بما أنّ الحقوق المعنوية مصونة لأصحابها، ولا يجوز الاعتداء عليها، فإنّ القائمين على هذا الموقع يوضحون لزوارنا الكرام أنّ المواضيع التي في موقعنا هي ملك لكل من ينتفع بها من معلمين وأساتذة ومربين وتلاميذ وغيرهم. ولهم الاستفادة منها كيف ما شاؤوا ما دامت لحاجتهم الشخصية ولطلب العلم ولا يحق لهم بأي حال من الأحوال نقلها إلى منتديات أو مواقع أخرى.

ولقد لاحظنا وجود من يتعب نفسه كثيرا في نقل كل ما في موقعنا لمنتدى آخر ودون ذكر المصدر، وكان من الأفضل بدلا من نقل النص أن يضع رابط المقال الأصلي لو كان حقا يريد أن تعم الفائدة على غيره، ولو كان يعلم أن النقل لا ينفع، وأن محركّات البحث لا تضع المواضيع المنقولة في المراتب الأولى، لفهم أن فعله يضر ولا ينفع. وليعلم من يقوم بهذا الفعل أنه من لم يشكر الناس لم يشكر الله. وأقل شكر يقدم للقائمين على موقعنا هو حماية حقوق ما ينشرونه.
هدى الله الجميع.


الحرب العالمية الثانية - أسباب الحرب العالمية الثانية


 أسباب الحرب العالمية الثانية 

كانت الحرب العالمية الثانية نتيجة أزمة أوروبية عامة ظهرت بوادرها في العلاقات الدولية التي سادها منذ الثلاثينات توتر مطرد تضارب مع فترة الانفراج السابقة (192/1929). فجاءت الأزمة العالمية (1929) لتفكك العلاقات الدولية إثر اختلال الاقتصاد العالمي الذي تميّز بتدعيم القومية الاقتصادية وباحتداد التناقض بين مجموعة دول غنية (الولايات المتحدة، وإنقلترا وفرنسا) و"دول فقيرة" (اليابان، ألمانيا وإيطاليا).

انتهجت هذه "الدول الفقيرة" سياسة توسعية في الشرق الأقصى (اليابان) وافريقيا (إيطاليا) وأوربا (ألمانيا) بحثا عن ضمان "المجال الحيوي" لسكانها واقتصادها. وقد اقترنت هذه السياسة بضعف وتراجع الديمقراطيات الغربية، لتهدّد السلم العالمية خاصة بعد أن عجزت عصبة الأمم عن ضمان الأمن الجماعي. لقد هيأت هذه العوامل تدعيم الأنظمة الدكتاتورية التي لعبت دورا رئيسيا في تصعيد التوتر الأوروبي منذ 1938، حيث استغلّت النزعة السليمة للديمقراطيات لافتعال الأزمات كي تحقق رغباتها الإقليمية. وهكذا تمكنت ألمانيا من خرق معاهدة فرساي والتوسع على حساب النمسا وتشيكسلوفاكيا. وعندما أدركت الديمقراطيات خطر التوسع الألماني سارعت للتسلح والتحالف لمجابهة الوضع. 

I- تأثير الأزمة الاقتصادية العالمية:
فكّكت الأزمة العالمية هيكل الإقتصاد الرأسمالي فتأزمت العلاقات الدولية وفشلت سياسة "الأمن الجماعي" بعد أن انشغلت كل دولة بإيجاد الحلول لمشاكلها الداخلية. 

