شرح نصّ تونس الأحلام - 7 أساسي - محور تونس الجميلة
شرح نصّ تونس الأحلام - صالح جودت - السنة السابعة أساسي - محور تونس الجميلة
النصّ
قَسَمًا بِسِحْرِ عُيُونِكِ الخُضَرِ *** يَا أَجْمَلَ الأَلْوَانِ فِي عُمْرِي
وَبِأَرْضِكَ الخَضْرَاءِ وَارِفَةً *** بِالتِّيـــــنِ وَالزَيْتُونِ وَالتَّمْرِ
وَبَشَطِّكِ الهَادِي وَرَمْلَتِهِ *** مَجْلُوَّةً بِالطِّيــــبِ وَالتِّبْرِ
وَبِرَوْعَةِ التَّارِيخِ فِي حِقَبِ *** صَفَحَاتُهَـــــا تَنْهَلُّ كَالعِطْرِ
وَبِلَهْفَتِي مِنْ يَوْمِ فُرْقَتِنَـــــــا *** يَمْضِي عَلَيَّ اليَوْمُ كَالشَّهْرِ...
مَــا كَانَ لِي إِلاَّكِ أُمْنِيَةٌ *** لَوْ طَالَعَتْنِي لَيْلَةُ القَدْرِ...
فَدَّيْتُ ذَاتَ الأَعْيُنِ الخُضَرِ *** حَسْناءَ قَرْطَاجِيَّةَ الكِبْــــــــرِ
لَمَّـــــا تَزَلْ مِنْ عَهْدِ أَنْدَلُسِ *** فِي صَوْتِهَا تَرْنِيمَةٌ تَسْرِي ...
وَتَطُوفُ بِالمَالُوفِ شَادِيَةً *** فَتَزِيدُنِي سُكْرًا عَلَى سُكْــرِ
يَا تُونُسَ الأَحْلاَمِ يَا كَنَفًا *** لِلْفَنِّ وَالأَنْغَامِ وَالسِّحْــرِ...
سَأَعُودُ مِنْ وَطَنِي إِلَى وَطَني *** وَكِلاَهُمَا بِصَبَابَتِـــــــــي يُغْرِي
وَأَظَلُّ أَسْتَدْنِيكِ فِي حُلُمِي *** وَأَعُدُّ أَيَامِي عَلَى الجَمْـــــرِ
حَتَّى أَعُودَ إِلَيْكِ ثَانِيَــــــةً *** وَعَلَى يَدَيَّ بَشَائِرُ النَّصْـرِ.
التقديم:
تونس الأحلام: قَِصيدَةٌ سَرْدِيَّةٌ وَصْفِيَّةٌ، لـ"صَالِح جَوْدَتْ"، مأخوذ من مجلّة "الهلال المصريّة". وهي قَصِدّةٌ تَنْدَرِجُ ضِمْنَ مِحْوَر تُونُسُ الجَمِيلَةِ.
موضوع النصّ ومحاوره الرئيسة:
تَنْدَرِجُ هَذِهِ القَصِيدَةُ ضِمْنَ الشِّعْرِ الوَطَنِيِّ الَّذِي يَمْتَزِجُ بِشُعُورِ الضِّيَافَةِ وَالإِعْجَابِ بِالمَكَانِ، وَهِيَ نَمُوذَجٌ رَائِعٌ لِلشِّعْرِ الَّذِي يُنْشِدُهُ شَاعِرٌ زَائِرٌ لِبَلَدٍ عَرَبِيٍّ شَقِيقٍ، يَحْمِلُ فِيهِ مَشَاعِرَ الإِعْجَابِ وَالحَنِينِ.
الفكرة العامة:
يُعَبِّرُ الشَّاعِرُ المِصْرِيُّ صَالِح جَوْدَتْ عَنْ إِعْجَابِهِ العَمِيقِ بِتُونُسَ أَثْنَاءَ زِيَارَتِهِ لَهَا لِلْمُشَارَكَةِ فِي مَهْرَجَانِ الشِّعْرِ، مُسْتَحْضِرًا رَمْزِيَّاتِهَا الجُغْرَافِيَّةَ وَالتَّارِيخِيَّةَ وَالثَّقَافِيَّةَ، مَازِجًا بَيْنَ الغَزَلِ العَذْرِيِّ بِامْرَأَةٍ تُونُسِيَّةٍ أَسْطُرِيَّةٍ، وَالغَزَلِ بِالوَطَنِ المُضِيفِ، وَمُعْلِنًا عَنْ حَنِينِهِ إِلَى العَوْدَةِ إِلَيْهِ ثَانِيَةً.
المحاور الرئيسة:
* مِحْوَرُ الإِعْجَابِ بِجَمَالِ تُونُسَ الطَّبِيعِيِّ:
يَسْتَحْضِرُ الشَّاعِرُ الزَّائِرُ أَبْرَزَ مَعَالِمِ تُونُسَ الطَّبِيعِيَّةِ كَشَاهِدٍ عَلَى جَمَالِهَا:
- "سِحْرِ عُيُونِكِ الخُضَرِ"
- "أَرْضِكِ الخَضْرَاءِ وَارِفَةً بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَالتَّمْرِ"
- "شَطِّكِ الهَادِي وَرَمْلَتِهِ مَجْلُوَّةً بِالطِّيبِ وَالتِّبْرِ"
- "فَدَّيْتُ ذَاتَ الأَعْيُنِ الخُضَرِ"
المُفْرَدَاتُ ("الزَّيْتُونُ"، "الرَّمْلَةُ"، "التِّينُ") هِيَ رُمُوزٌ تُونُسِيَّةٌ خَالِصَةٌ، وَاسْتِخْدَامُهَا مِنْ قِبَلِ شَاعِرٍ زَائِرٍ يَدُلُّ عَلَى دِقَّةِ مَلاَحَظَتِهِ وَعُمْقِ إِعْجَابِهِ.
