شرح نصّ في حيّ الحمزاوي - 7 أساسي - محور الحيّ
شرح نص في حيّ الحمزاوي، محمود تيمور، السنة السابعة أساسي - محور الحيّ
النصّ:
فِي حَيِّ «الْحَمْزَاوِي» كَانَ يَقُومُ اَلْمَنْزِلُ اَلصَّغِيرُ اَلْمُتَوَاضِعُ اَلَّذِي أَمْضَيْتُ فِيهِ عَهْدَ
اَلطُّفُولَةِ وَالشَّبَابِ، وَكَانَ قُبَالَةَ اَلْمَنْزِلِ حَانُوتٌ لِتَجْلِيدِ اَلْكُتُبِ، نَشَأْتُ أَراَهُ فِي شَكْلِهِ اَلْعَتِيقِ.
وَأَذْكُرُ أَنِّي وَأَنَا طِفْلٌ أَرْهَبُ هَذَا اَلْحَانُوتَ أَيَّمَا رَهْبِةٍ، إِذْ كَانَ ظَاهِرُهُ أَقْتَمَ عَلَيْهِ سِيمَاءُ
اَلْعُبُوسِ، وَكَانَ مَدْخَلُهُ حَالِكَ اَلظُّلْمَةِ.
بَيْدَ أَنِّي سَكَنْتُ عَلَى مَرِّ اَلْأَيَّامِ إِلَى مَرْآهُ، وَتَعَرَّفْتُ مَنْ يَعْمَلُ فِيهِ وَهُمَا اِثْنَانِ: رَجُلٌ
وَغُلَامٌ: أَمَّا اَلرَّجُلُ فَهُوَ صَاحِبُ اَلْحَانُوتِ، اِسْمُهُ «مُحَمّد عُوف»، لَهُ قَامَةٌ مَدِيدَةٌ مُمْتَلِئَةٌ،
وَصَدْرٌ عَرِيضٌ مُفَرْطَحٌ، وَذِرَاعَانِ مَفْتُولَانِ، وَوَجْهٌ مُسْتَدِيرٌ مَشْرَبٌ بِحُمْرَةٍ، وَشَارِبٌ فَاحِمٌ
غَزِيرٌ... عَلَى هَذِهِ اَلصِّفَةِ رَأَيْتُهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَظَلَلْتُ أَرَاهُ عَلَيْهَا خِلَالَ اَلْفَتْرَةِ اَلَّتِي قَضَيْتُهَا فِي
اَلْحَيِّ مَعَهُ. وَأَمَّا اَلْغُلَامُ فَاِسْمُهُ «عَبْدُ اَلْعَزِيزِ» وَهُوَ صَبِيُّ صَاحِبِ اَلْحَانُوتِ، وَكَانَ فِي نَحْوِ
اَلْخَامِسَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمُرِهِ، وَلَكِنْ مَنْ يَرَاهُ فِي ضُمُورِهِ وَقِصَرِ قَامَتِهِ يَحْسَبُهُ لَمْ يَبْلُغْ عَامَهُ
اَلْعَاشِرَ. وَكَانَ مُتَطَاوِلَ اَلْوَجْهِ، كَاسِفَ اَللَّوْنِ، ذَاهِلَ اَلْعَيْنِ، مَوْصُولَ اَلصَّمْتِ... إِذَا مَشَى
أَمَامَكَ مِشْيَتَهُ اَلرَاتِبَةِ مَا شَكَكْتَ لَحْظَةً فِي أَنَّهُ دُمِيَّةٌ مِنَ اَلْخَشَبِ تَتَحَرَّكُ بِلَوْلَبٍ... وَقَدْ نَشَأَ
هَذَا اَلْغُلَامُ يَتِيمًا فَاقِدَ الرِّعَايَةِ، فَكَفَلَهُ اَلْمُعَلِّمُ «عُوف» فِي بَيْتِهِ، وَعَلَّمَهُ صِنَاعَةَ اَلتَّجْلِيدِ فِي
حَانُوتِهِ. وَتَمَّ بَيْنِي وَبَيْنَ اَلْغُلَامِ تَعَارُفٌ، إِذْ كَانَ يَجْلِسُ عَلَى دَكَّةٍ خَشَبِيَّةٍ بِجَانِبِ اَلْحَانُوتِ
يَسْتَرِيحُ، فَإِذَا صَادَفْتُهُ كَذَلِكَ فِي أَوَبَتِي عَصْرًا مِنَ اَلْمَدْرَسَةِ، ذَهَبْتُ إِلَيْهِ فَشَارَكْتُهُ مَجْلِسَهُ،
وَجَاذَبْتُهُ اَلْقَوْلَ.
