «بُونَوَّارَة» أَوَّلَ مَا هُدِمَ فِي حَيِّنَا".
- "فَهُدِمَ الرَّجُلُ مَرَّتَيْنِ: غُلِقَ دُكَّانُهُ وَأُخْرِسَ صَوْتُهُ".
- "خَسِرْنَا النَّوَارَ وَالحِكَايَاتِ الَّتِي تَرْوِينَا".
الإجابة عن الأسئلة:
1- يُمْكِنُ تَقْسِيمُ النَصِّ إِلَى وَحْدَتَيْنِ، الأُولَى (عَلاَقَةُ ( بُونَوّارَة) بِالحَيِّ) وَالثَانِيَةُ: (أَثَرُ تَطَوُّرِ الحَيِّ فِي شَخْصِيَّةِ «بُونَوَّارَة» اِضْبِطْ حَدّيْ كُل مِنَ الوَحْدَتَيْنِ.
تَقْسِيمُ النَّصِّ إِلَى وَحْدَتَيْنِ حَسَبَ المِعْيَارِ المُعْطَى:
* الوَحْدَةُ الأُولَى: عَلاَقَةُ «بُونَوَّارَةَ» بِالحَيِّ.
تَمْتَدُّ هَذِهِ الوَحْدَةُ مِنْ بِدَايَةِ النَّصِّ: "كُنْتُ أَسْتَمِعُ إِلَى الأَطْفَالِ يُرَدِّدُونَ أُهْزُوجَتَهُمْ..." إِلَى قَوْلِهِ: "«بُونَوَّارَةُ» حَرَقَ شَارِبَيْهِ عَلاَمَةَ الرُّجُولَةِ فِي حَيِّنَا."
- تَبْدَأُ الوَحْدَةُ بِمَشْهَدِ الأَطْفَالِ وَهُمْ يَضْحَكُونَ مِنْ «بُونَوَّارَةَ» وَهُوَ يَرْقُصُ عَلَى أَنْغَامِهِمْ، ثُمَّ يَتَدَخَّلُ الرَّاوِي مُصَحِّحًا لِلصُّورَةِ، مُؤَكِّدًا أَنَّ «بُونَوَّارَةَ» لَيْسَ مَعْتُوهًا بَلْ هُوَ بَائِعُ النَوَّارِ المَعْرُوفُ فِي الحَيِّ. تُصَوِّرُ الوَحْدَةُ مَكَانَةَ «بُونَوَّارَةَ» الخَاصَّةَ فِي نُفُوسِ أَهْلِ الحَيِّ، فَالجَمِيعُ كَانُوا يَتَمَنَّوْنَ الجُلُوسَ حِذْوَهُ لِلاِسْتِمْتَاعِ بِحِكَايَاتِهِ العَذْبَةِ الَّتِي تَنْبِضُ بِالحَيَاةِ. كَمَا تَصِفُ طُقُوسَهُ اليَوْمِيَّةَ الثَّابِتَةَ: وَضْعُ الزَّهْرَةِ عَلَى أُذُنِهِ بَعْدَ تَعْدِيلِ شَارِبَيْهِ، وَجُلُوسُهُ أَمَامَ دُكَّانِهِ أَيَّامَ الحَرِّ وَدَاخِلَهُ أَيَّامَ القَرِّ. وَتُؤَكِّدُ الوَحْدَةُ أَنَّ حِكَايَاتِهِ هِيَ "حِكَايَاتُنَا" الَّتِي لاَ يَفْهَمُ حَلاَوَتَهَا إِلاَّ أَبْنَاءُ الحَيِّ. تَخْتَتِمُ الوَحْدَةُ بِتَكْرَارِ الجُمْلَةِ المِفْتَاحِيَّةِ الَّتِي تُعْلِنُ أَنَّ «بُونَوَّارَةَ» حَرَقَ شَارِبَيْهِ، عَلاَمَةَ الرُّجُولَةِ فِي الحَيِّ.
* الوَحْدَةُ الثَّانِيَةُ: أَثَرُ تَطَوُّرِ الحَيِّ فِي شَخْصِيَّةِ «بُونَوَّارَةَ»
تَمْتَدُّ هَذِهِ الوَحْدَةُ مِنْ قَوْلِهِ: "أَجْلَسَنَا «بُونَوَّارَةُ» فِي المَقْهَى بَعْدَ أَنْ تَفَرَّقَ الأَطْفَالُ..." إِلَى نِهَايَةِ النَّصِّ.