* مِحْوَرُ الاِرْتِبَاطِ بِتُونُسَ التَّارِيخِيَّةِ وَالحَضَارِيَّةِ:
يُبْرِزُ الشَّاعِرُ بُعْدَ تُونُسَ التَّارِيخِيَّةَ، مُشِيرًا إِلَى عَرَاقَتِهَا:
- "بِرَوْعَةِ التَّارِيخِ فِي حِقَبٍ صَفَحَاتُهَا تَنْهَلُّ كَالعِطْرِ"
- "لَمَّا تَزَلْ مِنْ عَهْدِ أَنْدَلُسَ فِي صَوْتِهَا تَرْنِيمَةٌ تَسْرِي"
- "حَسْنَاءَ قَرْطَاجِيَّةَ الكِبْرِ"
قَرْطَاجُ وَالأَنْدَلُسُ هُمَا رَكِيزَتَانِ حَضَارِيَّتَانِ فِي الذَّاكِرَةِ التُّونُسِيَّةِ، وَتَوَظِيفُهُمَا مِنْ قِبَلِ شَاعِرٍ مِصْرِيٍّ يُظْهِرُ عُمُقَ مَعْرِفَتِهِ وَتَقْدِيرَهُ لِلْجَذْرِ التَّارِيخِيِّ لِتُونُسَ.
* مِحْوَرُ الفَنِّ وَالثَّقَافَةِ (المَالُوفُ كَرَمْزٍ ثَقَافِيٍّ):
يَذْكُرُ الشَّاعِرُ "المَالُوفَ"، وَهُوَ لَوْنٌ مِنْ أَلْوَانِ المُوسِيقَى التُّونُسِيَّةِ الأَصِيلَةِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى اطِّلاَعِهِ عَلَى التُّرَاثِ الثَّقَافِيِّ التُّونُسِيِّ:
- "تَطُوفُ بِالمَالُوفِ شَادِيَةً فَتَزِيدُنِي سُكْرًا عَلَى سُكْرِ"
* مِحْوَرُ الضِّيَافَةِ وَالغُرْبَةِ الجَمِيلَةِ:
يَعُبِّرُ الشَّاعِرُ الزَّائِرُ عَنْ مَشَاعِرِهِ بِصِفَتِهِ ضَيْفًا فِي تُونُسَ:
- "وَبِلَهْفَتِي مِنْ يَوْمِ فُرْقَتِنَا يَمْضِي عَلَيَّ اليَوْمُ كَالشَّهْرِ"
- "سَأَعُودُ مِنْ وَطَنِي إِلَى وَطَنِي وَكِلاَهُمَا بِصَبَابَتِي يُغْرِي"
هُنَا المَعْنَى الأَصِيلُ: هُوَ غَادَرَ وَطَنَهُ الأَوَّلَ (مِصْرَ) لِيَزُورَ وَطَنًا آخَرَ (تُونُسَ) لَكِنَّ الأَخِيرَ اسْتَطَاعَ أَنْ يَأْسِرَهُ وَيَجْعَلَهُ حَنِينًا إِلَيْهِ كَمَا يَحِنُّ إِلَى وَطَنِهِ. هَذَا يَعْكِسُ عُمْقَ التَّآخِي وَالرَّابِطَةَ العَرَبِيَّةَ.
* مِحْوَرُ الغَزَلِ وَالتَّشْخِيصِ (تُونُسُ كَامْرَأَةٍ مَحْبُوبَةٍ):
يُشَخِّصُ الشَّاعِرُ تُونُسَ فِي صُورَةِ امْرَأَةٍ جَمِيلَةٍ مِنْ ذَاتِ العُيُونِ الخُضْرِ:
- "يَا أَجْمَلَ الأَلْوَانِ فِي عُمْرِي"
- "فَدَّيْتُ ذَاتَ الأَعْيُنِ الخُضَرِ"
- "حَسْنَاءَ قَرْطَاجِيَّةَ الكِبْرِ"
هَذَا التَّشْخِيصُ يَجْعَلُ العَلاَقَةَ بِالمَكَانِ عَلاَقَةً عَاطِفِيَّةً شَخْصِيَّةً عَمِيقَةً.
* مِحْوَرُ الأَمَلِ فِي العَوْدَةِ:
يَخْتِمُ الشَّاعِرُ بِالأَمَلِ فِي العَوْدَةِ إِلَى تُونُسَ:
- "وَأَظَلُّ أَسْتَدْنِيكِ فِي حُلُمِي وَأَعُدُّ أَيَّامِي عَلَى الجَمْرِ"
- "حَتَّى أَعُودَ إِلَيْكِ ثَانِيَةً وَعَلَى يَدَيَّ بَشَائِرُ النَّصْرِ"
هَذِهِ النِّهَايَةُ تُؤَكِّدُ أَنَّ تُونُسَ قَدْ تَرَكَتْ أَثَرًا عَمِيقًا فِي نَفْسِ الشَّاعِرِ، جَعَلَهُ يَتَمَنَّى العَوْدَةَ إِلَيْهَا مُحَمَّلاً بِبَشَائِرَ.
الإجابة عن الأسئلة:
1- عَبَّرَ الشَاعِرُ عَنْ اِفْتِتَانِهِ بِتُونُسَ مِنْ خِلاَل ِالقَسَمِ وَالتَفْدِيَةِ وَالحُلْمُ بِالعَوْدَةِ، قَسِّمْ النَصَّ وِفْقَ هَذِهِ المَعَانِي.
تَقْسِيمُ القَصِيدَةِ وَفْقَ مَعَانِي القَسَمِ وَالتَّفْدِيَةِ وَالحُلْمِ بِالعَوْدَةِ:
* الوَحْدَةُ الأُولَى: القَسَمُ بِجَمَالِ تُونُسَ (الأَبْيَاتُ 1 إِلَى 6)
تَمْتَدُّ هَذِهِ الوَحْدَةُ مِنَ البَيْتِ الأَوَّلِ: "قَسَمًا بِسِحْرِ عُيُونِكِ الخُضَرِ *** يَا أَجْمَلَ الأَلْوَانِ فِي عُمْرِي" إِلَى البَيْتِ السَّادِسِ: "مَا كَانَ لِي إِلاَّكِ أُمْنِيَةٌ *** لَوْ طَالَعَتْنِي لَيْلَةُ القَدْرِ..."