وَلَمَّا اسْتَوْثَقَتِ اَلصَّدَاقَةُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، جَعَلَنَا نَتَهَادَى مُخْتَلفَ اَلْأَشْيَاءِ، أُشْرِكُهُ فِيمَا أَشْتَرِي
مِنْ صُنُوفِ اَلْحَلْوَى أَوْ اَلْمَرَطِّبَاتِ، وَيُقَدِّمُ هُوَ إِلَيَّ بَعْضَ دَفَاتِرَ صَغِيرَةٍ يَصْفِقُهَا بِنَفْسِهِ مِنْ
قُصَاصَاتِ اَلْوَرَقِ اَلَّتِي تَتَجَمَّعُ فِي اَلْحَانُوتِ مِنْ بَقَايَا أَعْمَالِ اَلتَّجْلِيدِ، وَكَثِيرًا مَا كَانَ يَطْبَعُ
اِسْمِي بِمَاءِ الذَّهَبِ عَلَى بَعْضِ كُتُبِي اَلْمَدْرَسِيَّةِ. وَتَزَايَلَ عَنِّي مَا كُنْتُ أُسْتَشْعِرُهُ مِنْ فَزَعٍ
لِهَذَا اَلْحَانُوتِ، فَقَدْ دَخَلْتُهُ أَزُورُ صَدِيقِي فِيهِ أَثْنَاءَ مَغِيبِ مُعَلِّمِهِ عَنْهُ، وَكَانَتِ اَلظُّلْمَةُ لَا
تَنْجَابُ عَنْ أَرْجَائِهِ حَتَّى فِي رَابِعَةِ اَلنَّهَارِ، وَكُنْتُ أَتّخِذُ مَجْلِسِي قَرِيبًا مِنَ اَلْبَابِ عَلَى مَقْعَدٍ
خَشَبِيٍّ أَنْظُرُ إِلَى «عَبْدِ اَلْعَزِيزِ» وَهُوَ يَعْمَلُ، وَأَتَحَدَّثُ إِلَيْهِ فِي اَلْفَيْنَةٍ بَعْدَ اَلْفَيْنَةِ، فَيُبَادِلُنِي
اَلْحَدِيثَ فِي اِخْتِصَارٍ وَاقْتِصَارٍ. وَجَاءَ يَوْمٌ عَرَفْتُ فِيهِ اَلْمُعَلِّمَ «مُحَمَّدَ عَوْفٍ» نَفْسَهُ صَاحِبَ
اَلْحَانُوتِ، وَجَعَلَ يَتَوَلَّى تَجْلِيدَ مَا عِنْدِي مِنْ كُتُبٍ رَوَائِيَّةٍ، وَكَانَ بِالْقَصَصِ مَشْغُوفًا أَيَّمَا
شَغَفٍ، وَلَمَّا نَضَبَ هَذَا اَلْمَعِينُ لَمْ أَجِدْ إِلَّا اَلدَّفَاتِرَ وَالْكُرَّاسَاتِ أَكِلُ إِلَيْهِ تَجْلِيدَهَا وَأَلِفْتُ
بَعْدَ ذَلِكَ أَلَّا آنَسَ بِالْكِتَابِ إِذَا كَانَ غَيْرَ مُجَلَّدٍ، وَلِذَلِكَ اِتَّصَلَتْ مُعَامَلَتِي لَهُ، فَلَمْ أَتْرُكْهُ
إِلَى غَيْرِهِ، حَتَّى بَعْدَ أَنْ أَتْمَمْتُ اَلدِّرَاسَةَ وَخَرَجْتُ إِلَى غَمْرَاتِ اَلْحَيَاةِ.
التقديم:
في حيّ الحمزاوي: نصّ سردي يتخلّله وصف، للأديب المصري محمود تيمور، ومأخوذ من "قال الراوي". وهو نصّ يندرج ضمن محور الحيّ.