1) مضاعفات معاهدة فرساي:
لم تقم سلم 1919 على أسس مركزة تضمن لها الدوام حيث فرضت معاهدات الصلح على الدول المنهزمة التي وقعتها مرغمة. وقد كانت معاهدة فرساي قاسية ومجحفة بعثت في نفوس الألمان شعورا عميقا بالإهانة تولّدت عنها عزيمة راسخة على تحطيم القيود التي فرضت عليهم. كما خلفت معاهدة فرساي مشكلة القوميات بوجود أقليات ألمانية في بولونيا وتشيكوسلوفاكيا. ولقد استطاع الحزب النازي الذي تكوّن في هذه الظروف أن يستغل ضعف سلم 1919 ليغذي بها حملاته مستهدفا نقض محتوى المعاهدات. لقد وجد الحلفاء صعوبة في تطبيق معاهدة فرساي وخاصة التعويضات. وقّدرت التعويضات سنة 1921 ب 132 مليار مارك تتحصل منها فرنسا على 52 بالمائة، وإنقلترا على 22 بالمائة. لكن حدّة الأزمة النقدية حالت دون استمرار ألمانيا في الدفع، فانتهزت فرنسا الفرصة لاحتلال منطقة الروهر الصناعية، رغم معارضة إنقلترا (جانفي 1923). وقد وقع تجاوز الأزمة بظهور مخطط الأمريكي دايفس (DAWES) سنة 1924 الذي ضبط قوانين جديدة الدفع طيلة خمس سنوات، تعهد فيها الحلفاء بمساندة ألمانيا ماليا لفض أزمتها النقدية. فجلت بذلك القوات الفرنسية عن منطقة الروهر. وفي سنة 1929 حدّد مخطط يونغ (YOUNG) نهائيا مبلغ التعويضات ب 39 مليار مارك. لكن ألمانيا عجزت عن التسديد نتيجة للأزمة الاقتصادية العالمية، فوضعت ندوة لوزان (16 جوان 9 جويلية 1932) حدا لهذه الدفوعات، لذلك عدل الحلفاء (فرنسا، إنقلترا، اليونان وبلجيكا) عن دفع ديون الحرب لصالح الولايات المتحدة. 

2) اختلال الاقتصاد العالمي:

أ- استفحال التفاوت الاقتصادي بين الدول الكبرى:
تسبّب تدهور المبادلات التجارية العالمية الناتج عن الأزمة الاقتصادية الكبرى في إبراز تفاوت مطرّد بين دول أصبحت حسب تعبير (موسوليني) غنية في حين بقيت دول أخرى فقيرة. كانت الدول الغنيّة وهي فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية تملك إلى جانب مدخرات كبيرة من العملة الصعبة 80 بالمائة من رصيد الذهب العالمي. فاستطاعت على الرغم من تقلّص صادراتها أن تجتاز الأزمة وتتجاوزها وتضمن لإنتاجها القومي في مستعمراتها أو في البلدان التي بسطت عليها نفوذها الاقتصادي (الولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية) أن تضمن له أسواقا تحميها اتفاقات ثنائية. وكانت ألمانيا وإيطاليا واليابان تعد من بين الدول المعوزة لا تملك ذهبا ولا عملة صعبة إنما أصبحت بعد أن نضبت موراد القرض الأجنبي مشلولة تبحث عن نوع جديد من الاقتصاد يقوم على الاكتفاء الذاتي. (autarcie) وكيف السبيل إلى الاكتفاء الذاتي من ضعف الموارد الطبيعية في هذه الدول ومواصلة التصنيع المرتبط حتما بالتوريد؟ توريد تحتل فيه المواد الخام قرابة نصفه بالنسبة لإيطاليا سنة 19373. وكذلك ألمانيا، أنها على الرغم من جهودها الرامية إلى الاكتفاء لم تستطع أن تستورد أقل من 90 بالمائة من النحاس و65 بالمائة من الحديد الذي تستهلكه. وكانت المنافسة قصد افتتاح أسواق خارجية صعبة وعنيفة تصطدم بحواجز جمركية منيعة أقامتها سنة 1936 أكثر من 40 دولة لمنع المصنوعات اليابانية من الدخول إليها. لمثل هذه الأوضاع كانت الدول الفقيرة تطالب بحقها في اقتناء المواد الخام وامتلاك المستعمرات ومناطق النفوذ الاقتصادي وترى فيه شرطا حيويا لضمان كيانها القومي. ومن هنا يتجلى أيضا أن الاكتفاء الذاتي يؤدي إلى "المجال الحيوي" (Espace vital) وأن الهيمنة الترابية تجر حتما إلى نشوب الحرب.