فِي هَذِهِ الوَحْدَةِ، يُقْسِمُ الشَّاعِرُ بِأَبْرَزِ مَعَالِمِ تُونُسَ:
- العُيُونُ الخُضْرُ (الجَمَالُ).
- الأَرْضُ الخَضْرَاءُ بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَالتَّمْرِ (الخِصْبُ وَالطَّبِيعَةُ).
- الشَّطُّ الهَادِي وَرَمْلَتُهُ بِالطِّيبِ وَالتِّبْرِ (البَحْرُ وَالجَمَالُ).
- رَوْعَةُ التَّارِيخِ (العَرَاقَةُ وَالحَضَارَةُ).
- لَهْفَتُهُ وَفُرْقَتُهُ (الحَنِينُ وَالحُبُّ).
وَالقَسَمُ هُنَا يَحْمِلُ دَلاَلَةَ التَّعْظِيمِ لِتُونُسَ، وَإِبْرَازَ أَنَّهَا تَسْتَحِقُّ أَعْلَى دَرَجَاتِ الاِحْتِرَامِ وَالوَفَاءِ.
* الوَحْدَةُ الثَّانِيَةُ: التَّفْدِيَةُ (الأَبْيَاتُ 7 إِلَى 10)
تَمْتَدُّ هَذِهِ الوَحْدَةُ مِنَ البَيْتِ السَّابِعِ: "فَدَّيْتُ ذَاتَ الأَعْيُنِ الخُضَرِ *** حَسْنَاءَ قَرْطَاجِيَّةَ الكِبْرِ" إِلَى البَيْتِ العَاشِرِ: "يَا تُونُسَ الأَحْلاَمِ يَا كَنَفًا *** لِلْفَنِّ وَالأَنْغَامِ وَالسِّحْرِ..."
فِي هَذِهِ الوَحْدَةِ، يُعَبِّرُ الشَّاعِرُ عَنْ عَظِيمِ حُبِّهِ لِتُونُسَ مِنْ خِلاَلِ التَّفْدِيَةِ:
- "فَدَّيْتُ ذَاتَ الأَعْيُنِ الخُضَرِ": يُعْلِنُ أَنَّهُ يَفْدِيهَا بِكُلِّ غَالٍ.
- "حَسْنَاءَ قَرْطَاجِيَّةَ الكِبْرِ": يُفَاخِرُ بِانْتِمَائِهَا لِقَرْطَاجَ، مُبْرِزًا كِبْرِيَاءَهَا الحَضَارِيَّ.
- "لَمَّا تَزَلْ مِنْ عَهْدِ أَنْدَلُسَ فِي صَوْتِهَا تَرْنِيمَةٌ تَسْرِي..."
- "وَتَطُوفُ بِالمَالُوفِ شَادِيَةً فَتَزِيدُنِي سُكْرًا عَلَى سُكْرِ..."
- "يَا تُونُسَ الأَحْلاَمِ يَا كَنَفًا لِلْفَنِّ وَالأَنْغَامِ وَالسِّحْرِ..."
وَالتَّفْدِيَةُ هُنَا تَحْمِلُ دَلاَلَةَ الإِعْلاَنِ بِأَنَّ تُونُسَ عِنْدَ الشَّاعِرِ تَسَاوِي كُلَّ شَيْءٍ، وَأَنَّهُ مُسْتَعِدٌّ لِبَذْلِ النَّفِيسِ فِدَاءً لَهَا.
* الوَحْدَةُ الثَّالِثَةُ: الحُلْمُ بِالعَوْدَةِ (الأَبْيَاتُ 11 إِلَى 13)
تَمْتَدُّ هَذِهِ الوَحْدَةُ مِنَ البَيْتِ الحَادِي عَشَرَ: "سَأَعُودُ مِنْ وَطَنِي إِلَى وَطَنِي *** وَكِلاَهُمَا بِصَبَابَتِي يُغْرِي" إِلَى نِهَايَةِ القَصِيدَةِ: "حَتَّى أَعُودَ إِلَيْكِ ثَانِيَةً *** وَعَلَى يَدَيَّ بَشَائِرُ النَّصْرِ."
فِي هَذِهِ الوَحْدَةِ، يُعَبِّرُ الشَّاعِرُ عَنْ أَمَلِهِ فِي العَوْدَةِ إِلَى تُونُسَ ثَانِيَةً:
- "سَأَعُودُ مِنْ وَطَنِي إِلَى وَطَنِي": يَعُدُّ تُونُسَ وَطَنًا ثَانِيًا لَهُ، مُؤَكِّدًا عُمْقَ العَلاَقَةِ.
- "وَأَظَلُّ أَسْتَدْنِيكِ فِي حُلُمِي وَأَعُدُّ أَيَّامِي عَلَى الجَمْرِ": يَنْتَظِرُ فُرْصَةَ العَوْدَةِ بِفَارِغِ الصَّبْرِ.
- "حَتَّى أَعُودَ إِلَيْكِ ثَانِيَةً وَعَلَى يَدَيَّ بَشَائِرُ النَّصْرِ": العَوْدَةُ هِيَ الغَايَةُ، وَهِيَ مُرْتَبِطَةٌ بِبَشَائِرَ تُسَرُّ النَّفْسَ.
2- أَقْسَمَ الشَاعِرُ بِعَنَاصِر مِنْ جَمَالِ تُونُسَ، أُذْكُرْهَا وَبَيِّنْ دَلاَلَة كَثْرَتِهَا وَتَنَوُّعِهَا.
أَوَّلاً: عَنَاصِرُ جَمَالِ تُونُسَ الَّتِي أَقْسَمَ بِهَا الشَّاعِرُ:
- سِحْرُ العُيُونِ الخُضَرِ: فِي البَيْتِ الأَوَّلِ: "قَسَمًا بِسِحْرِ عُيُونِكِ الخُضَرِ". هُنَا يُقْسِمُ بِجَمَالِ المَرْأَةِ التُّونُسِيَّةِ (وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ جَمَالِ تُونُسَ نَفْسِهَا).