- تَبْدَأُ الوَحْدَةُ بِمَشْهَدٍ جَدِيدٍ مُخْتَلِفٍ، فَالرَّاوِي يَجْلِسُ مَعَ «بُونَوَّارَةَ» فِي المَقْهَى، وَيُلاحِظُ أَنَّهُ قَدْ أَصْبَحَ نَحِيلاً بَعْدَ غِيَابٍ طَوِيلٍ. تُفْصِحُ الوَحْدَةُ عَنْ تَغَيُّرَاتٍ كُبْرَى فِي الحَيِّ: دُكَّانُ «بُونَوَّارَةَ» مُغْلَقٌ، وَآلاَتٌ ضَخْمَةٌ انْتَصَبَتْ لِهَدْمِ الحَيِّ بِكَامِلِهِ، وَالنَّاسُ أَصْبَحُوا يَهْرُبُونَ مِنَ البَقَاءِ فِيهِ. تُصَوِّرُ الوَحْدَةُ انْقِطَاعَ العَلاَقَةِ بَيْنَ أَهْلِ الحَيِّ وَمَكَانِهِمْ: غُلِقَتْ حِكَايَاتُ «بُونَوَّارَةَ»، وَالنَّاسُ لاَ يَأْتُونَ إِلَى الحَيِّ إِلاَّ لِلنَّوْمِ، وَالأَطْلاَلُ الَّتِي عَاشَ فِيهَا الأَجْدَادُ تَصِيرُ رُكَامًا. تَخْتَتِمُ الوَحْدَةُ بِأَكْثَرِ المَشَاهِدِ إِيلامًا: دُكَّانُ «بُونَوَّارَةَ» كَانَ أَوَّلَ مَا هُدِمَ فِي الحَيِّ، فَهُدِمَ الرَّجُلُ مَرَّتَيْنِ (غُلِقَ دُكَّانُهُ وَأُخْرِسَ صَوْتُهُ)، وَخَسِرَ النَّاسُ النَّوَارَ وَالحِكَايَاتِ الَّتِي كَانَتْ تَرْوِيهِمْ.
2- «بُونَوَّارَة» شَخْصِيَّةُ طَرِيفَةٌ مَحْبُوبَةٌ فِي حَيِّهِ، اِسْتَخْلِصْ مِنَ النَصِّ العِبَارَاتِ الدَالَّةِ عَلَى ذَلِكَ.
العِبَارَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى أَنَّ «بُونَوَّارَةَ» شَخْصِيَّةٌ طَرِيفَةٌ مَحْبُوبَةٌ فِي حَيِّهِ:
أَوَّلاً: العِبَارَاتُ الدَّالَةُ عَلَى طَرَافَتِهِ:
- وَصْفُهُ بِأَنَّهُ "يَرْقُصُ عَلَى أَنْغَامِهِمْ" رَغْمَ أَنَّ الأَطْفَالَ كَانُوا يَضْحَكُونَ مِنْهُ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى رُوحِهِ المَرِحَةِ وَعَدَمِ اكْتِرَاثِهِ بِسُخْرِيَتِهِمْ.
- "يَضَعُ زَهْرَةً عَلَى أُذُنِهِ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ قَدْ عَدَلَ مِنْ وَضْعِ شَارِبَيْهِ". هَذِهِ الصُورَةُ البَصَرِيَّةُ لِرَجُلٍ يَضَعُ زَهْرَةً خَلْفَ أُذُنِهِ تُضْفِي عَلَيْهِ طَابَعًا طَرِيفًا وَمُمَيِّزًا.
ثَانِيًا: العِبَارَاتُ الدَّالَةُ عَلَى مَحَبَّتِهِ وَمَكَانَتِهِ فِي الحَيِّ:
- "لَقَدْ كُنَّا جَمِيعاً نَتَمَنَّى الجُلُوسَ حِذْوَهُ". هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الجَمِيعَ (كِبَارًا وَصِغَارًا) كَانُوا يَشْتَاقُونَ لِمُجَالَسَتِهِ وَالِاقْتِرَابِ مِنْهُ.
- "فَلَهُ حِكَايَاتٌ عَذْبَةٌ لِكُلِّ الأَعْمَارِ". الحِكَايَاتُ العَذْبَةُ هِيَ سَبَبُ جَذْبِهِ لِلنَّاسِ، وَهِيَ تُنَاسِبُ الجَمِيعَ كِبَارًا وَصِغَارًا.
- "أَغْلَبُ سُكَّانِ حَيِّنَا يَجْلِسُونَ مَعَهُ لِلاِسْتِمْتَاعِ بِحِكَايَاتِهِ الشَّيِّقَةِ الَّتِي تَنْبِضُ بِالحَيَاةِ". هَذَا يُؤَكِّدُ أَنَّهُ كَانَ مَقْصِدًا لِأَكْثَرِيَّةِ أَهْلِ الحَيِّ، وَأَنَّ حِكَايَاتِهِ كَانَتْ حَيَّةً وَمُؤَثِّرَةً.
