شرح نصّ تحوّلات - 7 أساسي - محور الحيّ
شرح نصّ تحوّلات - بُوراوي عجينة - السنة السابعة أساسي - محور الحيّ
النصّ
كَانَتْ بُيُوتُنَا خَالِيَةً مِنَ المَؤُونَةِ وَالطَعَامِ الدَّسِمِ إلاَّ نَادِراً، لَكِنَّهَا لَمْ تَخْلُ
يَوْماً مِنْ دِفْءِ الأَنْفَاسِ. لَقَدْ أَدْرَكْنَا مُنْذُ الصِغَرِ أَنْ جُيُوبَ آبَائِنَا خَاوِيَةٌ،
لِذَلِكَ لَمْ نَكُنْ نُطَالِبُ بِلُعَبٍ ثَمِينَةٍ نَلْهُو بِهَا، بَلَ كُنَّا نَحْتَالُ عَلَى الزَمَنِ
نَغْتَصِبُ مِنْهُ لُعَبَنَا اِغْتِصَابًا، فَتُحَوِّلُ عُلَبَ المُصَبِّرَاتِ الفَارِغَةَ قِطَارَاتٍ لاَ
تَنْتَهِي عَرَبَاتُهَا المُتَتَابِعَةُ، وَالوَرَقَ الغَلِيظَ وَالخُيُوطَ القَدِيمَةِ كُرَاتٍ نَلْهُو بِهَا،
فَنَعْرَقُ وَلاَ نَتْعَبُ مَعَ ذَلِكَ أَبَدًا. وَحِينَمَا تَتَمَزَّقُ الكُرَةُ نَصْنَعُ كُرَاتٍ أُخْرَى
أَكْبَرَ حَجْمًا وَأَشَدَّ إتقانًا، تَقْفِزُ عَلَى الأَرْضِ وَتَنُطُّ مِثْلَ كُرَاتِ المَطَّاطِ التِي لَمْ
يَكُنْ يَمْلِكُهَا إِلاَّ أَبْنَاءُ الأَحْيَاءِ الغَنِيَّةِ المُجَاوَرَةِ.
ثُمَّ فَتَحَتِ العَزَائِمُ الصَّادِقَةُ أَبْوَابَ المَصانِعَ الضَّخْمَةِ فِي مَدِينَتِنَا،
وَأَخْرَجَتْ لِلنَّاسِ مُنْتَجَاتٍ عَصْرِيّةً لَمْ يَتَعَوَّدُوا بِهَا وَلَمْ يُقْبَلُوا عَلَيْهَا إِلاَّ بَعْدَ
حَذَرٍ وَتَردُّدٍ ..
فَمَنْ كَانَ يَخْطُرُ بِبَالِهِ أَنَّ حَيَّنَا المُنْعَزِلَ الصَغيرَ المُخْتَفِيَ فِي أَحَدٍ أَطْرَافِ المَدِينَةِ
النَّائِيَةِ سَيَفْتَحُ عَيْنَيْهِ، وَيَرَى يَومًا بَابَ التَّمَدُّنِ وَالتَحَضُّرِ يَنْفَرِجُ مَادًّا ذِرَاعَيْهِ لاِسْتِقْبَالِهِ
وَاِحْتِضَانِهِ؟
مَنْ كَانَ يَظُنَّ أَنَّ حُلْمًا كَانَ يَبْدُو مُسْتَحِيلاً يَتَحَقَّقُ، فَيَنْفَرِجُ البَابُ قَليلاً، وَيَعْشَى
النُورُ أَبْصَارَنَا التِي كَانَتْ اِعْتَادَتِ الظَلاَمَ الدَامِسَ؟
كَانَ لَنَا فَصْلاَنِ فَقَط: يَحْمِلُ أَحَدُهُمَا لَنَا الغُبَارَ، فَيَخْنُقُ أَنْفَاسَنَا، وَيَجْلِبُ لَنَا
الثَّانِي الوَحَلَ فَيُلَطِّخُ أَقْدَامَنَا، وَكُنَّا نَسِيرُ مَرْفُوعِي الرُؤُوسِ نَتَصَارَعُ مَعَ الزَمَنِ، فَيَغْلِبُنَا
تَارَةً وَنَغْلِبُهُ.
وَفُوجِئْنَا ذَاتَ صَيْفِ مُحْرِقٍ بِأَعْمِدَةٍ كَهْرَبَائِيَةٍ مَعْدَنِيَّةٍ تُثَبَّتُ إِلَى أَكْتَافِ الجُدْرانِ
المَائِلَةِ، وَبِخَنَادِقَ عَمِيقَةٍ تُحْفَرُ فِي مَسْلِكَ الزُقَاقِ الضَيِّقِ لِتُوَارَى فِيهَا أَنَابِيبُ الحَنَفِّيَاتِ
وَالمِيَاهِ المُسْتَعْمَلَةِ. وَزَادَتْ دَهْشَتُنَا حِينَ رَأَيْنَا الهَوَائِيَاتِ فَوْقَ السُّطُوحِ القَصِيرَةِ مُعْلِنَةً
بِدَايَةَ عَهْدِ الصُورَةِ، شَدَّتْ إِلَيْهَا جَمِيعَ الوُجُوهِ وَشَرَعَتِ الأَفْوَاهُ تُثْنِي عَلَى مَا يُرَى
وَيُسْمَعُ مِنْ عَجَائِبَ.
التقديم:
نَصٌّ سَرْدِيٌّ يَنْدَرِجُ ضِمْنَ المِحْوَرِ الثَّالِثِ: «الحَيُّ» لِلكاتِبِ «بُورَاوِي عَجِينَةَ» وَهُوَ كاتِبٌ تُونُسِيٌّ، وُلِدَ بِسُوسَةَ سَنَةَ 1951. كَتَبَ القِصَّةَ وَالمَقَالَةَ النَّقْدِيَّةَ وَقِصَصَ الأَطْفَالِ وَأَدَبَ الرِّحْلَةِ.
مِنْ مُؤَلَّفَاتِهِ: «وُجُوهٌ فِي المَدِينَةِ»، «أَمْوَاجُ الغَضَبِ»، «ثِمَارُ الجَسَدِ». وَكَتَبَ لِلأَطْفَالِ: «الطَّائِرُ الجَرِيحُ»، «أَفْرَاحُ العِيدِ»، «أَرَانِبُ وَأَقْفَاصٌ». وَمِنْ أُقْصُوصَةِ «الجرذان والمصبرات» - ص 75 مِنْ مُؤَلَّفِهِ «أَمْوَاجُ الغَضَبِ» أُخِذَ هَذَا النَصُّ.
