شرح قلق مُمضّ - 7 أساسي - محور الحيّ
شرح نصّ قلق مُمضّ - مرزاق بقطاش - السنة السابعة أساسي - محور الحيّ
النصّ
السَّمَاءُ دَكْنَاءُ وَلَا هَبَّةَ رِيٍحٍ تُحَرِّكُ تِلْكَ الغَيومَ الثِقَالَ التِي تَجَمَّعَتْ
فِي أَرْجَائِهَا وَ«مُرَادُ» لَمْ يَدْرِ مَا يَفْعَلُهُ لِلْتَخَلُّصِ مِنْ مَلَلِهِ، فَالحَيُّ يَكَادُ يَكُونُ
خَالِياً فِي هَذِهِ السَّاعَةِ . مَا العَمَلُ؟ أَيَنْزِلُ نَحْوَ الْمَدِينَةِ؟ وَأَخِيرًا وَجَدَ نَفْسَهُ
يَقْتَرِحُ على صَدِيقَيْهِ «رِزْقِي» وَ«مُحَمَّد» التَّوَجُّهُ إِلَى الدُّكَانِ لِشَرَاءِ حَبَّةٍ مِنَ
الجَوْزِ الهِنْدِي، إِلاَّ أَنَّ «رِزْقِي» أَخْبَرَهُ أَنَّ النُّقُودَ المَوْجُودةَ فِي جَيْبِهِ لَا تَكْفي،
وَاِقْتَرَحَ عَلَيْهِ الْحُصُولَ عَلَى حَبَّةٍ جَوْزِ فِي غَفْلَةٍ مِنْ صَاحِبِ الدُّكَانِ
وَالذَّهَابِ إِلَى الطَّرَفِ الشَّرْقِي مِنَ الحَيِّ لِاقْتِسَامِهَا. وَلَمْ يُحَبِّذْ مُرادُ الفِكْرَةَ
وَلَكِنَّهُ وَجَدَ نَفْسَهُ يُوافِقُ «رِزْقِي» عَلَى ذَلِكَ بِشَرْطِ أَنْ يَقِفَ هُوَ عَنْ بُعْدٍ وَلاَ
يَكُونُ لَهُ ضِلْعٌ فِي العَمَلِيَّةِ، وَوَافَقَ «رِزْقِي» عَلَى ذَلِكَ وَوَعَدَ بِأَنْ يَضْطَلَعَ
بِالمُهِمَّةِ بِمُفْرَدِهِ. وَقَفَ «مُرَادٌ» عَنْ بُعْدٍ يَتَأمِّلُ تَنَقُّلَاتِ صَدِيقِهِ بِالقُرْبِ مِنَ
الدُّكَانِ فَأَصَابَهُ قَلَقٌ مُمِضٌ (1)، فَقَدْ خَشِيَ أَنْ يَنْكَشِفَ أَمْرُ «رِزْقِي»
وَيَنْكَشِفَ بِذَلِكَ أَمْرُهُ هُوَ. أَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ شَرِيكًا فِي مِثْلِ هَذِهِ السَّرقَةِ؟
يَا لَخَيْبَةِ أَمَلَهِ! لَقَدْ صَارَ سَارِقًا. الأَفْضَلُ لَهُ أَلاَّ يَبْلُغَ الْأَمْرُ مَسَامِعَ الْأَطْفَالِ
فِي الحَيِّ لِأَنَّ سُمْعَتَهُ سَتَسُوءُ.
مَا كَانَ رَاضِياً عَنْ نَفْسِهِ، وَكَانَ مِنْ وَاجِبِهِ أَنْ يَمْنَعَ «رِزْقِي» مِنَ القِيَامِ
بِمِثْل هَذا الصَنِيعِ، وَاِنْهَالَتْ عَلَى رَأْسِهِ تَسَاؤُلَاتٌ عَدِيدَةٌ لَمْ يَسْتَطِعْ لَهَا دَفْعًا
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ. إِنَّهُ مَشْهَدٌ كَرِيهٌ حَقًّا وَهْوَ عَلَى حَالَتِهِ تِلْكَ! وَإِذَا بِصَوْتِ
صَاحِبِ الدُكَّانِ يَنْطَلِقُ بِقُوَّةٍ مِنْ أَعْلَى الزُقَاقِ: «سَوْفَ أَقْبِضُ عَلَيْكُمْ... إِنِّي
أَعْرِفُكُمْ وَاحِداً وَاحِدًا !» وَلَمْ يَجِدْ «مُرَاد» بُدًّا مِنَ الهُرُوبِ.