موضوع النصِّ ومحاوره الرئيسيّة:
يَنْدَرِجُ هَذَا النَّصُّ فِي إِطَارِ أَدَبِ الذِّكْرَيَاتِ وَالْبُورْترِيهَاتِ (الرُّسُومِ الشَّخْصِيَّةِ)، وَيَصِفُ النَّصُّ بِإِسْهَابٍ عَالَمَ طُفُولَةِ الرَّاوِي وَشَبَابِهِ فِي حَيِّ "الْحَمْزَاوِي"، مُرَكِّزًا عَلَى عَلَاقَتِهِ بِحَانُوتِ تَجْلِيدِ الْكُتُبِ وَمَنْ يَعْمَلُونَ فِيهِ.
الْفِكرةُ الْعامَّةُ:
يَسْتَعِيْدُ الرَّاوِي ذِكْرَيَاتِ طُفُولَتِهِ وَشَبَابِهِ فِي حَيِّ "الْحَمْزَاوِي"، مُحْتَفِيًا بِحَانُوتِ تَجْلِيدِ الْكُتُبِ الَّذِي تَحَوَّلَ لَدَيْهِ مِنْ مَصْدَرٍ لِلْخَوْفِ إِلَى مَصْدَرٍ لِلْأُنْسِ وَالصَّدَاقَةِ، وَمُرَكِّزًا عَلَى الشَّخْصِيَّتَيْنِ الرَّئِيْسَتَيْنِ فِيهِ: الْمُعَلِّمُ "مُحَمَّد عُوف" وَوَليدُهُ الْيَتِيمُ "عَبْدُ الْعَزِيْزِ"، وَكَيْفَ أَثَّرَتْ هَذِهِ الْعَلَاقَاتُ وَهَذَا الْمَكَانُ فِي تَشْكِيْلِ عَالَمِهِ وَحُبِّهِ لِلْكِتَابِ.
الْمَحَاوِرُ الرَّئِيسِيَّةُ:
- مَحْوَرُ تَغَيُّرِ النَّظْرَةِ وَالْعَلَاقَةِ بِالْمَكَانِ:
الْمَوْضُوعُ: تَطَوُّرُ إِحْسَاسِ الرَّاوِي مِنَ الْخَوْفِ إِلَى الأُلْفَةِ مَعَ حَانُوتِ التَّجْلِيدِ.
التَّفَاصِيلُ الرَّئِيسِيَّةُ:
* الْمَرْحَلَةُ الْأُولَى (الرُّهْبَةُ): "أَرْهَبُ هَذَا الْحَانُوتَ أَيَّمَا رَهْبَةٍ" لِظَاهِرِهِ الْعَبُوسِ وَدَخِيْلَتِهِ الْمُظْلِمَةِ.
* الْمَرْحَلَةُ الثَّانِيَةُ (التَّأْنِيسُ): "سَكَنْتُ عَلَى مَرِّ الْأَيَّامِ إِلَى مَرْآهُ، وَتَعَرَّفْتُ مَنْ يَعْمَلُ فِيهِ".
* الْمَرْحَلَةُ الثَّالِثَةُ (الصَّدَاقَةُ وَالِالْتِفَاتُ): دُخُولُ الْحَانُوتِ، زِيَارَةُ الصَّدِيقِ، وَتَحَوُّلُهُ إِلَى مَكَانٍ مَأْلُوفٍ وَمُحِبَّبٍ.
الهَدَفُ: إِبْرَازُ كَيْفَ تُحَوِّلُ الْمَعْرِفَةُ وَالْعَلَاقَاتُ الإِنْسَانِيَّةُ إِحْسَاسَنَا بِالْمَكَانِ مِنْ نَفُورٍ إِلَى انْجِذَابٍ.
- مَحْوَرُ الرُّسُومِ الشَّخْصِيَّةِ:
الْمَوْضُوعُ: وَصْفٌ دَقِيقٌ وَعَمِيقٌ لِشَخْصِيَّتَيْ حَانُوتِ التَّجْلِيدِ.
التَّفَاصِيلُ الرَّئِيسِيَّةُ:
* الْمُعَلِّمُ «مُحَمَّد عُوف»: وَصْفٌ جَسَدِيٌّ قَوِيٌّ يَدُلُّ عَلَى الْحِنْكَةِ وَالصَّلاَبَةِ (قَامَةٌ مَدِيدَةٌ، صَدْرٌ عَرِيضٌ، ذِرَاعَانِ مَفْتُولَانِ، وَجْهٌ مُسْتَدِيرٌ مَشْرَبٌ بِحُمْرَةٍ، شَارِبٌ فَاحِمٌ). وَصْفٌ يُبْرِزُ هَيْبَةَ الصَّانِعِ الْمَاهِرِ.