موضوع النصّ ومحاوره الرئيسة:
يَنْدَرِجُ هَذَا النَّصُّ تَحْتَ أَدَبِ الذَّاكِرَةِ وَالسِّيرَةِ الذَّاتِيَّةِ، وَهُوَ يَرْسُمُ صُورَةً حَيَّةً لِتَحَوُّلِ الحَيِّ الشَّعْبِيِّ مِنْ حَيَاةٍ بَسِيطَةٍ قَائِمَةٍ عَلَى البِرَاعَةِ وَالاِرْتِجَالِ إِلَى حَيَاةٍ تَغْزُوهَا مَظَاهِرُ التَّحْضِيرِ وَالتَّمَدُّنِ، مُصَوِّرًا مَشَاعِرَ الدَّهْشَةِ وَالحَيْرَةِ الَّتِي رَافَقَتْ هَذَا التَّغَيُّرَ.
الفكرة العامة:
يَسْتَرْجِعُ الرَّاوِي ذِكْرَيَاتِ الطُّفُولَةِ فِي حَيٍّ فَقِيرٍ مُنْعَزِلٍ، حَيْثُ كَانَ الأَطْفَالُ يَصْنَعُونَ أَلْعَابَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَيَعْتَادُونَ العَيْشَ فِي ظِلِّ الفَقْرِ وَالبَسَاطَةِ. ثُمَّ يَصِفُ التَّحَوُّلَ المُفَاجِئَ الَّذِي شَهِدَهُ الحَيُّ مَعَ دُخُولِ مَظَاهِرِ التَّحَضُّرِ (العُمْدَةُ الكَهْرَبَائِيَّةُ، أَنَابِيبُ المَاءِ، الهَوَائِيَّاتُ)، مُعَبِّرًا عَنْ دَهْشَةِ السُّكَّانِ وَانْفِتَانِهِمْ بِهَذَا العَالَمِ الجَدِيدِ.
المحاور الرئيسة:
* مِحْوَرُ الحَيِّ قَبْلَ التَّحَوُّلِ (البَسَاطَةُ وَالفَقْرُ الخَلاَّقُ):
الموضوع: وَصْفُ حَيَاةِ الحَيِّ القَدِيمَةِ المُتَّسِمَةِ بِالفَقْرِ وَالبَسَاطَةِ وَالاِعْتِمَادِ عَلَى الإِبْدَاعِ الذَّاتِيِّ.
التَّفَاصِيلُ الدَّالَّةُ:
- "بُيُوتُنَا خَالِيَةً مِنَ المَؤُونَةِ وَالطَّعَامِ الدَّسِمِ إِلاَّ نَادِرًا، لَكِنَّهَا لَمْ تَخْلُ يَوْمًا مِنْ دِفْءِ الأَنْفَاسِ".
- "جُيُوبُ آبَائِنَا خَاوِيَةٌ".
- صُنْعُ الأَلْعَابِ مِنْ عُلَبِ المُصَبِّرَاتِ الفَارِغَةِ وَالوَرَقِ الغَلِيظِ وَالخُيُوطِ القَدِيمَةِ.
- "نَعْرَقُ وَلاَ نَتْعَبُ مَعَ ذَلِكَ أَبَدًا".
* مِحْوَرُ التَّحَوُّلِ المُفَاجِئِ (غَزْوُ الحَضَارَةِ لِلْحَيِّ):
الموضوع: دُخُولُ مَظَاهِرِ التَّمَدُّنِ إِلَى الحَيِّ بِشَكْلٍ مُفَاجِئٍ.
التَّفَاصِيلُ الدَّالَّةُ:
- "فَتَحَتِ العَزَائِمُ الصَّادِقَةُ أَبْوَابَ المَصَانِعِ الضَّخْمَةِ".
- "بَابُ التَّمَدُّنِ وَالتَّحَضُّرِ يَنْفَرِجُ مَادًّا ذِرَاعَيْهِ لِاسْتِقْبَالِهِ".
- الحَيُّ الَّذِي كَانَ "مُنْعَزِلاًّ صَغِيرًا مُخْتَفِيًا فِي أَحَدِ أَطْرَافِ المَدِينَةِ النَّائِيَةِ" يَتَحَوَّلُ فَجْأَةً.
* مِحْوَرُ الدَّهْشَةِ وَالاِنْفِتَانِ (رُؤْيَةُ الجَدِيدِ):
الموضوع: تَفَاعُلُ أَهْلِ الحَيِّ مَعَ مُقْتَضَيَاتِ التَّحْضِيرِ الجَدِيدَةِ.
التَّفَاصِيلُ الدَّالَّةُ:
- "مَنْ كَانَ يَخْطُرُ بِبَالِهِ أَنَّ حَيَّنَا... سَيَفْتَحُ عَيْنَيْهِ".
- "يَنْفَرِجُ البَابُ قَلِيلاًّ، وَيَعْشَى النُّورُ أَبْصَارَنَا الَّتِي كَانَتِ اعْتَادَتِ الظَّلاَمَ الدَّامِسَ".
- ذِكْرُ التَّغَيُّرَاتِ المَادِّيَّةِ: أَعْمِدَةٌ كَهْرَبَائِيَةٌ مَعْدَنِيَّةٌ، خَنَادِقُ لِأَنَابِيبِ المَاءِ، هَوَائِيَاتٌ فَوْقَ السُّطُوحِ.
* مِحْوَرُ المُقَابَلَةِ (القَدِيمُ وَالجَدِيدُ):
الموضوع: تَقَابُلُ صُورَتَيْنِ لِلْحَيِّ: صُورَةُ المَاضِي الفَقِيرِ الخَلاَّقِ، وَصُورَةُ الحَاضِرِ المُتَحَوِّلِ.
التَّفَاصِيلُ الدَّالَّةُ:
- كَانَ لَهُمْ "فَصْلاَنِ فَقَطْ: الغُبَارُ وَالوَحَلُ".
- كَانُوا "يَسِيرُونَ مَرْفُوعِي الرُّؤُوسِ يَتَصَارَعُونَ مَعَ الزَّمَنِ".
- المُقَابَلَةُ بَيْنَ "الظَّلاَمِ الدَّامِسِ" الَّذِي اعْتَادُوهُ وَبَيْنَ "النُّورِ" الَّذِي يَعْشَى أَبْصَارَهُمْ.
* مِحْوَرُ اللُّغَةِ وَالأُسْلُوبِ:
الموضوع: تَوْظِيفُ السَّارِدِ لِلُّغَةِ الشِّعْرِيَّةِ وَالحِسِّيَّةِ لِتَصْوِيرِ التَّحَوُّلِ.
التَّفَاصِيلُ الدَّالَّةُ:
- الاِسْتِعَارَاتُ: "بَابُ التَّمَدُّنِ يَنْفَرِجُ مَادًّا ذِرَاعَيْهِ".