وَتَحَوَّلَ قَلَقُهُ إِلَى قَرَفٍ وَتَمَنَّى لَوْ يَتَوَقَّفُ آنَئِذٍ وَيَعُودُ إِلَى صَاحِبِ الدُكَّانِ
وَيُؤَكِّدُ لَهُ أَنْ لاَ دَخْلَ لَهُ فِي السَّرِقَةِ وَلَكِنْ أَنَّى لَهُ ذَلِكَ؟ إِنَّهُ سَيَكُونُ جَبَانًا
فِي نَظَرِ أَطْفَالِ الحَيِّ إِنْ هُو عَادَ القَهَّقَرَى (2)، إِلاَّ أَنَّهُ وَهْوَ يَجْرِي قَالَ لِنَفْسِهِ:
«مِنَ الْأَفْضَلِ أَنْ أَكُونَ جَبَاناً لاَ سَارقًا» . ولَمْ تَمُرَّ عَلَيْهِ لَحَظَاتٌ حَتَّى كَانَ
يَدْخَلُ الجَانِبَ الشَّرْقِيَّ مِنَ الحَيِّ، إِنَّهُ يَشْعُرُ بِالقَرَفِ يُرِيدُ أَنْ يَتَقَيَّأَ عَمَلِيَةَ
السَّرِقَةِ كُلَّهَا، أَنْ يَنْسَاهَا تَمَاماً وَلَكِنْ كَيْفَ السَبِيلُ إِلَى ذَلِكَ؟ وَبَيْنَمَا كَانَ
«رِزْقِي» يَكْسِرُ حَبَّةَ الجَوْزِ بِحَجَرٍ صَلْدٍ، عَادَ «مُرَاد» يُنْحِي بِاللاَّئِمَة عَلَى نَفْسِهِ
وَيَنْظُرُ إِلَيْهِ نَظْرَةَ اشْمِئْزَازٍ، وَهْوَ يُقْسِمُ فِي أَعْمَاقِهِ أَلاَّ يَتَنَاوَلَ شَيْئاً مِنْهَا.
التقديم:
«قلق مُمضّ» نصّ سرديّ للكاتب الجزائري مرزاق بقطاش، مأخوذ من مجموعته القصصيّة «طيور في الظهيرة»، ويندرج ضمن محور الحيّ.
موضوع النصّ ومحاوره الرئيسة:
يَنتمِي هَذَا النَّصُّ إِلَى أَدَبِ الْقِصَّةِ الْقَصِيرَةِ الْحَدِيثَةِ، وَهُوَ نَصٌّ سَرْدِيٌّ تَوْتَرِيٌّ يُرَكِّزُ عَلَى الْعَالَمِ الدَّاخِلِيِّ لِلشَّخْصِيَّةِ الرَّئِيسَةِ وَمُعَانَاتِهَا النَّفْسِيَّةِ وَالْأَخْلَاقِيَّةِ فِي مُوْقِفٍ حَاسِمٍ.
الفكرة العامة:
يَتَنَاوَلُ النَّصُّ حَادِثَةً سَرِقَةٍ صَغِيرَةً (سَرِقَةُ حَبَّةِ جَوْزٍ) يَقْتَرِفُهَا ثَلَاثَةُ صِبْيَةٍ، وَيَرْكُزُ عَلَى مَا يُعَانِيهِ أَحَدُهُمْ ("مُرَادُ") مِنْ صِرَاعٍ نَفْسِيٍّ وَأَخْلَاقِيٍّ مُرِيبٍ قَبْلَ الْجَرِيمَةِ وَأَثْنَاءَهَا وَبَعْدَهَا، مُصَوِّرًا انْحِدَارَهُ مَعَ صُحْبَتِهِ رَغْمَ نُفُورِهِ، وَتَحَوُّلَ مَشَاعِرِهِ مِنَ الْقَلَقِ إِلَى النَّدَمِ وَالْقَرَفِ وَالْعَزْمِ عَلَى تَصْحِيحِ مَوْقِفِهِ.
المحاور الرئيسة:
- مَحْوَرُ الْبِيئَةِ وَالْحَالَةِ النَّفْسِيَّةِ:
الموضوع: تَأْثِيرُ الْبِيئَةِ الْخَارِجِيَّةِ وَالضَّغْطِ الْجَمَاعِيِّ عَلَى اتِّخَاذِ الْقَرَارِ.