* الْغُلَامُ «عَبْدُ الْعَزِيزِ»: وَصْفٌ جَسَدِيٌّ ونَفْسِيٌّ بَائِسٌ يُبْرِزُ الْيُتْمَ وَالْقَهْرَ (ضَامِرٌ، قَصِيرٌ، كَاسِفُ اللَّوْنِ، ذَاهِلُ الْعَيْنِ، مَوْصُولُ الصَّمْتِ، يُشْبِهُ دُمِيَّةً خَشَبِيَّةً). وَصْفٌ يُثِيرُ الْإِحْسَاسَ بِالْشَّفَقَةِ وَيَكْشِفُ عَنْ ظُرُوفِهِ الْقَاسِيَةِ.
الهَدَفُ: خَلْقُ شَخْصِيَّاتٍ حَيَّةٍ لِلْقَارِئِ، وَالتَّعمُقُ فِي فَهْمِ طَبِيعَةِ الْعَلَاقَةِ بَيْنَ الْأَسْتَاذِ وَالتِّلْمِيذِ (كَفَالَةً وَرِعَايَةً) وَبَيْنَ الرَّاوِي وَالصَّدِيقِ.
- مَحْوَرُ الصَّدَاقَةِ وَالْعَطَاءِ الْمُتَبَادَلِ:
الْمَوْضُوعُ: تَطَوُّرُ الْعَلَاقَةِ بَيْنَ الرَّاوِي الطِّفْلِ وَعَبْدِ الْعَزِيزِ الْغُلَامِ.
التَّفَاصِيلُ الرَّئِيسِيَّةُ:
* نُشُوءُ التَّعَارُفِ ثُمَّ اسْتِوَثَاقُ الصَّدَاقَةِ.
* التَّهَادِي: الرَّاوِي يُشْرِكُهُ الْحَلْوَى، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ يُقَدِّمُ لَهُ دَفَاتِرَ صَغِيرَةً يُصْنِعُهَا بِيَدِهِ وَيَطْبَعُ اسْمَهُ بِمَاءِ الذَّهَبِ.
* الْحَدِيثُ وَالْمُجَالَسَةُ فِي الْحَانُوتِ.
الهَدَفُ: تَصْوِيرُ صَدَاقَةٍ بَرِيئَةٍ تَعْبُرُ الْحُدُودَ الاجْتِمَاعِيَّةَ (بَيْنَ طِفْلٍ مِنْ أَهْلِ الْحَيِّ وَغُلَامٍ يَتِيمٍ فَقِيرٍ)، وَتُبْرِزُ قِيمَةَ الْعَطَاءِ الرَّمْزِيِّ وَالشَّخْصِيِّ.
- مَحْوَرُ تَأْثِيرِ الْمَكَانِ وَالنَّاسِ فِي تَشْكِيلِ الْهُوِيَّةِ:
الْمَوْضُوعُ: الْأَثَرُ الْبَاقِي لِحَانُوتِ التَّجْلِيدِ فِي حَيَاةِ الرَّاوِي وَذَوْقِهِ.
التَّفَاصِيلُ الرَّئِيسِيَّةُ:
* تَحَوُّلُ الرَّاوِي إِلَى زَبُونٍ دَائِمٍ لِلْمُعَلِّمِ عُوفٍ، حَتَّى لَكِتَابَاتِهِ الرِّوائِيَّةِ.
* تَثْبِيتُ عَادَةٍ جَمِيلَةٍ: "وَلِذَلِكَ اِتَّصَلَتْ مُعَامَلَتِي لَهُ، فَلَمْ أَتْرُكْهُ إِلَى غَيْرِهِ".
* تَأْصِيلُ حُبِّ الْكِتَابِ وَالْجَمَالِ الْمَادِيِّ لَهُ: "وَأَلِفْتُ بَعْدَ ذَلِكَ أَلَّا آنَسَ بِالْكِتَابِ إِذَا كَانَ غَيْرَ مُجَلَّدٍ".