- "إِنَّهَا حِكَايَاتُنَا، وَرُبَّمَا إِذَا سَمِعَهَا أَحَدٌ غَيْرُ أَبْنَاءِ حَيِّنَا لاَ يَشْعُرُ بِحَلاَوَتِهَا، أَمَّا نَحْنُ فَكُنَّا نَحْيَاهَا مَعَهُ". هَذَا يُظْهِرُ أَنَّ عَلاَقَةَ الحَيِّ بِبُونَوَّارَةَ كَانَتْ عَلاَقَةً خَاصَّةً وَحَمِيمِيَّةً، فَحِكَايَاتُهُ كَانَتْ جُزْءًا مِنْ هُوِيَّتِهِمْ.
3- لاَ يَتَجَلَّى مَعْنَى جُمْلَة «بُونَوَّارَة حَرَقَ شَارِبَيْهِ» رَغْمَ تِكْرَارَهَا إِلاَّ بِرَبْطِهَا بِتَطَوُّرِ الأَحْدَاثِ فِي النَصِّ، وَضِّحْ ذَلِكَ.
يَخْتَارُ السَّارِدُ أَنْ يُكَرِّرَ جُمْلَةَ «بُونَوَّارَةُ حَرَقَ شَارِبَيْهِ» ثَلاَثَ مَرَّاتٍ فِي النَّصِّ، وَكُلُّ مَرَّةٍ تَحْمِلُ دَلاَلَةً جَدِيدَةً تُسَاعِدُ فِي بِنَاءِ الصُّورَةِ الكَامِلَةِ لِلشَّخْصِيَّةِ وَمَصِيرِهَا.
المَرَّةُ الأُولَى: التَّقْدِيمُ لِلْحَادِثَةِ.
- فِي بِدَايَةِ النَّصِّ، يَذْكُرُ السَّارِدُ هَذِهِ الجُمْلَةَ كَمَعْلُومَةٍ مُفَاجِئَةٍ عَنِ الرَّجُلِ الَّذِي يُحَدِّثُنَا عَنْهُ. وَيُبَيِّنُ لَنَا نَتِيجَةَ هَذَا الفِعْلَ وَهِيَ سُخْرِيَةُ الأَطْفَالِ مِنْهُ. وَنَحْنُ لاَ نَعْرِفُ بَعْدُ، مَتَى وَلِمَاذَا حَرَقَ شَارِبَيْهِ، وَلَكِنَّ السَّارِدَ يَضَعُهَا كَمِفْتَاحٍ لِفَهْمِ الشَّخْصِيَّةِ.
المَرَّةُ الثَّانِيَة: الكَشْفُ عَنْ رَمْزِيَّةِ الشَّارِبَيْنِ.
يَصِفُ لَنَا السَّارِدُ طُقُوسَ «بُونَوَّارَةَ» اليَوْمِيَّةَ فِي المَاضِي الجَمِيلِ: كَيْفَ كَانَ يُعَدِّلُ شَارِبَيْهِ بِعِنَايَةٍ، ثُمَّ يَضَعُ الزَّهْرَةَ وَيَجْلِسُ أَمَامَ دُكَّانِهِ. ثُمَّ يُؤَكِّدُ أَنَّ هَذِهِ الشَّارِبَيْنِ كَانَتَا "عَلاَمَةَ الرُّجُولَةِ فِي حَيِّنَا". هُنَا نَفْهَمُ أَنَّ الشَّارِبَيْنِ لَيْسَا مُجَرَّدَ زِينَةٍ، بَلْ هُمَا رَمْزُ الكَرَامَةِ وَالرُّجُولَةِ وَالمَكَانَةِ الاِجْتِمَاعِيَّةِ.
المَرَّةُ الثَّالِثَة: الكَشْفُ عَنْ دَافِعِ الحَرْقِ وَرَبْطُهُ بِالحَاضِرِ.
- فِي آخِرِ النَّصِّ، نَعْرِفُ أَنَّ الحَيَّ قَدْ هُدِمَ، وَأَنَّ دُكَّانَ «بُونَوَّارَةَ» كَانَ أَوَّلَ مَا هُدِمَ. هُنَا يَتَكَشَّفُ المَعْنَى الحَقِيقِيُّ: «بُونَوَّارَةُ» حَرَقَ شَارِبَيْهِ بِنَفْسِهِ، لاَ لِأَنَّ أَحَدًا أَذَاهُ، بَلْ كَرَدِّ فِعْلٍ عَلَى هَدْمِ دُكَّانِهِ.
لِسَانُ حَالِهِ يَقُولُ: "كَانَ شَارِبَايَ رَمْزَ رُجُولَتِي. كُنْتُ أَعْتَنِي بِهِمَا وَأُعَدِّلُهُمَا كُلَّ يَوْمٍ. كُنْتُ أَضَعُ الزَّهْرَةَ وَأَجْلِسُ أَمَامَ دُكَّانِي. أَمَّا الآنَ، وَقَدْ هُدِمَ دُكَّانِي، فَلَمْ تَعُدْ لِي حَاجَةٌ إِلَى شَارِبَيْنِ. فَقْدُ الدُّكَّانِ، وَفَقْدُ الهَوِيَّةِ وَالرِّزْقِ وَالمَكَانِ. إِذَا كُنْتُ لاَ أَسْتَطِيعُ حِمَايَةَ دُكَّانِي، فَكَيْفَ أَدَّعِي الرُّجُولَةَ؟ وَلِمَاذَا أُبْقِي عَلَى شَارِبَيَّ إِنْ كُنْتُ لَمْ أَعُدْ رَجُلاً؟".