التفاصيل الرئيسة:
- وَصْفُ الْأَجْوَاءِ: "السَّمَاءُ دَكْنَاءُ... وَلَا هَبَّةَ رِيحٍ... الْحَيُّ يَكَادُ يَكُونُ خَالِيًا"، وَهِيَ أَجْوَاءٌ مُكْتَئِبَةٌ وَخَانِقَةٌ تُعْكِسُ الْحَالَةَ الدَّاخِلِيَّةَ لِلصَّبِيِّ وَتُهَيِّئُ لِلْفِعْلِ الْمُنْحَرِفِ.
- ضَغْطُ الرَّفَاقِ: اِقْتِرَاحُ "رِزْقِي" لِعَمَلِيَّةِ السَّرِقَةِ وَمُوَافَقَةُ "مُرَادَ" رَغْمَ عَدَمِ رِضَاهُ ("وَلَمْ يُحَبِّذْ... وَلَكِنَّهُ وَجَدَ نَفْسَهُ يُوَافِقُ")؛ وَهَذَا يُجَسِّدُ ضَعْفَ الإِرَادَةِ وَالْخَوْفَ مِنْ رَفْضِ الْجَمَاعَةِ.
- مَحْوَرُ الصِّرَاعِ الدَّاخِلِيِّ (الرِّوايَةُ الْمُسْتَتِرَةُ):
الموضوع: الْمُعَانَاةُ النَّفْسِيَّةُ لِبَطَلِ النَّصِّ "مُرَادَ".
التفاصيل الرئيسة:
- الْقَلَقُ الْمُبَكِّرُ: "أَصَابَهُ قَلَقٌ مُمِضٌّ" خَوْفًا مِنَ الْاِنْكِشَافِ.
- الصِّدَامَةُ وَالْوَعْيُ بِالْذَّنْبِ: "يَا لَخَيْبَةِ أَمَلِهِ! لَقَدْ صَارَ سَارِقًا." "مَا كَانَ رَاضِيًا عَنْ نَفْسِهِ."
- التَّأَرْجُحُ بَيْنَ الْقِيَمِ وَالصُّورَةِ: تَنَاقُضُهُ بَيْنَ الرَّغْبَةِ فِي إِصْلَاحِ الْخَطَأِ وَالْخَوْفِ مِنْ أَنْ يُوصَفَ بِالْجُبْنِ ("إِنَّهُ سَيَكُونُ جَبَانًا فِي نَظَرِ أَطْفَالِ الْحَيِّ").
- التَّرَجِيحُ الْأَخْلَاقِيُّ النِّهَائِيُّ: "مِنَ الْأَفْضَلِ أَنْ أَكُونَ جَبَانًا لَا سَارِقًا." (نُقْطَةُ الْتِفَاتٍ حَاسِمَةٌ).
- مَشَاعِرُ الاشْمِئْزَازِ وَالْقَرَفِ: "إِنَّهُ يَشْعُرُ بِالْقَرَفِ يُرِيدُ أَنْ يَتَقَيَّأَ عَمَلِيَّةَ السَّرِقَةِ كُلَّهَا."
- مَحْوَرُ التَّطَوُّرِ الْحَدَثِيِّ وَالنَّفْسِيِّ:
الموضوع: سُلَّمُ الْحَدَثِ وَمُرَافَقَتُهُ لِسُلَّمِ الْمَشَاعِرِ.
التفاصيل الرئيسة:
- الْإِحْسَاسُ بِالْمَلَلِ وَالْفَرَاغِ --> اِقْتِرَاحُ مُغَامَرَةٍ.
- الْمُوَافَقَةُ بِتَرَدُّدٍ وَشَرْطٍ (الْوُقُوفُ عَنْ بُعْدٍ).
- الْمُرَاقَبَةُ وَالقَلَقُ.
- الْكِشْفُ وَالْهَرَبُ (صَوْتُ صَاحِبِ الدُّكَّانِ).
- النَّدَمُ وَالقَرَفُ وَالرَّغْبَةُ فِي الْعَوْدَةِ وَالتَّبَرُّؤِ.
- الْعَزْمُ عَلَى الْتِزَامِ مَوْقِفٍ أَخْلَاقِيٍّ (عَدَمُ الْأَكْلِ، نَظَرَةُ الِاشْمِئْزَازِ).
- مَحْوَرُ الْقِيَمِ وَالرُّؤْيَةِ الْأَخْلَاقِيَّةِ:
الموضوع: الصِّرَاعُ بَيْنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فِي نَفْسِ الصَّبِيِّ، وَانْتِصَارُ الْوَعْيِ الْأَخْلَاقِيِّ فِي النِّهَايَةِ.
التفاصيل الرئيسة:
- تَصْوِيرُ سُهُولَةِ الانْجِرَافِ مَعَ الرَّفَاقِ السَّيِّئِينَ.