الهَدَفُ: بَيَانُ أَنَّ مَكَانَ الطُّفُولَةِ وَالنَّاسَ الْعَادِيِّينَ فِيهِ قَدْ يَغْرِسُونَ فِينَا شغفًا أَوْ قِيمَةً تَبْقَى مَعَنَا طَوِيلًا، مُشَكِّلَةً جُزْءًا مِنْ هُوِيَّتِنَا وَذَوْقِنَا.
الإجابة عن الأسئلة:
1- الوحدات حسب الْعَلَاقَةِ بَيْنَ الشَّخْصِيَّاتِ وَمَا حَدَثَ عَلَيْهَا مِنْ تَطَوُّرٍ:
الْوَحْدَةُ الْأُولَى (التَّعَارُفُ وَالتَّقَدُّمُ فِي الصَّدَاقَةِ):
الْمَجَالُ: مِنْ بَدَايَةِ النَّصِّ إِلَى قَوْلِهِ: "وَكَثِيرًا مَا كَانَ يَطْبَعُ اسْمِي بِمَاءِ الذَّهَبِ عَلَى بَعْضِ كُتُبِي الْمَدْرَسِيَّةِ".
الْمُحْتَوَى: تَصْفُ هَذِهِ الْوَحْدَةُ كَيْفِيَّةَ تَعَرُّفِ الرَّاوِي عَلَى شَخْصِيَّتَيْ حَانُوتِ التَّجْلِيدِ ("مُحَمَّد عُوف" وَ"عَبْدُ الْعَزِيزِ")، ثُمَّ تَطَوُّرَ عِلَاقَتِهِ مَعَ الصَّبِيِّ "عَبْدِ الْعَزِيزِ" مِنْ مَجَرَّدِ مَعْرِفَةٍ إِلَى صَدَاقَةٍ حَقِيقِيَّةٍ قَائِمَةٍ عَلَى التَّهَادِي وَالتَّوَاصُلِ.
الْوَحْدَةُ الثَّانِيَةُ (الالْتِحَامُ وَبَقَاءُ الْأَثَرِ):
الْمَجَالُ: مِنْ قَوْلِهِ: "وَتَزَايَلَ عَنِّي مَا كُنْتُ أُسْتَشْعِرُهُ مِنْ فَزَعٍ..." إِلَى نِهَايَةِ النَّصِّ.
الْمُحْتَوَى: تُبَيِّنُ هَذِهِ الْوَحْدَةُ دُخُولَ الرَّاوِي إِلَى الْحَانُوتِ نَفْسِهِ وَزِيَارَتَهُ لِصَدِيقِهِ فِيهِ، وَتَعَرُّفَهُ عَلَى الْمُعَلِّمِ "مُحَمَّد عُوف" نَفْسِهِ وَتَحَوُّلَهُ إِلَى زَبُونٍ دَائِمٍ لَدَيْهِ. تَنْتَهِي الْوَحْدَةُ بِبَيَانِ الْأَثَرِ الدَّائِمِ الَّذِي تَرَكَتْهُ هَذِهِ الْعَلَاقَاتُ فِي شَخْصِيَّةِ الرَّاوِي وَعَادَاتِهِ (حُبُّ تَجْلِيدِ الْكُتُبِ).
2- رَسَمَ السَّارِدُ لِشَخْصِيَّتَيْ الصَّبِيِّ وَصَاحِبِ الدُّكَّانِ مَلَامِحَ جَسَدِيَّةً مُتَبَايِنَةً، وَهِيَ كَالتَّالِي:
* القَامَةُ وَالْبُنْيَةُ:
- وَصْفُ الصَّبِيِّ «عَبْدِ الْعَزِيزِ»: ضَامِرٌ، قَصِيرُ الْقَامَةِ.
- وَصْفُ الْمُعَلِّمِ «مُحَمَّد عُوف»: قَامَةٌ مَدِيدَةٌ، مُمْتَلِئُ الْجِسْمِ.
* شَكْلُ الْوَجْهِ:
- وَصْفُ الصَّبِيِّ «عَبْدِ الْعَزِيزِ»: مُتَطَاوِلُ الْوَجْهِ.
- وَصْفُ الْمُعَلِّمِ «مُحَمَّد عُوف»: وَجْهٌ مُسْتَدِيرٌ.