- الأَرْضُ الخَضْرَاءُ الوَارِفَةُ بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَالتَّمْرِ: فِي البَيْتِ الثَّانِي: "وَبِأَرْضِكِ الخَضْرَاءِ وَارِفَةً بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَالتَّمْرِ". يُقْسِمُ بِخِصْبِ أَرْضِ تُونُسَ وَبِمَا تَنْتِجُهُ مِنْ ثِمَارٍ.
- الشَّطُّ الهَادِي وَرَمْلَتُهُ المَجْلُوَّةُ بِالطِّيبِ وَالتِّبْرِ: فِي البَيْتِ الثَّالِثِ: "وَبَشَطِّكِ الهَادِي وَرَمْلَتِهِ مَجْلُوَّةً بِالطِّيبِ وَالتِّبْرِ". يُقْسِمُ بِسَاحِلِ تُونُسَ الجَمِيلِ وَبِرَمْلِهِ الَّذِي يَزْهُو بِالجَمَالِ.
- رَوْعَةُ التَّارِيخِ فِي حِقَبٍ صَفَحَاتُهَا تَنْهَلُّ كَالعِطْرِ: فِي البَيْتِ الرَّابِعِ: "وَبِرَوْعَةِ التَّارِيخِ فِي حِقَبٍ صَفَحَاتُهَا تَنْهَلُّ كَالعِطْرِ". يُقْسِمُ بِعَرَاقَةِ تَارِيخِ تُونُسَ وَحَضَارَتِهَا.
- لَهْفَتُهُ وَفُرْقَتُهُ (الشَّوْقُ وَالحَنِينُ): فِي البَيْتِ الخَامِسِ: "وَبِلَهْفَتِي مِنْ يَوْمِ فُرْقَتِنَا يَمْضِي عَلَيَّ اليَوْمُ كَالشَّهْرِ". يُقْسِمُ بِشَوْقِهِ العَظِيمِ إِلَيْهَا، وَهَذَا أَيْضًا يَدُلُّ عَلَى جَمَالِهَا الَّذِي أَثَارَ هَذَا الحَنِينَ.
ثَانِيًا: دَلاَلَةُ كَثْرَةِ هَذِهِ العَنَاصِرِ وَتَنَوُّعِهَا:
1. التَّنَوُّعُ يُبْرِزُ جَمَالَ تُونُسَ الشَّامِلَ المُتَكَامِلَ:
لَمْ يَقْتَصِرِ الشَّاعِرُ عَلَى جَانِبٍ وَاحِدٍ مِنْ جَمَالِ تُونُسَ، بَلْ شَمِلَ فِي قَسَمِهِ:
- الجَمَالَ البَشَرِيَّ: "سِحْرُ عُيُونِكِ الخُضَرِ".
- الجَمَالَ الطَّبِيعِيَّ: "أَرْضِكِ الخَضْرَاءِ"، "شَطِّكِ الهَادِي".
- الجَمَالَ الزِّرَاعِيَّ: "بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَالتَّمْرِ".
- الجَمَالَ التَّارِيخِيَّ: "رَوْعَةِ التَّارِيخِ".
- الجَمَالَ العَاطِفِيَّ: "لَهْفَتِي".
هَذَا التَّنَوُّعُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تُونُسَ لَيْسَتْ جَمِيلَةً فِي جَانِبٍ وَاحِدٍ، بَلْ هِيَ جَمِيلَةٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ: فِي طَبِيعَتِهَا، فِي نَاسِهَا، فِي تَارِيخِهَا، حَتَّى فِي مَشَاعِرِ مَنْ يَزُورُهَا. إِنَّهَا جَمَالٌ شَامِلٌ مُتَكَامِلٌ.
2. الكَثْرَةُ تَدُلُّ عَلَى عِظَمِ مَكَانَةِ تُونُسَ فِي نَفْسِ الشَّاعِرِ:
القَسَمُ فِي اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ لاَ يُسْتَعْمَلُ إِلاَّ لِلْمُقَدَّسَاتِ وَالعَظَائِمِ. حِينَ يُقْسِمُ الشَّاعِرُ بِكُلِّ هَذِهِ العَنَاصِرِ، فَهُوَ يُعْظِمُ تُونُسَ وَيَرْفَعُ شَأْنَهَا. كَثْرَةُ المُقْسَمِ بِهَا تَدُلُّ عَلَى كَثْرَةِ أَوْجُهِ جَمَالِهَا، وَعَلَى عُمُقِ تَأَثُّرِ الشَّاعِرِ بِهَا، حَتَّى صَارَ كُلُّ شَيْءٍ فِيهَا جَدِيرًا بِالقَسَمِ.
3. التَّنَوُّعُ يُعْطِي صُورَةً كَامِلَةً عَنْ تُونُسَ:
جَمَعَ الشَّاعِرُ بَيْنَ العَنَاصِرِ المُخْتَلِفَةِ لِيَرْسُمَ لِلْقَارِئِ صُورَةً شَامِلَةً عَنْ تُونُسَ:
- الطَّبِيعَةُ الخَصْبَةُ (الأَرْضُ الخَضْرَاءُ، الشَّطُّ، الرَّمْلَةُ).
- العُمْقُ التَّارِيخِيُّ (قَرْطَاجُ فِي التَّفْدِيَةِ، وَالأَنْدَلُسُ).
- الثَّقَافَةُ وَالفَنُّ (المَالُوفُ).
- الجَمَالُ الإِنْسَانِيُّ (العُيُونُ الخُضْرُ).
هَذِهِ الصُّورَةُ المُتَكَامِلَةُ تُبْرِزُ أَنَّ تُونُسَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مَكَانٍ، بَلْ هِيَ مَاضٍ وَحَاضِرٌ، طَبِيعَةٌ وَحَضَارَةٌ، جَمَالٌ وَفَنٌّ.