- تَجْسِيدُ ثِقَلِ الْوَزْرِ الْأَخْلَاقِيِّ حَتَّى فِي جَرِيمَةٍ صَغِيرَةٍ.
- إِبْرَازُ أَهَمِّيَّةِ الْوَعْيِ الذَّاتِيِّ وَالنَّدَمِ كَخُطْوَةٍ أُولَى نَحْوَ الْإِصْلَاحِ.
- الرِّسَالَةُ الضِّمْنِيَّةُ: الْجُبْنُ الْأَخْلَاقِيُّ (الْخَوْفُ مِنَ الْجَمَاعَةِ) أَقْبَحُ مِنَ الْجُبْنِ الظَّاهِرِيِّ.
الإجابة عن الأسئلة:
1 - قَسِّمْ النَصَّ بِحَسَبِ التّحَوُّلِ الحَاصِلِ فِي مَشَاعِرِ (مُرَاد) (من الشُّعُورِ بِالفَرَاغِ إِلَى القَلَقِ إِلَى الرَّفْضِ).
1- الوحدات حسب معيار التحوّل الحاصل في مشاعر (مراد):
* الْوَحْدَةُ الْأُولَى (الشُّعُورُ بِالْفَرَاغِ وَالدُّخُولُ فِي الْمُغَامَرَةِ): تَبْدَأُ مِنْ بِدَايَةِ النَصِّ وَتَنْتَهِي عِنْدَ: "...وَوَعَدَ بِأَنْ يَضْطَلَعَ بِالْمُهِمَّةِ بِمُفْرَدِهِ."
- تَمْهيدٌ لِلْحَالَةِ النَّفْسِيَّةِ: الشُّعُورُ بِالْمَلَلِ وَفَرَاغِ الْوَقْتِ فِي بِيئَةٍ خَانِقَةٍ.
- الْقَرَارُ: مُوَافَقَةُ مُرَادَ عَلَى فِكْرَةِ السَّرِقَةِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مُرَاقِبًا.
* الْوَحْدَةُ الثَّانِيَةُ (شُعُورُ الْقَلَقِ الْمُمِضِّ وَالوَعْيُ بِالْذَّنْبِ): تَبْدَأُ مِنْ: "وَقَفَ مُرَادٌ عَنْ بُعْدٍ..." وَتَنْتَهِي عِنْدَ: "...وَلَمْ يَجِدْ مُرَادٌ بُدًّا مِنَ الْهُرُوبِ."
- ذُرْوَةُ الْقَلَقِ: مُشَاهَدَةُ تَنَقُّلَاتِ صَدِيقِهِ، الْخَوْفُ مِنَ الْانْكِشَافِ، الصَّدْمَةُ وَالْوَعْيُ بِأَنَّهُ صَارَ سَارِقًا، وَسُقُوطُ سُمْعَتِهِ.
- التَّحَوُّلُ الْحَاسِمُ: النَّدَمُ وَالْإِحْسَاسُ بِالْخِزْيِ، وَالرَّغْبَةُ فِي مَنْعِ صَدِيقِهِ لَوْلَا فَوَاتُ الْأَوَانِ.
* الْوَحْدَةُ الثَّالِثَةُ (شُعُورُ الرَّفْضِ وَالْقَرَفِ وَاتِّخَاذُ الْمَوْقِفِ): تَبْدَأُ مِنْ: "وَتَحَوَّلَ قَلَقُهُ إِلَى قَرَفٍ..." وَتَنْتَهِي عِنْدَ نِهَايَةِ النَّصِّ.
- التَّحَوُّلُ النِّهَائِيُّ: تَمَنِّي الْعَوْدَةِ وَالتَّبَرُّؤِ، مُقَارَنَةُ الْجُبْنِ بِالسَّرِقَةِ، الْهَرَبُ وَالشُّعُورُ بِالْقَرَفِ الْجَسَدِيِّ.
-الْمَوْقِفُ الْأَخْلَاقِيُّ الْفِعْلِيُّ: نَظَرَةُ الِاشْمِئْزَازِ وَالْعَزْمُ عَلَى عَدَمِ تَنَاوُلِ شَيْءٍ مِنَ الْجَوْزِ.
2- مَا العَوَامِلُ التٍي سَاعَدتِ الأَطْفَالَ عَلَى ارْتِكَابِ فِعْلَتِهِمْ؟ وَمَا رَأْيُكَ فِي ذَلِكَ؟
* الْعَوَامِلُ:
- الْفَرَاغُ وَعَدَمُ وُجُودِ نَشَاطٍ: الْأَجْوَاءُ الْخَانِقَةُ، خُلُوُّ الْحَيِّ مِنَ النَّاسِ، وَعَدَمُ وَجُودِ مَا يُشْغِلُهُمْ.