حَرْقُ الشَّارِبَيْنِ هُوَ طَقْسُ تَخَلٍّ عَنِ الرُّجُولَةِ، هُوَ اعْتِرَافٌ بِالهَزِيمَةِ، هُوَ إِعْلاَنٌ أَنَّ الرَّجُلَ قَدِ اسْتَسْلَمَ. وَهَذَا يُفَسِّرُ لِمَاذَا رَآهُ السَّارِدُ فِي بِدَايَةِ النَّصِّ يَرْقُصُ مَعَ الأَطْفَالِ الَّذِينَ يَسْخَرُونَ مِنْهُ. إِنَّهُ لَمْ يَعُدْ يَهُمُّهُ شَيْءٌ، لَمْ يَعُدْ يُبَالِي بِكَرَامَتِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ تَخَلَّى عَنْهَا بِنَفْسِهِ.
4- تَتَدَهْوَرُ حَالَةُ بُونَوَّارَة الجَسَدِيَّةُ وَالنَفْسِيَّةُ فِي الوَقْتِ الذِي يَشْهَدُ فِيهِ الحَيُّ تَجَدُّدًا وَتَطْوِيراً، اِسْتَجْلِ مَظَاهِرَ هَذَا التَدَهْوُرِ وَبَيِّنَ دَلاَلَتِهَا عَلَى عَلاَقَةِ «بُونَوَّارَة» بِالحَيِّ.
* أَوَّلاً: مَظَاهِرُ تَدَهْوُرِ حَالَةِ «بُونَوَّارَةَ» الجَسَدِيَّةِ وَالنَّفْسِيَّةِ:
1- المَظَاهِرُ الجَسَدِيَّةُ:
- النُّحُولُ وَالضُّعْفُ: "لَقَدْ أَصْبَحَ نَحِيلاً". هَذَا الوَصْفُ يُشِيرُ إِلَى تَغَيُّرٍ جَسَدِيٍّ كَبِيرٍ، فَالرَّجُلُ الَّذِي كَانَ يَجْلِسُ أَمَامَ دُكَّانِهِ نَشِيطًا يَرْقُصُ مَعَ الأَطْفَالِ، أَصْبَحَ نَحِيلاً ضَعِيفًا.
- التَّجَاعِيدُ وَآثَارُ الوَقْتِ: لَمْ يُذْكَرْ ذَلِكَ صَرَاحَةً، لَكِنَّ النُّحُولَ يَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ دَلاَلَةَ المَرَضِ أَوِ الإِجْهَادِ أَوِ التَّقَدُّمِ فِي السِّنِّ بَعْدَ هَذَا الغِيَابِ الطَّوِيلِ.
2- المَظَاهِرُ النَّفْسِيَّةُ وَالمَعْنَوِيَّةُ:
- الاِنْكِسَارُ الصَّامِتُ: لَمْ نَعُدْ نَرَهُ أّمَامَ دُكَانِه يَضَعُ الزَّهْرَةَ عَلَى أُذُنِهِ بَعْدَ أَن يَكُونَ قَدْ عَدّلَ مِنْ شَارِبَيْهِ.
- الصَّمْتُ وَفُقْدَانُ الصَّوْتِ: "أُخْرِسَ صَوْتُهُ". هَذَا أَكْثَرُ مَظَاهِرِ التَدَهْوُرِ إِيلامًا، فَالرَّجُلُ الَّذِي كَانَتْ حِكَايَاتُهُ تَمْلأُ الحَيَّ وَتَجْمَعُ النَّاسَ حَوْلَهُ، أُخْرِسَ صَوْتُهُ إِلَى الأَبَدِ.
- الاِنْعِزَالُ وَالاِخْتِفَاءُ: دُكَّانُهُ مُغْلَقٌ، وَهُوَ لَمْ يَعُدْ يَظْهَرُ كَالسَّابِقِ. حَتَّى عِنْدَمَا يَجْلِسُ مَعَ الرَّاوِي فِي المَقْهَى، نَشْعُرُ أَنَّهُ مُجَرَّدُ ظِلٍّ لِشَخْصِيَّتِهِ السَّابِقَةِ.
- فُقْدَانُ الحِكَايَاتِ: "غُلِقَتْ حِكَايَاتُهُ عَنَّا". الحِكَايَاتُ هِيَ رُوحُهُ، هِيَ هُوَ. فُقْدَانُهَا يَعْنِي مَوْتَهُ المَعْنَوِيَّ قَبْلَ المَوْتِ الجَسَدِيِّ.