- المُبَالَغَةُ: "يَعْشَى النُّورُ أَبْصَارَنَا".
- التَّقَابُلُ: "الظَّلاَمُ" / "النُّورُ"، "الغُبَارُ" / "الهَوَائِيَاتُ".
الإجابة عن الأسئلة:
1- قَسِّمْ النَصَّ إِلَى وَحدَاتٍ وِفْقَ مِعْيَار الزَمَان (الحَاضِر / المَاضِي / الحَاضِر).
الوَحْدَةُ الأُولَى: الحَاضِرُ (مُقَدِّمَةٌ لِلْمَاضِي)
الحُدُودُ: مِنْ بِدَايَةِ النَّصِّ: "كَانَتْ بُيُوتُنَا خَالِيَةً مِنَ المَؤُونَةِ..." إِلَى قَوْلِهِ: "...لَمْ تَخْلُ يَوْمًا مِنْ دِفْءِ الأَنْفَاسِ."
المَوْضُوعُ: يَسْتَهْلِكُ السَّارِدُ بِالحَاضِرِ، مُقَدِّمًا صُورَةً مُجْمَلَةً عَنِ الحَيِّ فِي زَمَنِ الحَدَثِ: بُيُوتٌ خَالِيَةٌ مِنَ المَؤُونَةِ وَلَكِنَّهَا مَمْلُوءَةٌ بِدِفْءِ العَلاَقَاتِ.
الوَحْدَةُ الثَّانِيَةُ: المَاضِي (اسْتِرْجَاعُ الذِّكْرَيَاتِ)
الحُدُودُ: مِنْ قَوْلِهِ: "لَقَدْ أَدْرَكْنَا مُنْذُ الصِّغَرِ..." إِلَى قَوْلِهِ: "...وَنَغْلِبُهُ." (قَبْلَ الفُجَاءَةِ بِالأَعْمِدَةِ الكَهْرَبَائِيَّةِ).
المَوْضُوعُ: يَنْتَقِلُ السَّارِدُ إِلَى المَاضِي البَعِيدِ، فَيَسْتَعْرِضُ بِالتَّفْصِيلِ مَظَاهِرَ الحَيَاةِ فِي الحَيِّ قَبْلَ التَّغَيُّرَاتِ:
- فَقْرُ الآبَاءِ وَإِدْرَاكُ الأَطْفَالِ لَهُ.
- إِبْدَاعُ الأَطْفَالِ فِي صُنْعِ الأَلْعَابِ مِنَ البَسَائِطِ.
- خُصُوصِيَّةُ الحِكَايَاتِ وَعَدَمُ فَهْمِ الغُرَبَاءِ لَهَا.
- التَّرَقُّبُ وَالدَّهْشَةُ قَبْلَ وُقُوعِ التَّحَوُّلِ (الأَسْئِلَةُ البَلاَغِيَّةُ: "مَنْ كَانَ يَخْطُرُ...؟").
الوَحْدَةُ الثَّالِثَةُ: الحَاضِرُ (زَمَنُ التَّغَيُّرِ وَالتَّحَوُّلِ)
الحُدُودُ: مِنْ قَوْلِهِ: "وَفُوجِئْنَا ذَاتَ صَيْفٍ مُحْرِقٍ بِأَعْمِدَةٍ كَهْرَبَائِيَةٍ..." إِلَى نِهَايَةِ النَّصِّ.
المَوْضُوعُ: يَعُودُ السَّارِدُ إِلَى الحَاضِرِ (زَمَنِ الحَدَثِ) لِيَصِفَ التَّغَيُّرَاتِ المُفَاجِئَةَ الَّتِي طَرَأَتْ عَلَى الحَيِّ:
- ظُهُورُ الأَعْمِدَةِ الكَهْرَبَائِيَّةِ وَالخَنَادِقِ وَأَنَابِيبِ المَاءِ.
- ظُهُورُ الهَوَائِيَاتِ فَوْقَ السُّطُوحِ.
- دَهْشَةُ السُّكَّانِ وَانْفِتَانُهُمْ بِهَذَا العَالَمِ الجَدِيدِ.
- تَوَجُّهُ الوُجُوهِ وَثَنَاءُ الأَفْوَاهِ.
2- رَغْمَ مَا يَشْكُوهُ الحَيُّ مِنْ مَظَاهِرِ النَقْصِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَخْلُو مِنْ إِيجَابِيَّاتٍ، اِسْتَخْرِجْ مِنْ بِدَايَةِ النَصِّ مَا يُوضِّحُ ذَلِكَ.
أَوَّلاً: مَظَاهِرُ النَّقْصِ فِي الحَيِّ:
- َقْصُ المَؤُونَةِ وَالطَّعَامِ: "بُيُوتُنَا خَالِيَةً مِنَ المَؤُونَةِ وَالطَّعَامِ الدَّسِمِ إِلاَّ نَادِرًا".
- فَقْرُ الآبَاءِ: "جُيُوبُ آبَائِنَا خَاوِيَةٌ".
- عَدَمُ وُجُودِ لُعَبٍ ثَمِينَةٍ: "لَمْ نَكُنْ نُطَالِبُ بِلُعَبٍ ثَمِينَةٍ نَلْهُو بِهَا".
ثَانِيًا: الإِيجَابِيَّاتُ الَّتِي كَانَتْ مَوْجُودَةً رَغْمَ النَّقْصِ:
1. دِفْءُ العَلاَقَاتِ وَالأُنْسُ الأُسَرِيُّ:
- "لَكِنَّهَا لَمْ تَخْلُ يَوْمًا مِنْ دِفْءِ الأَنْفَاسِ".
هَذِهِ العِبَارَةُ تُظْهِرُ أَنَّ البُيُوتَ رَغْمَ خَلاَئِهَا مِنَ المَادَّةِ، كَانَتْ مَمْلُوءَةً بِالحَنَانِ وَالمَشَاعِرِ الدَّافِئَةِ بَيْنَ أَفْرَادِ الأُسْرَةِ.
2. الإِبْدَاعُ وَالبِرَاعَةُ فِي صُنْعِ الأَلْعَابِ:
- "كُنَّا نَحْتَالُ عَلَى الزَّمَنِ نَغْتَصِبُ مِنْهُ لُعَبَنَا اغْتِصَابًا".
- "تُحَوِّلُ عُلَبَ المُصَبِّرَاتِ الفَارِغَةَ قِطَارَاتٍ لاَ تَنْتَهِي عَرَبَاتُهَا المُتَتَابِعَةُ".
- "وَالوَرَقَ الغَلِيظَ وَالخُيُوطَ القَدِيمَةَ كُرَاتٍ نَلْهُو بِهَا".