4. تَكْرَارُ القَسَمِ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِ المَشَاعِرِ وَجِدَّتِهَا:
الاِسْتِهْلاَلُ بِالقَسَمِ فِي البِدَايَةِ، ثُمَّ تَكْرَارُهُ عَلَى عَنَاصِرَ مُتَعَدِّدَةٍ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَشَاعِرَ الشَّاعِرِ نَحْوَ تُونُسَ لَيْسَتْ عَابِرَةً، بَلْ هِيَ مَشَاعِرُ صَادِقَةٌ عَمِيقَةٌ تَسْتَحِقُّ التَّأْكِيدَ وَالتَّكْرَارَ.
5. التَّنَوُّعُ يَكْشِفُ عَنْ مَعْرِفَةِ الشَّاعِرِ بِتُونُسَ:
ذِكْرُهُ لِلزَّيْتُونِ وَالتِّينِ وَالتَّمْرِ وَالمَالُوفِ وَقَرْطَاجَ وَالأَنْدَلُسَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشَّاعِرَ (صَالِحَ جَوْدَتْ) لَمْ يَكُنْ زَائِرًا عَابِرًا، بَلْ كَانَ عَارِفًا بِتُونُسَ وَمُطَّلِعًا عَلَى رَمْزِيَّاتِهَا الحَضَارِيَّةِ وَالثَّقَافِيَّةِ.
وَخُلاَصَةُ القَوْلِ فَإِنَّ كَثْرَةُ العَنَاصِرِ الَّتِي أَقْسَمَ بِهَا الشَّاعِرُ وَتَنَوُّعُهَا (الطَّبِيعِيَّةُ، التَّارِيخِيَّةُ، الثَّقَافِيَّةُ، الإِنْسَانِيَّةُ) تَدُلُّ عَلَى:
- شُمُولِيَّةِ جَمَالِ تُونُسَ وَتَكَامُلِهِ.
- عِظَمِ مَكَانَةِ تُونُسَ فِي نَفْسِ الشَّاعِرِ.
- صِدْقِ مَشَاعِرِهِ وَعُمْقِ حُبِّهِ لَهَا.
- مَعْرِفَتِهِ الوَاسِعَةِ بِتُونُسَ وَرَمْزِيَّاتِهَا.
- رَسْمِ صُورَةٍ شَامِلَةٍ تُوَضِّحُ لِلْقَارِئِ جَمَالَ تُونُسَ فِي أَبْعَادِهَا المُخْتَلِفَةِ.
3- جَسَّدَ الشَاعِرُ جَمَالَ تُونُسَ فِي مَلاَمِحَ المَرْأَةِ الحَسْنَاءِ، اِسْتَخْرِجْ مِنَ النَصِّ مَا يُبَيِّنُ ذَلِكَ.
يُجَسِّدُ الشَّاعِرُ تُونُسَ فِي صُورَةِ مَرْأَةٍ حَسْنَاءَ، وَيَمْنَحُهَا مَلاَمِحَ إِنْسَانِيَّةً تُبْرِزُ جَمَالَهَا وَعَرَاقَتَهَا، وَيَظْهَرُ ذَلِكَ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ مِنَ القَصِيدَةِ:
1. التَّشْخِيصُ بِاسْتِعَارَةِ المَرْأَةِ المُخَاطَبَةِ:
يُخَاطِبُ الشَّاعِرُ تُونُسَ مُنْذُ البِدَايَةِ بِضَمِيرِ المُؤَنَّثِ المُخَاطَبِ ("كِ")، كَأَنَّهَا امْرَأَةٌ حَاضِرَةٌ تُحَادِثُهُ:
- "يَا أَجْمَلَ الأَلْوَانِ فِي عُمْرِي"
- "عُيُونِكِ الخُضَرِ"
- "أَرْضِكِ الخَضْرَاءِ"
- "شَطِّكِ الهَادِي"
- "مِنْ يَوْمِ فُرْقَتِنَا"
هَذَا الخِطَابُ المُؤَنَّثُ يُحَوِّلُ تُونُسَ مِنْ مَكَانٍ جُغْرَافِيٍّ إِلَى كَائِنٍ أُنْثَوِيٍّ جَمِيلٍ يُحِبُّهُ الشَّاعِرُ وَيَشْتَاقُ إِلَيْهِ.
2. العُيُونُ الخُضْرُ كَأَبْرَزِ مَلاَمِحِ الجَمَالِ:
يَتَكَرَّرُ ذِكْرُ العُيُونِ الخُضَرِ فِي القَصِيدَةِ لِيَكُونَ الرَّمْزَ الأَخَصَّ لِجَمَالِ هَذِهِ المَرْأَةِ (وَجَمَالِ تُونُسَ):
- "قَسَمًا بِسِحْرِ عُيُونِكِ الخُضَرِ"
- "فَدَّيْتُ ذَاتَ الأَعْيُنِ الخُضَرِ"
العُيُونُ الخُضْرُ هِيَ أَبْرَزُ مَا يُمَيِّزُ المَرْأَةَ الجَمِيلَةَ، وَالشَّاعِرُ يَجْعَلُ مِنْهَا أَوَّلَ مَا يُقْسِمُ بِهِ، وَأَوَّلَ مَا يَفْدِيهَا.
3. وَصْفُهَا بِالحُسْنِ وَالجَمَالِ الأَسْطُرِيِّ:
يَصِفُ الشَّاعِرُ هَذِهِ المَرْأَةَ بِأَجْمَلِ الصِّفَاتِ:
- "يَا أَجْمَلَ الأَلْوَانِ فِي عُمْرِي"
- "ذَاتَ الأَعْيُنِ الخُضَرِ"
- "حَسْنَاءَ قَرْطَاجِيَّةَ الكِبْرِ"
"حَسْنَاءَ" هِيَ صِفَةٌ تُطْلَقُ عَلَى المَرْأَةِ البَالِغَةِ الجَمَالِ. وَإِضَافَتُهَا إِلَى "قَرْطَاجَ" تُعْطِيهَا بُعْدًا تَارِيخِيًّا أَسْطُرِيًّا، فَتُصْبِحُ جَمَالُهَا مُرْتَبِطًا بِعَرَاقَةِ قَرْطَاجَ.