* ثَانِيًا: المُقَابَلَةُ بَيْنَ تَدَهْوُرِ «بُونَوَّارَةَ» وَتَطَوُّرِ الحَيِّ:
بَيْنَمَا يَتَدَهْوَرُ «بُونَوَّارَةُ» جَسَدِيًّا وَنَفْسِيًّا، يَشْهَدُ الحَيُّ "تَطَوُّرًا" وَ"تَجْدِيدًا" يَظْهَرُ فِي:
- وُجُودُ الآلاَتِ الضَّخْمَةِ: "انْتَصَبَتْ فِيهِ آلاَتٌ ضَخْمَةٌ مِنْ أَجْلِ هَدْمِهِ لِتَجْدِيدِهِ".
- تَغْيِيرُ مَعَالِمِ الحَيِّ: الهَدْمُ وَالبِنَاءُ مِنْ جَدِيدٍ.
- هُرُوبُ النَّاسِ: النَّاسُ لاَ يَبْقَوْنَ فِي الحَيِّ، يَأْتُونَ فَقَطْ لِلنَّوْمِ.
هَذِهِ المُقَابَلَةُ تُظْهِرُ تَنَاقُضًا صَارِخًا: تَطَوُّرُ المَكَانِ (المَادَّةِ) يَقْتُلُ رُوحَ المَكَانِ (الإِنْسَانَ). مَا يُسَمَّى "تَجْدِيدًا" هُوَ فِي الحَقِيقَةِ تَدْمِيرٌ لِكُلِّ مَا هُوَ جَمِيلٌ وَحَيٌّ.
* ثَالِثًا: دَلاَلَةُ هَذَا التَّدَهْوُرِ عَلَى عَلاَقَةِ «بُونَوَّارَةَ» بِالحَيِّ:
1- العَلاَقَةُ العُضْوِيَّةُ (هُوَ الحَيُّ وَالحَيُّ هُوَ): تَدَهْوُرُ «بُونَوَّارَةَ» لَيْسَ مُنْفَصِلاًّ عَنْ تَدَهْوُرِ الحَيِّ. هُوَ يَذْوِي كَمَا يَذْوِي الحَيُّ. هَدْمُ دُكَّانِهِ أَوَّلَ مَا يُهْدَمُ يُؤَكِّدُ أَنَّهُ كَانَ قَلْبَ الحَيِّ النَّابِضَ.
2- العَلاَقَةُ الرَّمْزِيَّةُ (هُوَ ذَاكِرَةُ الحَيِّ): مَعَ هَدْمِ دُكَّانِهِ، "أُخْرِسَ صَوْتُهُ" وَ"غُلِقَتْ حِكَايَاتُهُ". هَذَا يَعْنِي أَنَّ ذَاكِرَةَ الحَيِّ كُلَّهَا قَدِ انْدَثَرَتْ بِانْدِثَارِهِ. هُوَ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ سَاكِنٍ، بَلْ كَانَ الحَافِظَ عَلَى تُرَاثِ الحَيِّ الشَّفَهِيِّ.
3- العَلاَقَةُ الوِجْدَانِيَّةُ (الفَقْدُ المُشْتَرَكُ): عِبَارَةُ "خَسِرْنَا النَّوَارَ وَالحِكَايَاتِ الَّتِي تَرْوِينَا" تُظْهِرُ أَنَّ خَسَارَةَ «بُونَوَّارَةَ» هِيَ خَسَارَةُ الحَيِّ بِأَسْرِهِ. النَّاسُ لَمْ يَخْسَرُوا رَجُلاًّ فَقَطْ، بَلْ خَسِرُوا جُزْءًا مِنْ هُوِيَّتِهِمْ.
4- العَلاَقَةُ الوِجَادِيَّةُ (الرَّفْضُ المُشْتَرَكُ): «بُونَوَّارَةُ» رَفَضَ أَنْ يَنْتَقِلَ مِنْ دُكَّانِهِ رَغْمَ قِلَّةِ الرِّبْحِ. النَّاسُ هَرَبُوا مِنَ الحَيِّ وَلَمْ يَعُودُوا إِلَيْهِ إِلاَّ لِلنَّوْمِ. هُنَاكَ رَفْضٌ مُشْتَرَكٌ لِهَذَا "التَّطْوِيرِ" الَّذِي يَقْتُلُ الرُّوحَ، لَكِنَّ الفَرْقَ أَنَّ «بُونَوَّارَةَ» دَفَعَ ثَمَنَ رَفْضِهِ حَيَاتَهُ.
5- وَضِّحْ مَوْقِفَ السَّارِد تُجَاهَ عَمَلِيَّةِ التَطْوِيرِ التِي شَهِدَهَا الحَيُّ، ثُمَّ أَبْدِ رَأَيْكَ فِيهِ.