- ضَعْفُ الرَّقَابَةِ الْأُسْرِيَّةِ وَالْمُجْتَمَعِيَّةِ: غِيَابُ الْكِبَارِ وَالرِّقَابَةِ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ.
- ضَغْطُ الرَّفَاقِ وَالرَّغْبَةُ فِي الاسْتِحْسَانِ: اِقْتِرَاحُ "رِزْقِي" الْجَرِيءِ وَمُوَافَقَةُ الْآخَرِ بِسُرْعَةٍ، فَخَافَ "مُرَادُ" أَنْ يَظْهَرَ بِمَظْهَرِ الْجَبَانِ أَوْ الْمُمَالِحِ.
- صِغَرُ قِيمَةِ الْمَسْروقِ: حَبَّةُ جَوْزٍ قَدْ تَبْدُو كَشَيْءٍ تَافِهٍ لَا يُعْتَبَرُ سَرِقَةً فِي نَظَرِهِمْ، فَتَهُونُ عِنْدَهُمْ جَدِّيَّةُ الْفِعْلِ.
- ضَعْفُ الْإِرَادَةِ وَعَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى الرَّفْضِ: "وَجَدَ نَفْسَهُ يُوَافِقُ" – هَذِهِ الْعِبَارَةُ تَكْشِفُ عَنْ عَجْزِهِ عَنِ الْمُقَاوَمَةِ.
* رَأْيِي: هَذِهِ الْعَوَامِلُ مَأْلُوفَةٌ وَوَاقِعِيَّةٌ جِدًّا فِي سِيَاقِ طُفُولَةِ الْكَثِيرِينَ. فَالْفَرَاغُ وَضَغْطُ الرَّفَاقِ هُمَا أَقْوَى مُغْرِيَاتِ الانْحِرَافِ عِنْدَ الصِّغَارِ. الْأَمْرُ الْمُهِمُّ لَيْسَ فِي تَبَرِيرِ الْفِعْلِ، بَلْ فِي فَهْمِ آلِيَّةِ حُدُوثِهِ لِمُعَالَجَتِهَا. الْعَوَامِلُ تَظْهَرُ كَـ "ذَرَائِعَ" قَدْ يُقَنِّنُ بِهَا الصَّبِيُّ لِنَفْسِهِ فِعْلَتَهُ لِيُخَفِّفَ مِنْ وِزْرِهَا، لَكِنَّهَا لَا تُلْغِي مَسْؤُولِيَّتَهُ الْأَخْلَاقِيَّةَ. يَجِبُ تَوْعِيَةُ الْأَطْفَالِ بِخُطُورَةِ بَدَايَاتِ الْأَفْعَالِ، وَأَنَّ الْفِعْلَ الْقَبِيحَ يَبْقَى قَبِيحًا وَإِنْ صَغُرَ حَجْمُهُ.
3- مَا مَظَاهِرُ القَلَقِ الْمُمِضِّ الذِي اِنْتَابَ مُرَادًا فِي الوِحْدَةِ الثَّانِيَةِ؟ وَكَيْفَ عَبَّرَ عَنْهَا السَّارِدُ؟
* مَظَاهِرُ الْقَلَقِ:
- الْخَوْفُ الْمَادِيُّ مِنَ الْانْكِشَافِ: "فَقَدْ خَشِيَ أَنْ يَنْكَشِفَ أَمْرُ رِزْقِي وَيَنْكَشِفَ بِذَلِكَ أَمْرُهُ هُوَ."
- الصَّدْمَةُ الْمَعْنَوِيَّةُ وَوَعْيُهُ بِالْهُوِيَّةِ الْجَدِيدَةِ (السَّارِق): "يَا لَخَيْبَةِ أَمَلِهِ! لَقَدْ صَارَ سَارِقًا." – هَذِهِ صَيْحَةُ ضَمِيرٍ.
- الْخَوْفُ عَلَى السُّمْعَةِ وَالْمَكَانَةِ الْاجْتِمَاعِيَّةِ: "لِأَنَّ سُمْعَتَهُ سَتَسُوءُ."
- اللَّوْمُ الذَّاتِيُّ وَالْإِحْسَاسُ بِالْخِذْلَانِ: "مَا كَانَ رَاضِيًا عَنْ نَفْسِهِ، وَكَانَ مِنْ وَاجِبِهِ أَنْ يَمْنَعَ..."