هَذَا يَدُلُّ عَلَى خَلْقٍ وَإِبْدَاعٍ وَقُدْرَةٍ عَلَى تَحْوِيلِ البَسَائِطِ إِلَى أَدَوَاتِ لَعِبٍ مُسَلِّيَةٍ.
3. الجَلَدُ وَعَدَمُ الشُّعُورِ بِالإِعْيَاءِ:
- "فَنَعْرَقُ وَلاَ نَتْعَبُ مَعَ ذَلِكَ أَبَدًا".
هَذَا يُظْهِرُ قُوَّةَ التَّحَمُّلِ وَالجَلَدَ عِنْدَ الأَطْفَالِ، فَالجُهْدُ الَّذِي يَبْذَلُونَهُ فِي صُنْعِ أَلْعَابِهِمْ وَاللَّعِبِ بِهَا لاَ يُتْعِبُهُمْ، بَلْ يَأْتُونَهُ بِحُبٍّ وَرَغْبَةٍ.
4. إِتْقَانُ الصَّنْعَةِ وَالتَّطْوِيرُ الذَّاتِيُّ:
- "وَحِينَمَا تَتَمَزَّقُ الكُرَةُ نَصْنَعُ كُرَاتٍ أُخْرَى أَكْبَرَ حَجْمًا وَأَشَدَّ إِتْقَانًا".
- "تَقْفِزُ عَلَى الأَرْضِ وَتَنُطُّ مِثْلَ كُرَاتِ المَطَّاطِ".
هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الأَطْفَالَ لَمْ يَكُونُوا مُجَرَّدَ مُسْتَهْلِكِينَ، بَلْ كَانُوا مُبْدِعِينَ يُحَسِّنُونَ مِنْ صَنْعَتِهِمْ وَيُطَوِّرُونَهَا.
5. تَحَوُّلُ البَسَائِطِ إِلَى مَا يُضَاهِي الأَشْيَاءَ الثَّمِينَةَ:
- "تَقْفِزُ عَلَى الأَرْضِ وَتَنُطُّ مِثْلَ كُرَاتِ المَطَّاطِ التِي لَمْ يَكُنْ يَمْلِكُهَا إِلاَّ أَبْنَاءُ الأَحْيَاءِ الغَنِيَّةِ المُجَاوَرَةِ".
هَذِهِ العِبَارَةُ تُبْرِزُ أَنَّ الأَطْفَالَ اسْتَطَاعُوا أَنْ يَصْنَعُوا بِأَيْدِيهِمْ مَا يُضَاهِي مَا يَمْلِكُهُ أَغْنِيَاءُ الأَحْيَاءِ المُجَاوِرَةِ، فَكَانُوا بِذَلِكَ أَغْنِيَاءَ بِإِبْدَاعِهِمْ.
3- اِكْتَسَبَ الأَطْفَالُ مِنْ ظُرُوفِ حَيِّهِمْ خِصَالاً وَقُدْرَاتٍ، بَيِّنِهَا، وَوَضِحْ أَثَرَهَا فِي تَكْوِينِ شَخْصِيَّتِهِمْ.
أَوَّلاً: الخِصَالُ وَالقُدْرَاتُ الَّتِي اكْتَسَبَهَا الأَطْفَالُ مِنَ الحَيِّ:
1. خَصْلَةُ الإِبْدَاعِ وَالبِرَاعَةِ فِي صُنْعِ الأَلْعَابِ:
- تَعَلَّمُوا أَنْ يَصْنَعُوا مِنَ البَسَائِطِ أَشْيَاءَ مُسَلِّيَةً.
- حَوَّلُوا "عُلَبَ المُصَبِّرَاتِ الفَارِغَةَ قِطَارَاتٍ لاَ تَنْتَهِي عَرَبَاتُهَا المُتَتَابِعَةُ".
- حَوَّلُوا "الوَرَقَ الغَلِيظَ وَالخُيُوطَ القَدِيمَةَ كُرَاتٍ نَلْهُو بِهَا".
2. خَصْلَةُ الصَّبْرِ وَالقَنَاعَةِ:
- لَمْ يَكُونُوا يُطَالِبُونَ آبَاءَهُمْ بِلُعَبٍ ثَمِينَةٍ لِعِلْمِهِمْ بِفَقْرِهِمْ.
- "أَدْرَكْنَا مُنْذُ الصِّغَرِ أَنَّ جُيُوبَ آبَائِنَا خَاوِيَةٌ".
- قَبِلُوا بِمَا هُوَ مَوْجُودٌ وَصَنَعُوا مِنْهُ مَا يَسُرُّهُمْ.
3. خَصْلَةُ الجَلَدِ وَقُوَّةِ التَّحَمُّلِ:
- كَانُوا يَعْرَقُونَ أَثْنَاءَ اللَّعِبِ وَصُنْعِ الأَلْعَابِ وَلاَ يَتْعَبُونَ.
- "فَنَعْرَقُ وَلاَ نَتْعَبُ مَعَ ذَلِكَ أَبَدًا".
- تَعَلَّمُوا أَنَّ الجُهْدَ لاَ يَكُونُ عَقَبَةً أَمَامَ المُتْعَةِ وَاللَّعِبِ.
4. خَصْلَةُ المُثَابَرَةِ وَالتَّطْوِيرِ الذَّاتِيِّ:
- لَمْ يَكْتَفُوا بِصُنْعِ الكُرَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً، بَلْ كَانُوا يُحَسِّنُونَهَا عِنْدَمَا تَتَمَزَّقُ.
- "نَصْنَعُ كُرَاتٍ أُخْرَى أَكْبَرَ حَجْمًا وَأَشَدَّ إِتْقَانًا".
- هَذَا يَدُلُّ عَلَى رُوحِ المُثَابَرَةِ وَالسَّعْيِ إِلَى التَّطْوِيرِ.
5. خَصْلَةُ تَحْوِيلِ الحَاجَةِ إِلَى قُوَّةٍ خَلاَّقَةٍ:
- اِغْتِصَابُ اللَّعِبِ مِنَ الزَّمَنِ: "نَغْتَصِبُ مِنْهُ لُعَبَنَا اِغْتِصَابًا".
- عِوَضًا عَنِ البُكَاءِ أَوِ الشُّعُورِ بِالحِرْمَانِ، اِخْتَارُوا أَنْ يَخْلُقُوا مَا يَنْقُصُهُمْ بِأَيْدِيهِمْ.
6. خَصْلَةُ الفَخْرِ بِالذَّاتِ وَالاِعْتِزَازِ بِالإِنْجَازِ:
- اسْتَطَاعُوا أَنْ يَصْنَعُوا كُرَاتٍ تَقْفِزُ "مِثْلَ كُرَاتِ المَطَّاطِ".