أَوَّلاًّ: مَوْقِفُ السَّارِدِ تُجَاهَ عَمَلِيَّةِ التَّطْوِيرِ الَّتِي شَهِدَهَا الحَيُّ:
مَوْقِفُ السَّارِدِ هُوَ مَوْقِفٌ سَلْبِيٌّ وَرَافِضٌ وَحَزِينٌ، يَظْهَرُ مِنْ خِلاَلِ عِدَّةِ عِبَارَاتٍ فِي النَّصِّ:
1- مَوْقِفُ التَّجَنُّبِ وَالهَرَبِ: "فَصِرْتُ أَتَفَادَى البَقَاءَ فِيهِ وَقْتًا طَوِيلاً، أَخْرُجُ إِلَى العَمَلِ فِي الصَّبَاحِ وَلاَ أَعُودُ إِلَيْهِ إِلاَّ فِي وَقْتٍ مُتَأَخِّرٍ مِنَ اللَّيْلِ".
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السَّارِدَ لَمْ يَعُدْ يَشْعُرُ بِالرَّاحَةِ فِي حَيِّهِ، فَأَصْبَحَ يَهْرُبُ مِنْهُ وَلاَ يَبْقَى فِيهِ إِلاَّ لِلنَّوْمِ فَقَطْ.
2- مَوْقِفُ الحَنِينِ إِلَى المَاضِي: "لَمْ تَعُدْ تَرْبِطُنَا بِالحَيِّ تِلْكَ الحِكَايَاتُ المُشَوِّقَةُ الَّتِي كَانَ يَرْوِيهَا، وَلاَ عَادَتْ تُغْرِينَا تِلْكَ الأَطْلاَلُ الَّتِي عَاشَ فِيهَا أَجْدَادُنَا وَبَنَوْهَا بِعَذْبِ أَحْلاَمِهِمْ".
وَهُنَا يُقَارِنُ السَّارِدُ بَيْنَ مَاضٍ جَمِيلٍ كَانَ يَرْبِطُهُ بِالحَيِّ (الحِكَايَاتُ، الأَطْلاَلُ، أَحْلاَمُ الأَجْدَادِ) وَحَاضِرٍ جَدِيدٍ فَقَدَ كُلَّ هَذِهِ الرُّوحِ.
3- مَوْقِفُ الاِعْتِرَافِ بِالهَزِيمَةِ: "صَارَ ذَلِكَ رُكَامًا؛ لِذَلِكَ كَانَ لِزَامًا عَلَيْنَا الهُرُوبُ مِنَ الحَيِّ".
وَالسَّارِدُ هُنَا يَعْتَرِفُ بِأَنَّ المُقَاوَمَةَ لاَ جَدْوَى مِنْهَا، فَكُلُّ شَيْءٍ قَدْ تَحَوَّلَ إِلَى رُكَامٍ، وَلاَ بُدَّ مِنَ الهُرُوبِ.
4- مَوْقِفُ الحُزْنِ العَمِيقِ عَلَى فَقْدِ «بُونَوَّارَةَ»: "وَكَانَ دُكَّانُ «بُونَوَّارَةَ» أَوَّلَ مَا هُدِمَ فِي حَيِّنَا، فَهُدِمَ الرَّجُلُ مَرَّتَيْنِ: غُلِقَ دُكَّانُهُ وَأُخْرِسَ صَوْتُهُ، أَمَّا نَحْنُ فَقَدْ خَسِرْنَا النَّوَارَ وَالحِكَايَاتِ الَّتِي تَرْوِينَا".
هَذِهِ الخَاتِمَةُ تُظْهِرُ أَنَّ السَّارِدَ لاَ يَنْظُرُ إِلَى التَّطْوِيرِ كَتَقَدُّمٍ، بَلْ كَخُسُورَةٍ كُبْرَى. هَدْمُ دُكَّانِ «بُونَوَّارَةَ» لَيْسَ مُجَرَّدَ هَدْمٍ لِمَكَانٍ، بَلْ هُوَ قَتْلٌ لِلرَّجُلِ مَرَّتَيْنِ، وَسَرِقَةٌ لِلنَّوَارِ وَالحِكَايَاتِ مِنْ أَهْلِ الحَيِّ.
* ثَانِيًا: رَأْيِي فِي هَذِهِ العَمَلِيَّةِ:
أَرَى أَنَّ النَّصَّ يَقِفُ مَوْقِفًا نَاقِدًا مِنْ عَمَلِيَّاتِ التَّطْوِيرِ الحَضَرِيِّ الَّتِي تُنَفَّذُ دُونَ مُرَاعَاةٍ لِلْبُعْدِ الإِنْسَانِيِّ وَالذَّاكِرَةِ الجَمَاعِيَّةِ لِلْأَمَاكِنِ.
أَوْجُهُ النَّقْدِ فِي هَذِهِ العَمَلِيَّةِ:
1- التَّطْوِيرُ يَقْتُلُ الرُّوحَ لاَ يَبْنِيهَا: مَا يُسَمَّى "تَجْدِيدًا" هُوَ فِي الحَقِيقَةِ تَدْمِيرٌ لِكُلِّ مَا هُوَ جَمِيلٌ. الآلاَتُ الضَّخْمَةُ تَهْدِمُ الأَحْلاَمَ مَعَ الحِجَارَةِ. الحَيُّ الجَدِيدُ الَّذِي سَيُبْنَى لَنْ يَحْمِلَ ذَاكِرَةً وَلاَ رُوحًا.