- وُقُوعُهُ فِي شَرَكِ التَّسَاؤُلَاتِ الْمُرْبِكَةِ: "وَانْهَالَتْ عَلَى رَأْسِهِ تَسَاؤُلَاتٌ عَدِيدَةٌ لَمْ يَسْتَطِعْ لَهَا دَفْعًا."
* كَيْفِيَّةُ التَّعْبِيرِ عَنْهَا:
عَبَّرَ السَّارِدُ عَنْهَا بِمُزَاوَجَةٍ بَيْنَ:
- الرِّوَايَةِ بِالضَّمِيرِ الْغَائِبِ الْعَارِفِ: لِيَتَوَغَّلَ فِي عَقْلِ "مُرَادَ" وَيُنْقِلَ لَنَا أَفْكَارَهُ دُونَ وَاسِطَةٍ.
- الْأَسْلُوبِ الِاسْتِفْهَامِيِّ (الْحِوَارِ الدَّاخِلِيِّ): "أَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ شَرِيكًا فِي مِثْلِ هَذِهِ السَّرْقَةِ؟" – وَهَذِهِ أَسْئِلَةٌ تُجَسِّدُ حَيْرَتَهُ.
- الصِّيَغِ الْإِنْشَائِيَّةِ الْحَانِقَةِ: "يَا لَخَيْبَةِ أَمَلِهِ!"
- وَصْفِ الْحَالَةِ الْمُبَاشِرِ: "إِنَّهُ مَشْهَدٌ كَرِيهٌ حَقًّا."
4- رَبَطَ السَّارِدُ فِي الوِحْدَةِ الثَّانِيَةِ حَالَةَ مُرَادِ النَّفْسِيَّةَ بِحَالَتِهِ الْجَسَدِيَّةِ، بَيِّنْ مَظَاهِرَ هَذَا الرَّبْطِ.
لَقَدْ رَبَطَ السَّارِدُ بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ بِطَرِيقَةٍ وَثِيقَةٍ لِيُؤَكِّدَ شِدَّةَ تَأَثُّرِهِ:
* فَقَدْ رَبَطَ الْقَلَقَ بِالْوُقُوفِ وَالْمُرَاقَبَةِ:
- الْحَالَةُ النَّفْسِيَّةُ: الْقَلَقُ وَالْخَوْفُ.
- التَّجَسِيدُ الْجَسَدِيُّ: "وَقَفَ مُرَادٌ عَنْ بُعْدٍ يَتَأَمَّلُ تَنَقُّلَاتِ صَدِيقِهِ..." – فَالْقَلَقُ جَمَّدَهُ فِي مَكَانِهِ جَسَدِيًّا.
* وَرَبَطَ النَّدَمَ وَالْقَرَفَ بِالرَّغْبَةِ فِي التَّقَيُّؤِ (وَهُوَ مَجَازٌ جَسَدِيٌّ قَوِيٌّ):
- الْحَالَةُ النَّفْسِيَّةُ: الْقَرَفُ وَالاشْمِئْزَازُ مِنْ ذَنْبِهِ.
- التَّجَسِيدُ الْجَسَدِيُّ: "إِنَّهُ يَشْعُرُ بِالْقَرَفِ يُرِيدُ أَنْ يَتَقَيَّأَ عَمَلِيَّةَ السَّرْقَةِ كُلَّهَا." – فَهُوَ يُحَوِّلُ الْمَشَاعِرَ الْمَعْنَوِيَّةَ الْبَشِعَةَ إِلَى رَدَّةِ فِعْلٍ جَسَدِيَّةٍ (التَّقَيُّؤُ) كَتَعْبِيرٍ أَقْصَى عَنِ الرَّفْضِ.
* وَرَبَطَ الْخَوْفَ وَالْذُعْرَ مِنَ الْكَشْفِ وَالْعُقُوبَةِ بِالْهَرَبِ:
- الْحَالَةُ النَّفْسِيَّةُ: الْخَوْفُ الشَّدِيدُ، وَالْذُّعْرُ مِنْ لَحْظَةِ الْكَشْفِ وَالْوُقُوعِ فِي يَدِ صَاحِبِ الدُكَانِ، وَمِنَ الفَضِيحَةِ وَالْعُقُوبَةِ الْمَحْتَمَلَةِ.