ب- تطوّر صناعة الأسلحة:
شكّلت صناعة الأسلحة في الدول المصنعة طريقة ناجعة لتجاوز الأزمة الاقتصادية واستيعاب البطالة. ولقد بادرت الكتاتوريات بانتهاج هذه السياسة مركزة تنشيط اقتصادها على استغلال محكم لطاقة إنتاج المصانع الحربية لتوفير وتنويع المعدات العسكرية. شرعت ألمانيا في إعادة تسليحها منذ ارتقاء هتلر للحكم وخاصة بعد فشل ندوة نزع السلاح وإعلان الخدمة العسكرية الإجبارية، وقد تجلى ذلك في تطبيق "المخطط الثاني" الذي اعتمد تعبئة البلاد اقتصاديا للحرب تخصيص اعتمادات هامة للصناعة الحربية على حساب مواد الاستهلاك. وسلك اليابان نفس السياسة منذ 1934 بالقيام بجهد عسكري منظم لتطوير الأسطول البحري متحدّيا بذلك قرارات مؤتمر واشنطن (1922) كما تطلبت السياسة الاستعمارية الإيطالية تدعيم الجيش وخاصة البحرية بتجهيز عصري. وأمام تراكم الأسلحة في هذه الدول، وتصاعد خطر الصدام، سعت فرنسا ثم إنقلترا وأخيرا الولايات المتحدة إلى دعم جيشها بعتاد حربي قوي ورغم تنشيط الصناعة والتخفيف من حدّة الأزمة فإن مجهود التسلح في هذه البلدان كان متأخرا (منذ 1937 في إنقلترا) مما جعل ألمانيا تستغل أسبقيتها في التسلح باعتماد سياسة التحدي.

3) تفكك العلاقات الدولية:
سلكت الدول بعد أزمة 1929 سياسة خارجية خاضعة لمصالحها القومية الضيقة.

أ- انعزال الولايات المتحدة:
دعمت الأزمة الاقتصادية السياسة الانعزالية التي توخّتها الولايات المتحدة سنة 1920. وخاصة بعد رفض فرنسا وإنقلترا تسديد ديون الحرب. فلازمت سياسة الحياد بتحجير بيع الأسلحة للبلدان المتحاربة طبقا للقوانين 1935، 1936 و1937 فساهمت بذلك في عدم توازن القوى لصالح ألمانيا. 

ب- ضعف فرنسا ومسالمة إنقلترا:
اتسمت السياسة الخارجية الفرنسية بالضعف نظرا لحدّة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية فاعتمدت تجاه ألمانيا على سياسة دفاعية تمثلت في إقامة تحصينات على الحدود الشرقية (خط ماجينو Ligne MAGINOT) وارتبطت مواقفها بضرورة معاضدة إنقلترا بينما أولت هذه الأخيرة أهمية فائقة لمشاكلها الاقتصادية. فتوخّت الحكومة المحافظة وخاصة برئاسة شامبرلن سياسة تهدئة محاولة إيجاد حلول سلميّة للأزمات الدولية. فشجّع موقف الدولتين، هتلر على المزيد من التحدي. 

ج- إرساء النظام النازي في ألمانيا:
تفاقمت المشاكل الاقتصادية والاجتماعية في ألمانيا بداية من سنة 1931، وعجزت جمهورية وايمار عن مجابهتها بينما دعّم الحزب النازي صفوفه فتسلّم هتلر الحكم في هذه الظروف ثم شرع في تنفيذ برنامجه الوارد في كتاب "كفاحي" (Mein KAMPF) كمراجعة معاهدة فرساي وضمان "المجال الحيوي" لألمانيا. فكانت سياسته منطلقا لمختلف الأزمات التي أفضت بأوروبا والعالم إلى حرب ثانية. 

II- إخفاق سياسة الأمن الجماعي:
استغلّت الأنظمة الدكتاتورية ضعف عصبة الأمم، وتراجع الديمقراطيات لخرق المعاهدات وانتهاك حرمة الدول المستقلة. 

1) عجز عصبة الأمم:
تعدّدت منذ 1932 الأزمات التي أكّدت قصور عصبة الأمم عن معالجة المشاكل الدولية. 

أ- قضية نزع السلاح:
نص ميثاق عصبة الأمم على تحديد عام للسلاح، فانعقد منذ فيفري 1931 بجنيف مؤتمر لهذه الغاية، بمشاركة ألمانيا وهي عضو في المنظمة منذ 1926. غير أن تضارب مواقف فرنسا وألمانيا في مساواتهما الفورية في ميدان التسليح أدى بألمانيا إلى مقاطعة المؤتمر ثم الانسحاب من عصبة الأمم (أكتوبر 1933) والشروع في إعادة تسليح البلاد.

ب- انتهاك حرمة الصين:
 نتج عن الضغط الديموغرافي في اليابان (54 مليون نسمة سنة 1914، و70 مليون نسمة سنة 1938) ومتطلبات نمو اقتصادها المصنع، وإقامة الحواجز الجمركية عبر العالم. توخّى اليابان سياسة توسعية باحتلال منشوريا (سبتمبر 1931) معللة ذلك بحماية الخط الحديدي التابع لها. تقدمت الصين إثر ذلك بشكوى للمنظمة الأممية التي طالبت اليابان بالانسحاب دون تسليط عقوبات عليها. فأعلنت اليابان انفصال منشوريا عن الصين في مارس 1933. فكان هذا الموقف أول ضربة توجه للأمن الجماعي والنفوذ المعنوي للمنظمة. 