4. إِسْنَادُ الكِبْرِ وَالعِزَّةِ لَهَا:
- "حَسْنَاءَ قَرْطَاجِيَّةَ الكِبْرِ"
الكِبْرُ هُنَا لَيْسَ كِبْرَ التَّكَبُّرِ، بَلْ كِبْرُ العِزَّةِ وَالكَرَامَةِ وَالفَخْرِ. هَذِهِ المَرْأَةُ الجَمِيلَةُ تَمْتَلِكُ شَخْصِيَّةً قَوِيَّةً وَكِبْرِيَاءَ حَضَارِيَّةً.
5. إِسْنَادُ التَّرْنِيمَةِ وَالغِنَاءِ لَهَا (جَمَالُ الصَّوْتِ وَالرُّوحِ):
- "لَمَّا تَزَلْ مِنْ عَهْدِ أَنْدَلُسَ فِي صَوْتِهَا تَرْنِيمَةٌ تَسْرِي"
- "وَتَطُوفُ بِالمَالُوفِ شَادِيَةً فَتَزِيدُنِي سُكْرًا عَلَى سُكْرِ"
لَيْسَ جَمَالُهَا فِي مَلاَمِحِهَا فَقَطْ، بَلْ فِي صَوْتِهَا أَيْضًا. صَوْتُهَا يَحْمِلُ تَرْنِيمَةً أَنْدَلُسِيَّةً عَرِيقَةً، وَهِيَ تَطُوفُ بِالمَالُوفِ (المُوسِيقَى التُّونُسِيَّةِ الأَصِيلَةِ) شَادِيَةً مُغَنِّيَةً. هَذَا الوَصْفُ يَجْعَلُ جَمَالَهَا جَمَالاً مُتَكَامِلاً (جَمَالُ الوَجْهِ، جَمَالُ الصَّوْتِ، جَمَالُ الرُّوحِ).
6. تَسْمِيَتُهَا "تُونُسَ الأَحْلاَمِ":
- "يَا تُونُسَ الأَحْلاَمِ يَا كَنَفًا لِلْفَنِّ وَالأَنْغَامِ وَالسِّحْرِ".
هَذَا النِّدَاءُ يَجْمَعُ بَيْنَ الاِسْمِ الحَقِيقِيِّ (تُونُسَ) وَالصِّفَاتِ الَّتِي تَجْعَلُ مِنْهَا مَرْأَةً أَسْطُرِيَّةً: مَلْجَأَ الفَنِّ وَالأَنْغَامِ وَالسِّحْرِ. إِنَّهَا لَيْسَتْ مُجَرَّدَ امْرَأَةٍ جَمِيلَةٍ، بَلْ هِيَ المَلْجَأُ الآمِنُ لِكُلِّ مَا هُوَ جَمِيلٌ.
4- مَاذَا تَفْهَمُ مِنْ قَوْلِ الشَاعِرِ: (سَأَعُودُ مِنْ وَطَنِي إِلَى وَطَنِي)؟
أَوَّلاً: تَوْضِيحُ السِّيَاقِ:
الشَّاعِرُ صَالِح جَوْدَتْ مِصْرِيٌّ، وَهُوَ يَلْقِي هَذِهِ القَصِيدَةَ فِيِ تُونُسَ. عِنْدَمَا يَقُولُ: "سَأَعُودُ مِنْ وَطَنِي إِلَى وَطَنِي"، فَإِنَّهُ يَعْنِي:
- "مِنْ وَطَنِي": تُونُسُ. (لِأَنَّهُ فِيهَا الآنَ، وَصَارَتْ وَطَنًا بِحُبِّهِ لَهَا).
- "إِلَى وَطَنِي": مِصْرُ. (وَطَنُهُ الأَصْلِيُّ حَيْثُ يَنْتَمِي).
إِذًا، هُوَ سَيَعُودُ مِنْ تُونُسَ (الوَطَنُ الثَّانِي) إِلَى مِصْرَ (الوَطَنُ الأَوَّلُ).
ثَانِيًا: دَلاَلَةُ العِبَارَةِ:
1. إِعْلاَنُ أَنَّ تُونُسَ صَارَتْ وَطَنًا ثَانِيًا لَهُ: بِوَصْفِ تُونُسَ بِالوَطَنِ، يُعْلِنُ الشَّاعِرُ أَنَّ هَذِهِ الأَرْضَ الَّتِي زَارَهَا قَدِ احْتَلَّتْ مَكَانَةً خَاصَّةً فِي قَلْبِهِ، حَتَّى صَارَ يَعُدُّهَا وَطَنًا كَوَطَنِهِ الأَصْلِيِّ. هَذَا يَدُلُّ عَلَى عُمْقِ العَلاَقَةِ وَشِدَّةِ التَّأَثُّرِ.
2. التَّأْكِيدُ عَلَى التَّلاَحُمِ العَرَبِيِّ: الكَلِمَةُ تُعَبِّرُ عَنِ الإِحْسَاسِ بِأَنَّ الوَطَنَ العَرَبِيَّ وَاحِدٌ، وَأَنَّ الاِنْتِقَالَ بَيْنَ أَقْطَارِهِ هُوَ انْتِقَالٌ مِنْ وَطَنٍ إِلَى وَطَنٍ. هَذَا يَعْكِسُ رُوحَ الأُخُوَّةِ وَالوَحْدَةِ بَيْنَ الأُمَّةِ العَرَبِيَّةِ.
3. الحَنِينُ إِلَى مِصْرَ مَعَ الحَنِينِ إِلَى تُونُسَ: فِي هَذَا البَيْتِ، يَجْمَعُ الشَّاعِرُ بَيْنَ حَنِينَيْنِ: حَنِينٌ إِلَى وَطَنِهِ الأَصْلِيِّ (مِصْرَ)، وَحَنِينٌ إِلَى تُونُسَ الَّتِي غَادَرَهَا وَهِيَ فِي قَلْبِهِ. هَذَا التَّوَازُنُ يَجْعَلُ المَشَاعِرَ أَكْثَرَ عُمْقًا وَتَعْقِيدًا.