- هَذِهِ الكُرَاتُ كَانَتْ تُضَاهِي مَا يَمْلِكُهُ "أَبْنَاءُ الأَحْيَاءِ الغَنِيَّةِ المُجَاوَرَةِ".
- لَمْ يَشْعُرُوا بِالنَّقْصِ أَمَامَ الأَغْنِيَاءِ، بَلْ شَعَرُوا بِالفَخْرِ بِمَا صَنَعُوا.
ثَانِيًا: أَثَرُ هَذِهِ الخِصَالِ فِي تَكْوِينِ شَخْصِيَّتِهِمْ:
1. شَخْصِيَّةٌ مُبْدِعَةٌ غَيْرُ مُسْتَسْلِمَةٍ: الأَطْفَالُ لَمْ يَنْتَظِرُوا الأَلْعَابَ مِنَ الآخَرِينَ، بَلْ صَنَعُوهَا بِأَيْدِيهِمْ. هَذَا يَصْنَعُ شَخْصِيَّةً لاَ تَنْتَظِرُ الحُلُولَ مِنْ خَارِجِهَا، بَلْ تَبْحَثُ عَنْهَا فِي دَاخِلِهَا وَفِي مَا تَمْلِكُهُ مِنْ إِمْكَانَاتٍ بَسِيطَةٍ.
2. شَخْصِيَّةٌ صَابِرَةٌ قَانِعَةٌ: القَنَاعَةُ بِالبَسِيطِ وَعَدَمُ الاِنْزِعَاجِ مِنَ الفَقْرِ، وَالصَّبْرُ عَلَى الظُّرُوفِ، هِيَ أَسَاسٌ لِشَخْصِيَّةٍ مُتَزِنَةٍ لاَ تَنْهَارُ أَمَامَ الأَزَمَاتِ.
3. شَخْصِيَّةٌ جَلْدَةٌ مُثَابِرَةٌ: الجَلَدُ عَلَى العَمَلِ وَعَدَمُ الاِكْتِرَاثِ بِالإِعْيَاءِ، وَالمُثَابَرَةُ فِي تَحْسِينِ الصُّنْعِ، تُكَوِّنُ شَخْصِيَّةً لاَ تَسْتَسْلِمُ لِلْفَشَلِ، بَلْ تَتَعَلَّمُ مِنَ الأَخْطَاءِ وَتُحَاوِلُ مِنْ جَدِيدٍ.
4. شَخْصِيَّةٌ وَاثِقَةٌ مِنْ نَفْسِهَا مُعْتَزَّةٌ: لَمْ يَشْعُرِ الأَطْفَالُ بِالدُّونِيَّةِ أَمَامَ أَبْنَاءِ الأَحْيَاءِ الغَنِيَّةِ، بَلْ صَنَعُوا مَا يُضَاهِي أَلْعَابَهُمْ. هَذَا يَبْنِي شَخْصِيَّةً وَاثِقَةً لاَ تَرَى الفَقْرَ عَيْبًا، بَلْ تَرَى فِي إِبْدَاعِهَا قِيمَةً تُعَوِّضُ كُلَّ نَقْصٍ.
5. شَخْصِيَّةٌ تَحْتَالُ عَلَى الزَّمَنِ: تَعَلَّمُوا أَنَّ الزَّمَنَ لاَ يَتَحَكَّمُ بِهِمْ، بَلْ هُمْ مَنْ يَتَحَكَّمُونَ فِيهِ بِخَلْقِ أَلْعَابِهِمْ وَإِشْغَالِ أَوْقَاتِهِمْ. هَذَا يَصْنَعُ شَخْصِيَّةً فَاعِلَةً لاَ سَلْبِيَّةً.
وَمِنْ هُنَا يُمْكِنُ القَولَ بِأَنَّ ظُرُوفُ الحَيِّ الفَقِيرِ لَمْ تَجْعَلِ الأَطْفَالَ ضَعَفَةً أَوْ مُنْهَزِمِينَ، بَلْ جَعَلَتْهُمْ أَكْثَرَ إِبْدَاعًا وَصَبْرًا وَجَلَدًا. هَذِهِ الخِصَالُ سَاهَمَتْ فِي تَكْوِينِ شَخْصِيَّاتِهِمْ لِتَكُونَ:
- مُبْتَكِرَةً (لاَ تَنْتَظِرُ العَطَاءَ بَلْ تَصْنَعُهُ).
- قَانِعَةً (لاَ تَشْعُرُ بِالحِرْمَانِ مَعَ الفَقْرِ).
- مُثَابِرَةً (تُحَاوِلُ وَتُحَسِّنُ).
- وَاثِقَةً (تَفْتَخِرُ بِمَا تُنْتِجُ يَدُهَا).
- فَاعِلَةً (تَحْتَالُ عَلَى الزَّمَنِ وَلاَ تَتَرَكُّنُ لَهُ).
4- بَيَّنَ السَّارِدُ مَوْقِفَهُ ومَوْقِفِ السُكَّانِ مِنْ التَطَوُّرِ الطَارِئِ عَلَى الحَيَّ، حَدِّدْ هَذَا المَوْقِفَ مُسْتَدِلاً عَلَيْهِ بِقَرَائِنَ مِنَ النَصِّ.
أَوَّلاً: مَوْقِفُ السَّارِدِ وَالسُّكَّانِ مِنَ التَّطَوُّرِ الطَّارِئِ:
المَوْقِفُ هُوَ: الدَّهْشَةُ وَالاِنْفِتَانُ المَمْزُوجَانِ بِالحَيْرَةِ وَالاِسْتِعْجَابِ.
لَمْ يَكُنِ المَوْقِفُ مُجَرَّدَ فَرَحٍ أَوْ رَفْضٍ، بَلْ كَانَ خَلِيطًا مِنَ الإِعْجَابِ بِالجَدِيدِ وَالحَيْرَةِ مِنْ كَيْفِيَّةِ حُدُوثِهِ.
ثَانِيًا: القَرَائِنُ مِنَ النَّصِّ:
1. قَرَائِنُ الدَّهْشَةِ وَعَدَمِ التَّصْدِيقِ:
- "مَنْ كَانَ يَخْطُرُ بِبَالِهِ أَنَّ حَيَّنَا المُنْعَزِلَ الصَّغِيرَ المُخْتَفِيَ فِي أَحَدِ أَطْرَافِ المَدِينَةِ النَّائِيَةِ سَيَفْتَحُ عَيْنَيْهِ، وَيَرَى يَوْمًا بَابَ التَّمَدُّنِ وَالتَّحَضُّرِ يَنْفَرِجُ مَادًّا ذِرَاعَيْهِ لِاسْتِقْبَالِهِ وَاحْتِضَانِهِ؟"
- "مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنَّ حُلْمًا كَانَ يَبْدُو مُسْتَحِيلاً يَتَحَقَّقُ، فَيَنْفَرِجُ البَابُ قَلِيلاً، وَيَعْشَى النُّورُ أَبْصَارَنَا الَّتِي كَانَتِ اعْتَادَتِ الظَّلاَمَ الدَّامِسَ؟"
الدَّلاَلَةُ: هَاتَانِ العِبَارَتَانِ تُظْهِرَانِ أَنَّ التَّطَوُّرَ جَاءَ كَأَمْرٍ غَيْرِ مُتَوَقَّعٍ، كَشَيْءٍ مُسْتَحِيلٍ تَحَقَّقَ فَجْأَةً. السُّؤَالُ البَلاَغِيُّ ("مَنْ كَانَ يَخْطُرُ...") يُعَبِّرُ عَنْ عَجْزِ العَقْلِ عَنِ اسْتِيعَابِ هَذَا التَّغَيُّرِ.