- التَّجَسِيدُ الْجَسَدِيُّ (رَدُّ الْفِعْلِ الْفِطْرِيُّ): "وَلَمْ يَجِدْ مُرَادٌ بُدًّا مِنَ الْهُرُوبِ." – فَالْهَرَبُ هُنَا هُوَ تَجَسِيدٌ جَسَدِيٌّ فَوْرِيٌّ لِلْخَوْفِ وَالرَّغْبَةِ فِي النَّجَاةِ مِنْ مَوْقِفٍ مُرْعِبٍ، بَعْدَ أَنْ أَصْبَحَ الْخَطَرُ حَقِيقِيًّا وَصَوْتُ الْتَهْدِيدِ قَدْ سُمِعَ.
5- وَجَدَ «مُرَادٌ» نَفْسَهُ مُمَزَقًا بَيْنَ رَفْضِهِ اخْتِطَافَ حَبَّةَ الْجَوْزِ وَخَوْفِهِ مِنْ أَنْ يَتَّهِمَهُ رِفَاقُ الحَيِّ بِالْجُبْنِ، مَا رَأَيُكَ؟
رَأْيِي أَنَّ الْحَلَّ الَّذِي اخْتَارَهُ "مِنَ الْأَفْضَلِ أَنْ أَكُونَ جَبَانًا لَا سَارِقًا" هُوَ:
- حَلٌّ حَكِيمٌ وَأَخْلَاقِيٌّ فِي الْجَوْهَرِ: فَقَدْ قَامَ بِـ "مُوَازَنَةِ الْقِيَمِ"، وَوَضَعَ الْأُمُورَ فِي مِيزَانِهَا الصَّحِيحِ. فَصُورَةُ الْجَبَانِ عِنْدَ الْأَطْفَالِ مُؤَقَّتَةٌ وَقَابِلَةٌ لِلتَّغَيُّرِ، أَمَّا وَصْمَةُ السَّارِقِ فَقَدْ تَلْحَقُ بِسُمْعَتِهِ إِلَى الْأَبَدِ وَتُؤَثِّرُ فِي نَظْرَتِهِ لِنَفْسِهِ.
- حَلٌّ عَمَلِيٌّ وَإِيجَابِيٌّ: لَقَدْ تَرْجَمَ هَذَا الْقَرَارَ إِلَى فِعْلٍ مَادِّيٍّ، وَهُوَ: الْعَزْمُ عَلَى عَدَمِ تَنَاوُلِ شَيْءٍ مِنَ الْجَوْزِ وَإِبْدَاءُ نَظْرَةِ الِاشْمِئْزَازِ. هَذَا يُعَدُّ تَصَرُّفًا شُجَاعًا فِي حَدِّ ذَاتِهِ، حَيْثُ أَخَذَ مَوْقِفًا مُخْتَلِفًا عَنِ الْجَمَاعَةِ وَرَأْسَ مَالِهِ فِيهِ سُمْعَتُهُ.
-نَقْصُ الْحَلِّ: الْحَلُّ كَانَ بَعْدَ فَوَاتِ الْأَوَانِ، وّلَوْ تَجَاسَرَ وَرَفَضَ مُنْذُ الْبِدَايَةِ لكَانَ أَفَضَل. لَكِنْ فِي سِيَاقِ الْحَدَثِ، يَظَلُّ هَذَا الْقَرَارُ خُطْوَةً كُبْرَى نَحْوَ تَصْحِيحِ الْمَسَارِ وَإِصْلَاحِ الذَّاتِ، وَهُوَ يُؤَسِّسُ لِمَبْدَأٍ مُهِمٍّ: أَنْ الْعَوْدَةَ عَنِ الْخَطَأِ، وَإِنْ أَتَتْ مُتْأَخِّرَةً، خَيْرٌ مِنَ الِاسْتِمْرَارِ فِيهِ.
6- حَوِّلْ كَلاَمَ الرَّاوِي فِي الفَقْرَةِ «أَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ شَريكًا... لَمْ يَسْتَطِعْ لَهَا دَفْعًا فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ» إِلَى حِوَارٍ بَاطِنِيٍّ يُنْجِزُهُ «مُرَادٌ» وَغَيِّرْ مَا يَجِبُ تَغْيِيرُهُ.
(وَهُوَ وَاقِفٌ يَنْظُرُ إِلَى صَدِيقِهِ يَتَحَرَّكُ نَحْوَ الدُّكَّانِ)
مُرَادٌ (فِي سِرِّهِ): أَيُمْكِنُ أَنْ أَكُونَ أَنَا شَرِيكًا فِي مِثْلِ هَذِهِ السَّرْقَةِ؟!
(يَشْعُرُ بِصَدْمَةٍ مُفَاجِئَةٍ)
يَا لَلْعَارِ! يَا لَخَيْبَةِ الْأَمَلِ! ... أَنَا الْآنَ... سَارِقٌ.