2- الإِنْسَانُ هُوَ الضَّحِيَّةُ الأُولَى: «بُونَوَّارَةُ» لَيْسَ مُجَرَّدَ تَاجِرٍ صَغِيرٍ، بَلْ هُوَ ذَاكِرَةُ الحَيِّ. هَدْمُ دُكَّانِهِ وَإِخْرَاسُ صَوْتِهِ يُظْهِرَانِ أَنَّ هَذَا التَّطْوِيرَ لاَ يَهْتَمُّ بِالإِنْسَانِ، بَلْ بِالحِجَارَةِ فَقَطْ.
3- الهُوِيَّةُ تُبَاعُ بِثَمَنِ الإِسْمَنْتِ: السَّارِدُ وَأَهْلُ الحَيِّ يَخْسَرُونَ جُزْءًا مِنْ هُوِيَّتِهِمْ. الحِكَايَاتُ الَّتِي "تَرْوِينَا" لَنْ تَعُودَ. النَّاسُ سَيَعِيشُونَ فِي بِنَايَاتٍ جَدِيدَةٍ، لَكِنَّهُمْ فَقَدُوا الرَّابِطَ الحَقِيقِيَّ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَكَانِهِمْ.
4- التَّطْوِيرُ لاَ يَعْنِي دَائِمًا التَّقَدُّمَ: النَّصُّ يَدْعُونَا إِلَى التَّسَاؤُلِ: هَلْ كُلُّ تَطْوِيرٍ هُوَ تَقَدُّمٌ حَقِيقِيٌّ؟ هَلْ نَبْنِي مُسْتَقْبَلاًّ جَدِيدًا عَلَى أَنْقَاضِ مَاضِينَا الجَمِيلِ؟ أَلَيْسَ مِنَ الأَفْضَلِ أَنْ نُطَوِّرَ مَعَ الحِفَاظِ عَلَى الذَّاكِرَةِ وَالإِنْسَانِ؟
خَاتِمَةُ الرَّأْيِ:
أَتَفَهَّمُ حُزْنَ السَّارِدِ وَرَفْضَهُ. هَذَا النَّصُّ يُذَكِّرُنَا بِأَنَّ المَدِينَةَ لَيْسَتْ مَجْمُوعَةَ مَبَانٍ، بَلْ هِيَ نَاسٌ وَذِكْرَيَاتٌ وَحِكَايَاتٌ. عِنْدَمَا نُهَدِّمُ حَيًّا قَدِيمًا، نَحْنُ لاَ نُهَدِّمُ حِجَارَةً فَقَطْ، بَلْ نَقْتُلُ أَشْخَاصًا مِثْلَ «بُونَوَّارَةَ» مَرَّتَيْنِ، وَنَسْرِقُ مِنَ الأَجْيَالِ القَادِمَةِ حَقَّهُمْ فِي مَعْرِفَةِ حِكَايَاتِهِمْ. التَّطْوِيرُ الحَقِيقِيُّ هُوَ ذَلِكَ الَّذِي يَسْتَطِيعُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الجَدِيدِ وَالقَدِيمِ، وَبَيْنَ الإِسْمَنْتِ وَالذَّاكِرَةِ.
القيمة التعليميّة / الأدبيّة:
يُقَدِّمُ النَّصُّ نَمُوذَجًا أَدَبِيًّا وَتَرْبَوِيًّا رَفِيعًا لِـ:
- أَدَبِ الحَيِّ الشَّعْبِيِّ وَشَخْصِيَّاتِهِ الهَامِشِيَّةِ: يُحَوِّلُ بَائِعَ النَوَّارِ البَسِيطَ إِلَى شَخْصِيَّةٍ مِحْوَرِيَّةٍ تُشْبِهُ الحَكَّاءَ الشَّعْبِيَّ الَّذِي يَصْنَعُ ذَاكِرَةَ الحَيِّ بِحِكَايَاتِهِ. «بُونَوَّارَة» لَيْسَ مُجَرَّدَ تَاجِرٍ، بَلْ هُوَ الذَّاكِرَةُ الشِّفَاهِيَّةُ لِلْحَيِّ.
- المُفَارَقَةِ المُؤْلِمَةِ: يُقَابِلُ النَّصُّ بَيْنَ صُورَتَيْنِ مُتَضَادَّتَيْنِ لِنَفْسِ الشَّخْصِيَّةِ:
* صُورَةُ المَاضِي: «بُونَوَّارَة» الحَكَّاءُ المَحْبُوبُ، الَّذِي تَحْلِقُ حَوْلَهُ النَّاسُ.