2. قَرَائِنُ الاِنْفِتَانِ وَشِدَّةِ التَّأَثُّرِ:
- "يَعْشَى النُّورُ أَبْصَارَنَا الَّتِي كَانَتِ اعْتَادَتِ الظَّلاَمَ الدَّامِسَ".
- "شَدَّتْ إِلَيْهَا جَمِيعَ الوُجُوهِ".
الدَّلاَلَةُ: "يَعْشَى" تَعْنِي يَذْهَلُ وَيَتَحَيَّرُ، وَالعِبَارَةُ تُصَوِّرُ أَنَّ النُّورَ الجَدِيدَ كَانَ شَدِيدًا لِدَرَجَةِ أَنَّهُ أَصَابَ العُيُونَ بِالحَيْرَةِ. الوُجُوهُ كُلُّهَا انْتَبَهَتْ وَتَوَجَّهَتْ إِلَى الهَوَائِيَاتِ، كَأَنَّهَا تَسْتَقْبِلُ عَالَمًا جَدِيدًا.
3. قَرَائِنُ التَّقَبُّلِ وَالثَّنَاءِ:
- "وَشَرَعَتِ الأَفْوَاهُ تُثْنِي عَلَى مَا يُرَى وَيُسْمَعُ مِنْ عَجَائِبَ".
الدَّلاَلَةُ: هَذَا يُظْهِرُ أَنَّ السُّكَّانَ لَمْ يَرْفُضُوا التَّطَوُّرَ، بَلْ تَقَبَّلُوهُ بَعْدَ دَهْشَتِهِمُ الأُولَى، وَأَخَذُوا يُثْنُونَ عَلَى مَا يَرَوْنَهُ وَيَسْمَعُونَهُ. الأَفْوَاهُ تَتَحَدَّثُ بِالثَّنَاءِ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى الإِعْجَابِ.
4. قَرَائِنُ الرُّؤْيَةِ الجَدِيدَةِ لِلْحَيِّ:
- "وَفُوجِئْنَا ذَاتَ صَيْفٍ مُحْرِقٍ بِأَعْمِدَةٍ كَهْرَبَائِيَةٍ مَعْدَنِيَّةٍ تُثَبَّتُ إِلَى أَكْتَافِ الجُدْرَانِ المَائِلَةِ".
- "بِخَنَادِقَ عَمِيقَةٍ تُحْفَرُ فِي مَسْلِكِ الزُّقَاقِ الضَّيِّقِ لِتُوَارَى فِيهَا أَنَابِيبُ الحَنَفِيَّاتِ".
- "زَادَتْ دَهْشَتُنَا حِينَ رَأَيْنَا الهَوَائِيَاتِ فَوْقَ السُّطُوحِ القَصِيرَةِ مُعْلِنَةً بِدَايَةَ عَهْدِ الصُّورَةِ".
الدَّلاَلَةُ: الفُجَاءَةُ وَزِيَادَةُ الدَّهْشَةِ تُظْهِرَانِ أَنَّ التَّطَوُّرَ كَانَ مُفَاجِئًا وَمُفْرِطًا فِي تَأْثِيرِهِ. الجُدْرَانُ "المَائِلَةُ" وَالزُّقَاقُ "الضَّيِّقُ" يُقَابِلاَنِ الأَعْمِدَةَ "المَعْدَنِيَّةَ" وَالهَوَائِيَاتِ، فَالتَّبَايُنُ بَيْنَ القَدِيمِ وَالجَدِيدِ زَادَ مِنْ وَقْعِ الدَّهْشَةِ.
وَخُلاَصَةُ القَوْلِ أَنَ مَوْقِفَ السَّارِدِ وَالسُّكَّانِ مِنَ التَّطَوُّرِ الطَّارِئِ عَلَى الحَيِّ كَانَ مَوْقِفَ دَهْشَةٍ وَانْفِتَانٍ، يُعَبِّرُ عَنْهُ النَّصُّ بِـ:
- الاِسْتِفْهَامِ البَلاَغِيِّ: لِلتَّعْبِيرِ عَنِ الاِسْتِعْجَابِ وَعَدَمِ التَّصْدِيقِ.
- مَشَاعِرِ الحَيْرَةِ: كَقَوْلِهِ: "يَعْشَى النُّورُ أَبْصَارَنَا".
- التَّرْكِيزِ عَلَى الفُجَاءَةِ: "وَفُوجِئْنَا"، "زَادَتْ دَهْشَتُنَا".
- الإِقْبَالِ وَالثَّنَاءِ: "شَدَّتْ إِلَيْهَا جَمِيعَ الوُجُوهِ"، "شَرَعَتِ الأَفْوَاهُ تُثْنِي".
لَمْ يَرْفُضِ السَّارِدُ التَّطَوُّرَ، وَلَكِنَّهُ صَوَّرَ لَحْظَةَ التَّقَاطُعِ بَيْنَ الحَيِّ القَدِيمِ الَّذِي اعْتَادَ الظَّلاَمَ وَالبَسَاطَةَ، وَبَيْنَ الحَيِّ الجَدِيدِ الَّذِي يَغْزُوهُ النُّورُ وَالهَوَائِيَاتُ. الدَّهْشَةُ هِيَ أَوَّلُ رَدِّ فِعْلٍ، ثُمَّ يَتْبَعُهَا الإِعْجَابُ وَالثَّنَاءُ.
5- اِسْتَخدَمَ السَّارِدُ ضَمِيرَ المُتَكَلِّمِ الجَمْعِ فِي أَغْلَبِ النَصِّ، عَلاَمَ يَدُلُّ ذَلِكَ؟
أَوَّلاً: تَوْضِيحُ الضَّمِيرِ المُسْتَعْمَلِ:
يَظْهَرُ فِي النَّصِّ ضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ الجَمْعِ ("نَا" وَ"نَحْنُ") فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، مِنْهَا:
- "بُيُوتُنَا"، "أَدْرَكْنَا"، "نُطَالِبُ"، "كُنَّا نَحْتَالُ".