4. الإِحْسَاسُ بِالاِغْتِرَابِ المُزْدَوِجِ: هُوَ فِي تُونُسَ يَحِنُّ إِلَى مِصْرَ، وَعِنْدَمَا يَعُودُ إِلَى مِصْرَ سَيَحِنُّ إِلَى تُونُسَ. العِبَارَةُ تُعَبِّرُ عَنِ الشُّعُورِ بِأَنَّ الإِنْسَانَ قَدْ يَتَعَلَّقُ بِأَكْثَرَ مِنْ مَكَانٍ، وَيَشْتَاقُ إِلَى مَا هُوَ بَعِيدٌ عَنْهُ.
5. الوَفَاءُ لِلذِّكْرَى: بِقَوْلِهِ "سَأَعُودُ" (وَهُوَ لاَ يَزَالُ فِي تُونُسَ)، يُعَبِّرُ الشَّاعِرُ عَنْ ثِقَتِهِ بِأَنَّ هَذِهِ الزِّيَارَةَ لَيْسَتْ أَخِيرَةً، وَأَنَّهُ سَيَعُودُ إِلَى مِصْرَ وَسَيَعُودُ أَيْضًا إِلَى تُونُسَ فِي المُسْتَقْبَلِ. العَوْدَةُ إِلَى الوَطَنِ الأَصْلِيِّ لاَ تَمْنَعُ العَوْدَةَ إِلَى الوَطَنِ الثَّانِي.
5- كَيْفَ تَبْدُو لَكَ صُورَةُ تُونُسَ فِي عُيُونِ زَائِرِيهَا اِسْتِنَادًا إِلَى مَا فَهِمْتَ مِنَ النَصِّ؟
تَبْدُو صُورَةُ تُونُسَ فِي عُيُونِ زَائِرِيهَا (مِنْ خِلاَلِ قَصِيدَةِ صَالِحِ جَوْدَتْ) صُورَةً شَامِلَةً مُتَكَامِلَةً، تَمْزِجُ بَيْنَ الجَمَالِ الطَّبِيعِيِّ وَالعُمْقِ التَّارِيخِيِّ وَالغِنَى الثَّقَافِيِّ. وَيُمْكِنُ تَلْخِيصُ هَذِهِ الصُّورَةِ فِي النِّقَاطِ التَّالِيَةِ:
1. تُونُسُ أَرْضُ الجَمَالِ الشَّامِلِ:
تَظْهَرُ فِي النَّصِّ كَأَرْضٍ تَجْمَعُ فِيهَا عَنَاصِرُ الجَمَالِ كُلُّهَا:
- جَمَالٌ طَبِيعِيٌّ: فِي أَرْضِهَا الخَضْرَاءِ، وَشَطِّهَا الهَادِي، وَرَمْلَتِهَا المَجْلُوَّةِ بِالطِّيبِ وَالتِّبْرِ.
- جَمَالٌ زِرَاعِيٌّ: فِي تِينِهَا وَزَيْتُونِهَا وَتَمْرِهَا.
- جَمَالٌ بَشَرِيٌّ: فِي سِحْرِ عُيُونِ أَهْلِهَا الخُضَرِ.
- جَمَالٌ تَارِيخِيٌّ: فِي رَوْعَةِ تَارِيخِهَا الَّذِي تَنْهَلُّ صَفَحَاتُهُ كَالعِطْرِ.
- جَمَالٌ ثَقَافِيٌّ: فِي أَنْغَامِهَا المَالُوفَةِ وَفُنُونِهَا وَسِحْرِهَا.
2. تُونُسُ الأَسْطُورَةُ الحَاضِرَةُ:
تَظْهَرُ فِي النَّصِّ كَأَسْطُورَةٍ حَيَّةٍ تَنْبُضُ فِي الحَاضِرِ:
- قَرْطَاجُ: تَظَلُّ حَاضِرَةً فِي كِبْرِيَاءِ تُونُسَ وَعِزَّتِهَا ("حَسْنَاءَ قَرْطَاجِيَّةَ الكِبْرِ").
- الأَنْدَلُسُ: تَرْنِيمَتُهَا لاَ تَزَالُ تَسْرِي فِي صَوْتِ تُونُسَ ("لَمَّا تَزَلْ مِنْ عَهْدِ أَنْدَلُسَ فِي صَوْتِهَا تَرْنِيمَةٌ تَسْرِي").
تُونُسُ عِنْدَ الزَّائِرِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ أَرْضٍ، بَلْ هِيَ ذَاكِرَةٌ حَيَّةٌ تَمْتَدُّ إِلَى أَعْمَاقِ التَّارِيخِ.
3. تُونُسُ المَرْأَةُ الجَمِيلَةُ السَّاحِرَةُ:
تَجَسَّدَ الشَّاعِرُ تُونُسَ فِي صُورَةِ مَرْأَةٍ حَسْنَاءَ، تَمْلِكُ:
- عُيُونًا خُضْرًا سَاحِرَةً.
- كِبْرِيَاءَ قَرْطَاجِيَّةً.
- صَوْتًا يَحْمِلُ تَرْنِيمَةَ الأَنْدَلُسِ.
- تَطُوفُ بِالمَالُوفِ شَادِيَةً.
هَذَا التَّجْسِيدُ يَجْعَلُ العَلاَقَةَ مَعَ تُونُسَ عَلاَقَةً عَاطِفِيَّةً شَخْصِيَّةً عَمِيقَةً، لاَ تَقُومُ عَلَى المُشَاهَدَةِ البَارِدَةِ، بَلْ عَلَى الحُبِّ وَالوَلَعِ.
4. تُونُسُ مَلْجَأُ الفَنِّ وَالأَنْغَامِ وَالسِّحْرِ:
يَصِفُهَا الشَّاعِرُ بِأَنَّهَا "كَنَفًا لِلْفَنِّ وَالأَنْغَامِ وَالسِّحْرِ". هِيَ عِنْدَ الزَّائِرِ مَكَانٌ يُلْهِمُ الفَنَّانِينَ، وَيَحْتَضِنُ المُبْدِعِينَ، وَيُطْلِقُ الخَيَالَ لِيَطِيرَ. هَذَا يَجْعَلُهَا وَجْهَةً لِأَصْحَابِ الذَّوْقِ الجَمِيلِ.