ج- الغزو الإيطالي لأثيوبيا:
عزم موسوليني على احتلال اثيوبيا وهي عضو في عصبة الأمم لتدعيم الاستعمار الإيطالي في منطقة القرن الإفريقيي. وبالرغم من معارضة إنقلترا الشديدة، صيانة لمصالحها في مصر والسودان، فقد فوجئت الجيوش الايطالية على التراب الاثيوبي (أكتوبر 1935). فرفعت أثيوبيا شكوى لعصبة الأمم التي أدانت إيطاليا واتخذت ضدها عقوبات اقتصادية منقوصة لم تمنعها من إنهاء احتلال البلاد في ماي 1936. ثم رفعت العقوبات في جويلية 1936 ونتج عن الأزمة ابتعاد إيطاليا عن فرنسا وإنقلترا واقترابها من ألمانيا التي ساندتها في هذه القضيّة.

2) بداية تراجع الديمقراطيات: 

أ- احتلال رينانيا (RHENANIE):
اعتبر هتلر اتفاق التعاون المتبادل بين فرنسا والاتحاد السوفياتي الحاصل في ماي 1935. ومصادقة البرلمان الفرنسي عليه عملا عدائيا برّر به احتلال منطقة رينانيا في مارس 1936. أمام هذا الوضع اكتفت فرنسا باحتجاج شفوي وعرض القضية على عصبة الأمم لأنها كانت منشغلة بإعداد الانتخابات التشريعية ولم تلق مساندة من إنقلترا. ففرّطت الديمقراطيات بذلك في فرصة سانحة تمكّنها من وضع حد لنقض المعاهدات من طرف ألمانيا.

ب- الحرب الأهلية الإسبانية:
واجه النظام الجمهوري القائم بإسبانيا منذ 1931، معارضة يمينية شكلها كبار الفلاحين والرأسماليين والضباط الملكيين ورجال الكنيسة. ورغم ذلك أسفرت الانتخابات التشريعية في فيفري 1936 عن فوز الجبهة الشعبية المتكونة من الاشتراكيين والشيوعيين والراديكاليين بمساندة النقابات. فشهدت إسبانيا تمرّدا عسكريا ضد الجمهورية (جويلية 1936) قاده الجنرال فرانكو انطلاقا من شمال المغرب ثم جنوب اسبانيا فاندلعت بذلك حرب أهلية بين الفاشيين والجمهوريين سرعان ما اكتست صبغة دوليّة حيث تواجهت فيها القوى الفاشية والقوى الديمقراطية. وفي حين أن إيطاليا أرسلت 60000 "كميزانيرا" (قميص أسود) وألمانيا عددا كبيرا من الطائرات والدبابات لمناصرة الجنرال فرانكو اكتفت الديمقراطيات (فرنسا والاتحاد السوفياتي) بمد الجمهوريين بعدّة ضعيفة وعدد قليل من متطوّعي "الألوية الدولية". ونتيجة لذلك تدعّمت جبهة الأنظمة الدكتاتورية في أوروبا بانتصار قوات فرانكو سنة 1939.

3) تقارب الأنظمة الفاشية:
التقت ألمانيا وإيطاليا واليابان نتيجة لتشابه أنظمتها "الكلية" وسياستها التوسعّية ومعاداتها للديمقراطيات وعصبة الأمم. 

أ- محور روما – برلين (L’AXE ROME – BERLIN):
بدأ التقارب الألماني الإيطالي منذ أن امتنعت ألمانيا عن تطبيق العقوبات الاقتصادية خلال غزو أثيوبيا. وقد حدث هذا التحول بتفكّك جبهة ستريزا (STRESA) التي ضمّت في أفريل 1935 فرنسا وإنقلترا وإيطاليا وأقرّت معارضة هذه الدول لمراجعة المعاهدات من جانب واحد وقد تدعّم هذا التقارب بمساندة ألمانيا لموسوليني في نواياه التوسعّية في البحر الأبيض المتوسط بينما عدل موسوليني عن مناهضة ضم النمسا من طرف ألمانيا. أعلن موسوليني منذ نوفمبر 1936 عن وجود محور بين روما وبرلين، تأكّد رسميا إثر زيارته لألمانيا (1937) تجسيما للتحالف السياسي بين البلدين. 