- "لَمْ نَكُنْ"، "نَعْرَقُ"، "نَصْنَعُ"، "كُنَّا نَسِيرُ".
- "وَفُوجِئْنَا"، "رَأَيْنَا"، "زَادَتْ دَهْشَتُنَا".
ثَانِيًا: دَلاَلَةُ هَذَا الاِسْتِخْدَامِ:
1. التَّضَامُنُ وَالاِنْدِمَاجُ مَعَ الجَمَاعَةِ: اسْتِخْدَامُ ضَمِيرِ الجَمْعِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السَّارِدَ لاَ يَتَكَلَّمُ عَنْ نَفْسِهِ بِمُفْرَدِهَا، بَلْ يُعَبِّرُ عَنْ تَجْرِبَةٍ جَمَاعِيَّةٍ. هُوَ يُقَدِّمُ نَفْسَهُ كَجُزْءٍ مِنْ نَسِيجِ الحَيِّ، وَكَحَلَقَةٍ فِي سِلْسِلَةِ الطُّفُولَةِ الَّتِي عَاشَهَا أَهْلُ الحَيِّ مَعًا.
2. تَأْكِيدُ الهُوِيَّةِ الجَمَاعِيَّةِ: الضَّمِيرُ الجَمْعُ يُبْرِزُ أَنَّ مَا يُرْوَى لَيْسَ ذِكْرَى فَرْدِيَّةً، بَلْ هُوَ ذَاكِرَةٌ جَمَاعِيَّةٌ. الأَطْفَالُ كُلُّهُمْ كَانُوا فِي الظُّرُوفِ نَفْسِهَا، يَعْرَقُونَ سَوِيًّا، يَصْنَعُونَ أَلْعَابَهُمْ سَوِيًّا، وَيَتَحَمَّلُونَ الفَقْرَ سَوِيًّا. هَذَا يُعَلِّي مِنْ قِيمَةِ التَّضَامُنِ وَالمُشَارَكَةِ فِي تَكْوِينِ الذَّاكِرَةِ.
3. إِبْرَازُ الشُّعُورِ المُشْتَرَكِ بِالدَّهْشَةِ وَالاِنْفِتَانِ: عِنْدَمَا يَصِفُ السَّارِدُ التَّحَوُّلَ الطَّارِئَ عَلَى الحَيِّ، يَقُولُ: "وَفُوجِئْنَا"، "زَادَتْ دَهْشَتُنَا"، "شَدَّتْ إِلَيْهَا جَمِيعَ الوُجُوهِ". هَذَا الضَّمِيرُ الجَمْعُ يُشْعِرُ القَارِئَ أَنَّ الدَّهْشَةَ لَمْ تَكُنْ مَشْعَرًا فَرْدِيًّا، بَلْ هِيَ حَالَةٌ عَامَّةٌ اجْتَاحَتِ الحَيَّ كُلَّهُ. هَذَا يَعْزِزُ فِكْرَةَ أَنَّ التَّحَوُّلَ كَانَ جَمَاعِيًّا فِي تَأْثِيرِهِ.
4. إِضْفَاءُ صِفَةِ العُمُومِيَّةِ عَلَى التَّجْرِبَةِ: بِاسْتِخْدَامِ الضَّمِيرِ الجَمْعِ، يَجْعَلُ السَّارِدُ مِنْ تَجْرِبَتِهِ الشَّخْصِيَّةِ تَجْرِبَةً عَامَّةً يُمْكِنُ لِأَهْلِ الحَيِّ كُلِّهِمُ الاِشْتِرَاكُ فِيهَا. هَذَا يَدْعُو القَارِئَ إِلَى أَنْ يَتَعَرَّفَ عَلَى الحَيِّ كَكُلٍّ، لاَ عَلَى أَفْرَادِهِ وَحْدَهُمْ.
5. تَأْكِيدُ قِيمَةِ الذَّاكِرَةِ الجَمَاعِيَّةِ: الحَيُّ، بِبُيُوتِهِ الخَالِيَةِ مِنَ المَؤُونَةِ وَبِأَزِقَّتِهِ الضَّيِّقَةِ، هُوَ فَضَاءٌ تَشَكَّلَتْ فِيهِ ذَاكِرَةٌ مُشْتَرَكَةٌ. اسْتِخْدَامُ ضَمِيرِ الجَمْعِ يُذَكِّرُنَا بِأَنَّ الذَّاكِرَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مِلْكٍ فَرْدِيٍّ، بَلْ هِيَ نَاتِجَةٌ عَنْ حَيَاةٍ جَمَاعِيَّةٍ تَقَاسَمَ أَهْلُ الحَيِّ لَحَظَاتِهَا (الفَقْرَ، الإِبْدَاعَ، الدَّهْشَةَ، التَّحَوُّلَ).
وَبِالتَّالِي فَإِنَّ اسْتِخْدَامَ السَّارِدِ لِضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ الْجَمْعِ فِي أَغْلَبِ النَّصِّ يَدُلُّ عَلَى:
- التَّضَامُنِ مَعَ أَهْلِ الْحَيِّ.
- الْهُوِيَّةِ الْجَمَاعِيَّةِ الَّتِي تَصْنَعُ الذَّاكِرَةَ.
- الشُّعُورِ الْمُشْتَرَكِ بِالدَّهْشَةِ وَالِانْفِتَانِ.
- الْعُمُومِيَّةِ فِي تَصْوِيرِ التَّجْرِبَةِ.
- قِيمَةِ الذَّاكِرَةِ الْجَمَاعِيَّةِ كَأَسَاسٍ لِتَكْوِينِ الْهُوِيَّةِ.
فَهُوَ لَيْسَ مُجَرَّدَ أُسْلُوبٍ لُغَوِيٍّ، بَلْ هُوَ خِيَارٌ فَنِّيٌّ يَعْكِسُ رُؤْيَةَ السَّارِدِ لِعَالَمِ الطُّفُولَةِ وَالحَيِّ كَكِيَانٍ وَاحِدٍ مُتَكَامِلٍ، تَتَشَارَكُ فِيهِ المَشَاعِرُ وَالذِّكْرَيَاتُ وَاللَّحَظَاتُ الْجَمِيلَةُ وَالقَاسِيَةُ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ.
القيمة التعليميّة / الأدبيّة:
يُقَدِّمُ النَّصُّ نَمُوذَجًا أَدَبِيًّا رَفِيعًا لِـ:
- تَصْوِيرِ الحَيِّ الشَّعْبِيِّ كَكِيَانٍ حَيٍّ مُبْدِعٍ: يَرْسُمُ النَّصُّ صُورَةَ الحَيِّ الفَقِيرِ الَّذِي لاَ يَمْلِكُ مَوَادَّ اللَّعِبِ، فَيَخْلُقُهَا مِنَ البَسَائِطِ (عُلَبُ المُصَبِّرَاتِ، الوَرَقُ الغَلِيظُ)، مُبْرِزًا قِيمَةَ الإِبْدَاعِ وَالصُّمُودِ فِي وَسَطِ الحَاجَةِ.