(يَتَصَوَّرُ مَا سَيَحْدُثُ)
لَا... لَا بُدَّ أَنْ يَظَلَّ هَذَا الْأَمْرُ سِرًّا. الْأَطْفَالُ فِي الْحَيِّ لَا يَجِبُ أَنْ يَعْرِفُوا. سُمْعَتِي... سَتُصْبِحُ رَدِيئَةً!
(يَلُومُ نَفْسَهُ بِأَسَفٍ)
لَكِنَّنِي لَسْتُ رَاضِيًا عَنْ نَفْسِي أَبَدًا. كَانَ يَنْبَغِي أَنْ أَمْنَعَ "رِزْقِي" مِنَ الْقِيَامِ بِهَذَا! كَانَ هَذَا وَاجِبِي.
(تَتَهَافَتُ عَلَيْهِ الْأَسْئِلَةُ)
لِمَاذَا وَافَقْتُ؟ لِمَاذَا لَمْ أَقُلْ لَا؟ مَاذَا سَيَحْدُثُ إِذَا اُنْكِشِفَ الْأَمْرُ؟ يَا إِلَهِي... مَا هَذَا الْمَشْهَدُ الْبَشِعُ الَّذِي أَقْعُدُ فِيهِ!
القيمة التعليميّة / الأدبيّة:
يُقَدِّمُ النَّصُّ نَمُوذَجًا حَيًّا لِـ:
- الْقِصَّةِ النَّفْسِيَّةِ: حَيْثُ تَتَقَدَّمُ الأَحْدَاثُ بِمُوَازَاةِ تَطَوُّرِ مَشَاعِرِ وَأَفْكَارِ الْبَطَلِ.
- تَقْنِيَةِ الرِّوَایَةِ بِالضَّمِيرِ الْغَائِبِ العَارِفِ: فَنَحْنُ نَعِيشُ مَعَ "مُرَادَ" مِنْ دَاخِلِهِ، نَعْرِفُ خَوَافِيَهُ وَأَفْكَارَهُ السِّرِّيَّةَ.
- التَّشْبِيهِ وَالْكِنَايَةِ: (السَّمَاءُ الدَّكْنَاءُ، الرَّغْبَةُ فِي التَّقَيُّؤِ كَمَجَازٍ عَنِ النَّفَاسِ).
- بِنَاءِ التَّوَتُّرِ: بِالْتِقَاءِ الْعَوَامِلِ (فَرَاغُ الْوَقْتِ، غِيَابُ النَّاسِ، اِقْتِرَاحُ الرَّفِيقِ، الْكَشْفُ).
- تَرْبِيَةِ الضَّمِيرِ وَالْوَعْيِ الْأَخْلَاقِيِّ: عَرْضُ عَوَاقِبِ الْأَفْعَالِ وَأَهَمِّيَّةِ الْمُرَاجَعَةِ الذَّاتِيَّةِ حَتَّى بَعْدَ الْوُقُوعِ فِي الْخَطَأِ.
الخلاصة:
النَّصُّ هُوَ تَشْرِيحٌ دَقِيقٌ لِلْلَحْظَةِ الَّتِي يَخْسَرُ فِيهَا الْإِنْسَانُ صَفَاءَ طُفُولَتِهِ. فَمِنْ خِلَالِ حَبَّةِ جَوْزٍ تَتَكَشَّفُ عَالَمٌ مِنَ الْأَسْئِلَةِ الْكُبْرَى عَنِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَالْجُرْأَةِ وَالْجُبْنِ، وَالانْتِمَاءِ إِلَى الْجَمَاعَةِ وَالْوَفَاءِ لِلذَّاتِ. يُصَوِّرُ النَّصُّ بِبَرَاعَةٍ كَيْفَ أَنَّ الْجُرْمَ الْحَقِيقِيَّ لَيْسَ فِي السَّرِقَةِ، بَلْ فِي خِيَانَةِ الْوَاعِي الْأَخْلَاقِيِّ الدَّاخِلِيِّ. رِحْلَةُ "مُرَادَ" مِنَ الْقَلَقِ إِلَى الْقَرَفِ، ثُمَّ إِلَى الْعَزْمِ عَلَى رَفْضِ نَصِيبِهِ مِنَ الْجَوْزِ، هِيَ رِحْلَةُ اِسْتِعَادَةِ الْبُوصَلَةِ الْأَخْلَاقِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي لَحْظَةِ هَرَبٍ.


ليست هناك تعليقات:
حتى تصبح عضوا في الموسوعة المدرسية انزل إلى أسفل الصفحة