ب- التقارب الألماني الياباني (Le Pacte Anti – Komintern):
أدان المؤتمر الشيوعي العالمي المنعقد في سنة 1935 التوسع الياباني في الشرق الأقصى على حساب الصين، ونقض معاهدة فرساي من طرف هتلر، كما أوصى بتكوين جبهات تقليدية للحيلولة دون وصول الأحزاب اليمينية إلى الحكم. فقربت هذه المقررات الدكتاتوريات بتوقيع حلف مضاد للشيوعية العالمية (Pacte Anti –Komintern) بين ألمانيا واليابان في نوفمبر 1936، تدعّم في سنة 1937 بانضمام إيطاليا إليه. على إثر قيام محور روما برلين، وتوقيع الحلف المضاد للشيوعية تمتنت الروابط بين الأنظمة الدكتاتورية داخل كتلة متباينة مع الديمقراطيات.

III- تصاعد التوتّر في أوروبا:
لقد سلكت ألمانيا منذ 1938 بصفة أوضح سياسة الأمر المقضي التي جرّت العالم إلى الحرب. ذلك أن هتلر استغلّ ضعف الديمقراطيات ليعدّد المطالب الإقليمية، مفتعلا بذلك أزمات يفرض على الدول الأخرى حلها لصالح ألمانيا. مما جعل توتّر العلاقات الأوروبية يتصاعد باطّراد. 

1) سياسة الأمر المقضي:
بعد نقض الشروط العسكريّة لمعاهدة فرساي وجد هتلر نفسه مستعدا منذ بداية 1938 لتطبيق سياسته التوسعية في أوروبا الشرقية. فقد استغل ضعف وسلبيّة مواقف الديمقراطيات الغربية أثناء الحرب الأهلية الإسبانية ثم استعادة قوّته العسكرية للتظاهر بالدفاع على الأقليات الألمانية "المضطهدة". لكنه كان يرمي في الحقيقة إلى الحصول على "المجال الحيوي" لصالح ألمانيا. وقد سلك هتلر في هذه السياسة طريقة تعتمد في أول الأمر على تعيين ضحيته. وتبدأ المرحلة العملية بدعم الأحزاب النازية داخل هذه الدولة حتى تجاهر بمعارضتها. فيتدخل هتلر بفرض شروط يطلب تنفيذها تحت التهديد العسكري. ولا يلبث هتلر، عقب تلبية رغبته، أن يعلن عن نواياه السلميّة وعن عدم وجود مطالب أخرى لكنه يفاجئ العالم بافتعال أزمة أخرى. لذلك توالت الأزمات في أوروبا التي أودت بوجود النمسا وتشيكسلوفاكيا فتوترت العلاقات الدولية تدريجيا إلى أن انفجر الوضع في سبتمبر 1939.

2) إدماج النمسا في "الرايخ" (L’ANSCHLUSS):
حاول هتلر ضم النمسا منذ 1934 لكنه اصطدم بإيطاليا الفاشية التي حذرته من احتلال هذه الدولة بحشد قواتها على الحدود النمساوية الإيطالية عقب اغتيال المستشار النمساوي (DOLFUSS). لكن موسوليني انشغل عن النمسا منذ 1935 بتوجيه أطماعه الاستعمارية نحو شرقي افريقيا والبحر الأبيض المتوسط، فأتاح بذلك الفرصة لهتلر كي ينفّذ خطّته في النمسا اعتمادا على النازيين النمساويين. فرض هتلر على المتسشار "شوشنيغ" في فيفري 1938 فأسندت وزارة الداخلية إلى سايس انكار (SEYSS INQUART) زعيم النازيين الذين قاموا بإعداد "الإدماج" من الداخل. أمام هذا الوضع حاول شوشنيغ إنقاذ استقلال البلاد بتنظيم استفتاء. لكن التهديد الألماني، وعدم اعتراض إنقلترا وفرنسا على نوايا هتلر، جعلاه يستقيل لصالح سايس انكار (SEYSS INQUART) وبطلب من هذا الأخير احتلّت الجيوش الألمانية التراب النمساوي فأعلن هتلر إدماج النمسا في "الرايخ" وعزّزه بمصادقة 99 بالمائة من أصوات النمساويين.