- المُقَابَلَةِ بَيْنَ صُورَتَيِ الحَيِّ (القَدِيمُ وَالجَدِيدُ): يُقَابِلُ النَّصُّ بَيْنَ الحَيِّ القَدِيمِ المُنْعَزِلِ الغَنِيِّ بِدِفْءِ العَلاَقَاتِ ("دِفْءُ الأَنْفَاسِ")، وَالحَيِّ الجَدِيدِ الَّذِي يَغْزُوهُ التَّحَضُّرُ بِعُمْدَتِهِ وَهَوَائِيَاتِهِ، مُثِيرًا أَسْئِلَةً عَنْ مَعْنَى التَّقَدُّمِ وَتَأْثِيرِهِ عَلَى الإِنْسَانِ.
- اللُّغَةِ الشِّعْرِيَّةِ فِي السَّرْدِ: تَوْظِيفُ الصُّوَرِ المُبْدِعَةِ لِوَصْفِ التَّحَوُّلاَتِ، كَقَوْلِهِ: "يَنْفَرِجُ مَادًّا ذِرَاعَيْهِ لِاسْتِقْبَالِهِ" وَ"يَعْشَى النُّورُ أَبْصَارَنَا". هَذِهِ اللُّغَةُ تُعَمِّقُ الإِحْسَاسَ بِالدَّهْشَةِ وَالحَيْرَةِ.
- الزَّمَنِ كَعُنْوَانٍ رَئِيس: يُعَالِجُ النَّصُّ فِكْرَةَ التَّصَارُعِ مَعَ الزَّمَنِ، تَارَةً يَغْلِبُهُمُ الزَّمَنُ (بِفَقْرِهِ وَعَزْلَتِهِ) وَتَارَةً يَغْلِبُونَهُ (بِخَلْقِهِمْ وَصُمُودِهِمْ). ثُمَّ يَأْتِي الزَّمَنُ لِيُحَوِّلَ حَيَّهُمْ مَرَّةً أُخْرَى.
- فَنِّ الحِوَارِ الدَّاخِلِيِّ المُضْمَرِ: يُعَبِّرُ النَّصُّ عَنْ مَشَاعِرِ السُّكَّانِ مِنْ خِلاَلِ أَسْئِلَةٍ بَلاَغِيَّةٍ: "مَنْ كَانَ يَخْطُرُ بِبَالِهِ..."، "مَنْ كَانَ يَظُنُّ...". هَذَا الأُسْلُوبُ يُشْعِرُ القَارِئَ بِعُمُقِ الدَّهْشَةِ وَعَجْزِ اللُّغَةِ عَنْ وَصْفِهَا.
- التَّرْبِيَةِ عَلَى قِيمَةِ القَنَاعَةِ وَالصُّمُودِ: يُعَلِّمُ النَّصُّ أَنَّ الفَقْرَ المَادِّيَّ لاَ يَمْنَعُ الحَيَاةَ الجَمِيلَةَ، وَأَنَّ "دِفْءَ الأَنْفَاسِ" وَالبِرَاعَةَ فِي صُنْعِ الأَلْعَابِ هِيَ أَيْضًا صُورَةٌ مِنْ صُوَرِ الغِنَى.
وَبِالتَّالي فَهَذَا النَّصُّ هُوَ تَأْمُلٌ فِي تَحَوُّلِ الحَيِّ مِنَ البَسَاطَةِ إِلَى التَّحَضُّرِ، وَهُوَ يُصَوِّرُ لَحْظَةَ الاِصْطِدَامِ بَيْنَ عَالَمَيْنِ: عَالَمِ الطُّفُولَةِ الفَقِيرِ المُبْدِعِ، وَعَالَمِ المَدِينَةِ الحَدِيثَةِ بِمَعَالِمِهَا الجَامِدَةِ (الأَعْمِدَةُ، الهَوَائِيَاتُ، أَنَابِيبُ المَاءِ). النَّصُّ لاَ يُصْدِرُ حُكْمًا عَلَى هَذَا التَّحَوُّلِ، وَلَكِنَّهُ يُسَجِّلُ الدَّهْشَةَ الَّتِي تَصْنَعُ التَّارِيخَ، وَيَسْتَحْضِرُ الذَّاكِرَةَ قَبْلَ أَنْ تَبْلُعَهَا آلاَتُ التَّحْدِيثِ. فَالحَيُّ، بِجُدْرَانِهِ المَائِلَةِ وَأَزِقَّتِهِ الضَّيِّقَةِ، لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ مَكَانٍ، بَلْ كَانَ عَالَمًا بِمَشَاعِرِهِ وَتَحَدِّيَاتِهِ وَانْتِصَارَاتِهِ الصَّغِيرَةِ.
الخلاصة:
هَذَا النَّصُّ هُوَ تَأْمُلٌ فِي تَحَوُّلِ الْحَيِّ مِنَ الْبَسَاطَةِ إِلَى التَّحَضُّرِ، وَهُوَ يُصَوِّرُ لَحْظَةَ الِاصْطِدَامِ بَيْنَ عَالَمَيْنِ: عَالَمِ الطُّفُولَةِ الفَقِيرِ الْمُبْدِعِ، وَعَالَمِ الْمَدِينَةِ الْحَدِيثَةِ بِمَعَالِمِهَا الجَامِدَةِ (الأَعْمِدَةُ، الهَوَائِيَاتُ، أَنَابِيبُ الْمَاءِ). النَّصُّ لَا يُصْدِرُ حُكْمًا عَلَى هَذَا التَّحَوُّلِ، وَلَكِنَّهُ يُسَجِّلُ الدَّهْشَةَ الَّتِي تَصْنَعُ التَّارِيخَ، وَيَسْتَحْضِرُ الذَّاكِرَةَ قَبْلَ أَنْ تَبْلُعَهَا آلَاتُ التَّحْدِيثِ. فَالْحَيُّ، بِجُدْرَانِهِ الْمَائِلَةِ وَأَزِقَّتِهِ الضَّيِّقَةِ، لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ مَكَانٍ، بَلْ كَانَ عَالَمًا بِمَشَاعِرِهِ وَتَحَدِّيَاتِهِ وَانْتِصَارَاتِهِ الصَّغِيرَةِ.


ليست هناك تعليقات:
حتى تصبح عضوا في الموسوعة المدرسية انزل إلى أسفل الصفحة