5. تُونُسُ الوَطَنُ الثَّانِي:
أَكْبَرُ دَلِيلٍ عَلَى عُمْقِ صُورَتِهَا فِي عُيُونِ زَائِرِيهَا هُوَ أَنَّ الشَّاعِرَ المِصْرِيَّ جَعَلَهَا وَطَنًا ثَانِيًا لَهُ: "سَأَعُودُ مِنْ وَطَنِي إِلَى وَطَنِي". تُونُسُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مَكَانٍ زَارَهُ، بَلْ أَصْبَحَتْ جُزْءًا مِنْ هُوِيَّتِهِ العَاطِفِيَّةِ، وَصَارَ يَعُدُّ الأَيَّامَ عَلَى الجَمْرِ لِلْعَوْدَةِ إِلَيْهَا.
6. تُونُسُ الَّتِي تَأْسِرُ القَلْبَ وَلاَ تُفَارِقُهُ:
تَتَلَخَّصُ صُورَةُ تُونُسَ فِي النَّصِّ فِي قُدْرَتِهَا عَلَى أَسْرِ قَلْبِ الزَّائِرِ حَتَّى يُقْسِمَ بِجَمَالِهَا، وَيَفْدِيَهَا بِنَفْسِهِ، وَيَحْلُمَ بِالعَوْدَةِ إِلَيْهَا. هِيَ تُونُسُ الَّتِي تَجْعَلُ الزَّائِرَ يَمْضِي عَلَيْهِ اليَوْمُ كَالشَّهْرِ بَعْدَ فُرْقَتِهَا.
القيمة التعليميّة / الأدبيّة:
يُقَدِّمُ النَّصُّ الشِّعْرِيُّ نَمُوذَجًا رَائِعًا لِـ:
- شِعْرِ الضِّيَافَةِ وَالزِّيَارَةِ: حَيْثُ يُعَبِّرُ شَاعِرٌ عَنْ إِعْجَابِهِ بِبَلَدٍ عَرَبِيٍّ زَارَهُ، مُظْهِرًا عُمْقَ الاِرْتِبَاطِ العَرَبِيِّ مِنْ خِلاَلِ اللُّغَةِ الشِّعْرِيَّةِ.
- التَّشْخِيصِ (الأَنَسَنَةِ): جَعْلُ تُونُسَ امْرَأَةً مَحْبُوبَةً ("ذَاتَ الأَعْيُنِ الخُضَرِ"، "حَسْنَاءَ قَرْطَاجِيَّةَ الكِبْرِ") لِتَكُونَ العَلاَقَةُ عَاطِفِيَّةً وَشَخْصِيَّةً.
- المَزْجِ بَيْنَ الغَزَلِ وَالوَطَنِيَّةِ: تَدَاخُلُ حُبِّ المَرْأَةِ وَحُبِّ الوَطَنِ فِي قَصِيدَةٍ وَاحِدَةٍ، لِيَكُونَ الوَطَنُ هُوَ الحَبِيبَةَ المُسْتَعَارَةَ.
- اسْتِحْضَارِ الرَّمْزِيَّاتِ التَّارِيخِيَّةِ وَالثَّقَافِيَّةِ: قَرْطَاجُ، الأَنْدَلُسُ، المَالُوفُ. هَذِهِ الرَّمْزِيَّاتُ تُعْطِي القَصِيدَةَ بُعْدًا حَضَارِيًّا وَتُونُسِيًّا خَالِصًا.
- بِنَاءِ الحَنِينِ المُزْدَوِجِ: الشَّاعِرُ لاَ يَحْنُو فَقَطْ إِلَى وَطَنِهِ مِصْرَ، بَلْ إِلَى تُونُسَ أَيْضًا، مُعْتَبِرًا إِيَّاهَا "وَطَنًا" آخَرَ يَشْتَاقُ إِلَيْهِ ("سَأَعُودُ مِنْ وَطَنِي إِلَى وَطَنِي").
- لُغَةِ اليَمِينِ وَالقَسَمِ: الاِفْتِتَاحُ بِالقَسَمِ عَلَى رَمْزِيَّاتِ تُونُسَ ("قَسَمًا بِسِحْرِ عُيُونِكِ...") يَدُلُّ عَلَى جِدِّيَّةِ المَشَاعِرِ وَعَظَمَةِ البَلَدِ فِي نَفْسِ الشَّاعِرِ.
الخلاصة:
هَذِهِ القَصِيدَةُ هِيَ شَاهِدٌ عَلَى عُمْقِ العَلاَقَاتِ الثَّقَافِيَّةِ بَيْنَ الأَقْطَارِ العَرَبِيَّةِ. فَالشَّاعِرُ المِصْرِيُّ صَالِح جَوْدَتْ لاَ يَزُورُ تُونُسَ فَقَطْ، بَلْ يَغْتَرِفُ مِنْ جَمَالِهَا الطَّبِيعِيِّ (الخُضْرَةُ، الشَّطُّ، الرَّمْلَةُ)، وَيَسْتَحْضِرُ عَرَاقَتَهَا التَّارِيخِيَّةَ (قَرْطَاجُ، الأَنْدَلُسُ)، وَيُثْنِي عَلَى تُرَاثِهَا الثَّقَافِيِّ (المَالُوفُ). كُلُّ ذَلِكَ بِحُبٍّ شَفِيفٍ، يَتَجَلَّى فِي اسْتِعَارَةِ المَرْأَةِ الجَمِيلَةِ لِتُونُسَ، لِيُعْلِنَ فِي النِّهَايَةِ أَنَّهُ سَيَعُودُ إِلَيْهَا "مِنْ وَطَنِي إِلَى وَطَنِي"، مُؤَكِّدًا أَنَّ الحَنِينَ لاَ يَحُدُّهُ الجُغْرَافْيَا، وَأَنَّ الوَفَاءَ لِلْأَمَاكِنِ الَّتِي أَسَرَتِ القَلْبَ يَظَلُّ مَرْفُوعَ الرَّأْسِ.


ليست هناك تعليقات:
حتى تصبح عضوا في الموسوعة المدرسية انزل إلى أسفل الصفحة