3) اضمحلال تشيكوسلوفاكيا:
يختلف وضع النمسا عن تشيكسلوفاكيا التي كانت جمهوريّة ديمقراطية معززة بجيش قوي وصناعة متطورة وحدود غربية محصنة. ولقد اعتمدت سياستها الخارجية على تحالفها مع فرنسا والاتحاد السوفياتي ولكنها أصبحت منذ إدماج النمسا مهددة من طرف ألمانيا التي أحاطت بها من ثلاث جهات. ولقد تدعّم هذا الخطر بعدم انسجام الأقليات المتساكنة فيها ومن أهمها ألمان منطقة السودات التي أصبحت مسرحا للدعاية النازية بواسطة "حزب الألمان بالسودات". وبتشجيع من ألمانيا طالب هذا الحزب حكومة براغ بمنح الحكم الذاتي لهذه المنطقة. وأمام رفض تشيكوسلوفاكيا هذا الطلب، وتهديد هتلر قام الوزير الأول الانقليزي نوفيل شامبرلين بمساع توفيقيّة لإنقاذ السلم بكل الوسائل. لكن الأزمة تطوّرت نحو المأزق حين أعلنت تشيكوسلوفاكيا التعبئة العامة، وقامت فرنسا بتعبئة جزئية. لكن وقع الصدام بانعقاد مؤتمر رباعي في مونيخ (29-30 سبتمبر 1938) جمع هتلر، موسيليني، شامبرلن ودالاديي بدون مشاركة تشيكوسلوفاكيا والاتحاد السوفياتي، وانتهى بتلبية الرغبات الإقليمية لهتلر. لكن الرأي العام الأوروبي انقسم بين مؤيّد للحل ورافض له حيث صرّح تشرشل آنذاك أن شامبرلن "في خياره بين الحرب والإهانة، قد اختار الإهانة ليحصل فيما بعد على الحرب". قضت ألمانيا على ما تبقى من تشيكوسلوفاكيا بتشجيعها للحركة الانفصالية في سلوفاكيا التي أصبحت محمية ألمانية. وتحت التهديد العسكري انتصبت الحماية الألمانية على بوهيميا ومورافيا. وتواصل التوسّع الألماني في أوروبا الشرقية بضم منطقة ميمل (مارس 1939) بينما اكتسحت القوات الإيطالية ألبانيا (أفريل 1939). 

 4) السباق نحو التحالف:
منذ أن وقعت تلبية رغبات هتلر في أوروبا الوسطى، اتجه اهتمامه إلى الممر البولوني حيث طالب بدانتزيغ وتسهيلات للتنقل، لكن بولونيا رفضت هذه المطالب مدعّمة في ذلك بإنقلترا التي تخلّت عن سياستها السلميّة وعقدت العزم على التصدي بالقوة لاعتداءات الدكتاتوريات بعد أن تعهّدت لبولونيا واليونان ورومانيا بمساعدتها ضد كل غزو ألماني. فردّت ألمانيا على ذلك بعقد "الحلف الفولاذي (PACTE D’ACIER) مع إيطاليا (ماي 1939) وبذلك انقسمت أوروبا خلال صائفة 1939 إلى كتلتين تضم الأولى ألمانيا وإيطاليا والثانية فرنسا وإنقلترا. واتجهت المساعي الدبلوماسية نحو كسب تحالف مع الاتحاد السوفياتي نظرا لأهميّته الجغرافية والعسكرية في ميزان القوى. فشرعت فرنسا وإنقلترا في التفاوض معه لكن رفض بولونيا السماح لجيشه بعبور ترابها أوقف المفاوضات. في حين أفضت الاتصالات التي أجرتها ألمانيا معه إلى عقد اتفاقية "عدم الاعتداء" (23 أوت 1939) (PACTE DE NON AGRESSION) لهتلر إبعاد خطر الحرب على جبهتين، ويمكن الاتحاد السوفياتي من استرجاع الأراضي التي فقدها سنة 1918، ومن توجيه الحرب نحو الغرب ومن كسب مهلة نظرا لعدم استعداده لخوض حرب ضد ألمانيا آنذاك. أطلقت هذه المعاهدة لهتلر المجال لمهاجمة بولونيا في حين صمّمت فرنسا وإنقلترا على حمايتها فتحتّم بذلك الصدام. 

‏هناك تعليق واحد :

  1. غير معرف4/4/14 12:52

    Trés Trés Trés Trés MàgnifiQùe j'ai ComprIs Ce Lecon MerCii BeaùCoùùp

    ردحذف