* صُورَةُ الحَاضِرِ: «بُونَوَّارَة» المَرْفُوضُ، الَّذِي يُهْدَمُ دُكَّانُهُ وَيَخْرَسُ صَوْتُهُ.
- رَمْزِيَّةِ النَوَّارِ وَالحِكَايَاتِ: النَّوَارُ يَرْمِزُ لِلْجَمَالِ وَالعِطْرِ وَالزَّهْرَةِ الَّتِي كَانَ يَضَعُهَا عَلَى أُذُنِهِ. الحِكَايَاتُ تَرْمِزُ لِلْوَصْلِ وَالتَّوَاصُلِ. مَوْتُهُمَا مَعًا هُوَ مَوْتُ الحَيِّ بِرُمَّتِهِ.
- البِنَاءِ الحَلَزُونِيِّ: النَّصُّ يَبْدَأُ بِالحَاضِرِ (الأَطْفَالُ يَضْحَكُونَ)، ثُمَّ يَرْجِعُ لِلْمَاضِي لِيُعَرِّفَنَا بِبُونَوَّارَةَ وَحِكَايَاتِهِ، ثُمَّ يَعُودُ لِلْحَاضِرِ لِيَصِفَ الهَدْمَ وَالخَرَابَ. هَذَا البِنَاءُ يُعَمِّقُ شُعُورَ الفَقْدِ.
- الوَصْفِ الحِسِّيِّ لِمَشْهَدِ الرَّقْصِ: يَصِفُ النَّصُّ لَحْظَةً مُفَارِقَةً: «بُونَوَّارَة» يَرْقُصُ عَلَى أَنْغَامِ الأَطْفَالِ الَّذِينَ يَسْخَرُونَ مِنْهُ. هَذَا المَشْهَدُ يُظْهِرُ طِيبَتَهُ وَبَسَاطَتَهُ، وَفِي نَفْسِ الوَقْتِ قَسْوَةَ الطُّفُولَةِ غَيْرِ الوَاعِيَةِ.
- الفِكْرَةِ الكُبْرَى: النَّصُّ نَقْدٌ لاَذِعٌ لِـ التَّحْدِيثِ العَشْوَائِيِّ الَّذِي يَقْتُلُ رُوحَ الأَمَاكِنِ. هُوَ لَيْسَ مُجَرَّدَ هَدْمٍ لِبِنَايَاتٍ، بَلْ هَدْمٌ لِذَاكِرَةٍ كَامِلَةٍ وَلِشَخْصِيَّاتٍ مِثْلَ «بُونَوَّارَة» كَانَتْ تَصْنَعُ الحَيَاةَ فِي الحَيِّ.
- العِبَارَةِ المِفْتَاحِيَّةِ المُوجَزَةِ: "وَكَانَ دُكَّانُ «بُونَوَّارَة» أَوَّلَ مَا هُدِمَ فِي حَيِّنَا، فَهُدِمَ الرَّجُلُ مَرَّتَيْنِ: غُلِقَ دُكَّانُهُ وَأُخْرِسَ صَوْتُهُ، أَمَّا نَحْنُ فَقَدْ خَسِرْنَا النَّوَارَ وَالحِكَايَاتِ الَّتِي تَرْوِينَا." هَذِهِ العِبَارَةُ تُلَخِّصُ المَأْسَاةَ كُلَّهَا.
الخلاصة:
هَذَا النَّصُّ هُوَ رِثَاءٌ لِحَيٍّ كَامِلٍ مِنْ خِلاَلِ شَخْصِيَّةٍ وَاحِدَةٍ. «بُونَوَّارَة» لَيْسَ مُجَرَّدَ رَجُلٍ، بَلْ هُوَ مِجْسَامُ الحَيِّ وَذَاكِرَتُهُ الحَيَّةُ. يَبِيعُ النَّوَارَ (الجَمَالَ) وَيَرْوِي الحِكَايَاتِ (الذَّاكِرَةَ). سُخْرِيَةُ الأَطْفَالِ مِنْهُ تُمَثِّلُ الجِيلَ الجَدِيدَ الَّذِي لاَ يَفْهَمُ. هَدْمُ دُكَّانِهِ هُوَ إِعْلاَنُ مَوْتِ الحَيِّ. النَّصُّ يَقُولُ: عِنْدَمَا تَهْدِمُونَ الأَمَاكِنَ، فَأَنْتُمْ لاَ تَهْدِمُونَ حِجَارَةً فَقَطْ، بَلْ تَهْدِمُونَ أَصْحَابَهَا مَرَّتَيْنِ، وَتَقْتُلُونَ الحِكَايَاتِ الَّتِي تَرْوِينَا، وَتَحْرِمُونَنَا مِنَ النَوَّارِ وَالجَمَالِ إِلَى الأَبَدِ.


ليست هناك تعليقات:
حتى تصبح عضوا في الموسوعة المدرسية انزل إلى أسفل الصفحة