* لَوْنُ الْوَجْهِ / الْبَشَرَةِ:
- وَصْفُ الصَّبِيِّ «عَبْدِ الْعَزِيزِ»: كَاسِفُ اللَّوْنِ (بَاهِتٌ / أَسْمَرُ غَامِقٌ).
- وَصْفُ الْمُعَلِّمِ «مُحَمَّد عُوف»: وَجْهٌ مَشْرَبٌ بِحُمْرَةٍ.
* العَيْنَانِ:
- وَصْفُ الصَّبِيِّ «عَبْدِ الْعَزِيزِ»: ذَاهِلُ الْعَيْنِ (غَائِبُ النَّظَرِ).
- وَصْفُ الْمُعَلِّمِ «مُحَمَّد عُوف»: (لَمْ يُذْكَرْ وَصْفُ الْعَيْنَيْنِ).
* الشَّارِبُ:
- وَصْفُ الصَّبِيِّ «عَبْدِ الْعَزِيزِ»: (لَمْ يُذْكَرْ).
- وَصْفُ الْمُعَلِّمِ «مُحَمَّد عُوف»: شَارِبٌ فَاحِمٌ غَزِيرٌ.
* الحَرَكَةُ وَالْقُوَّةُ:
- وَصْفُ الصَّبِيِّ «عَبْدِ الْعَزِيزِ»: يُشْبِهُ دُمِيَّةً خَشَبِيَّةً تَتَحَرَّكُ بِلَوْلَبٍ.
- وَصْفُ الْمُعَلِّمِ «مُحَمَّد عُوف»: صَدْرٌ عَرِيضٌ مُفَرْطَحٌ، ذِرَاعَانِ مَفْتُولَانِ.
3- يَتَّفِقُ الصَّبِيُّ "عَبْدُ الْعَزِيزِ" مَعَ مُعَلِّمِهِ "مُحَمَّد عُوف" فِي خَصْلَتَيْنِ رَئِيسِيَّتَيْنِ تَمَامَ الِاتِّفَاقِ:
* خَصْلَةُ الْإِتْقَانِ وَحُسْنِ الصَّنْعَةِ:
فَقَدْ عَلَّمَهُ الْمُعَلِّمُ صِنَاعَةَ التَّجْلِيدِ، وَأَصْبَحَ الصَّبِيُّ يُتْقِنُهَا حَتَّى إِنَّهُ كَانَ يُقَدِّمُ لِصَدِيقِهِ الرَّاوِي "دَفَاتِرَ صَغِيرَةً يَصْفِقُهَا بِنَفْسِهِ" وَيَطْبَعُ اسْمَهُ بِمَاءِ الذَّهَبِ. هَذَا يُشِيرُ إِلَى تَلَقِّيهِ تَدْرِيبًا جَيِّدًا وَتَبَنٍّ لِقِيَمِ الْإِتْقَانِ.
* خَصْلَةُ الصَّمْتِ وَالْهَدُوءِ:
وَصْفُ الصَّبِيِّ: "مَوْصُولُ الصَّمْتِ"، "يُبَادِلُنِي الْحَدِيثَ فِي اخْتِصَارٍ وَاقْتِصَارٍ". وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ النَّصَّ لَمْ يُصِرِّحْ بِصَمْتِ الْمُعَلِّمِ، إِلَّا أَنَّ صِفَةَ "الْعُبُوسِ" الَّتِي أُطْلِقَتْ عَلَى الْحَانُوتِ وَهَيْبَةَ شَخْصِ الْمُعَلِّمِ تُوحي بِطَبِيعَةٍ جَدِّيَّةٍ قَلِيلَةِ الْكَلامِ. فَكِلَاهُمَا يَنْتَمِي إِلَى مِهْنَةٍ تَتَطَلَّبُ الصَّبْرَ وَالدِّقَّةَ وَالْهَدُوءَ.
4- العِبَارَاتُ الدَّالَة عَلَى التَوَاصُلِ بَيْنَ السَّارِدِ وَالصَبِيِّ هِيَ:
- "وَتَمَّ بَيْنِي وَبَيْنَ الْغُلَامِ تَعَارُفٌ".
- "ذَهَبْتُ إِلَيْهِ فَشَارَكْتُهُ مَجْلِسَهُ، وَجَاذَبْتُهُ الْقَوْلَ".
- "أَتَحَدَّثُ إِلَيْهِ فِي الْفَيْنَةِ بَعْدَ الْفَيْنَةِ، فَيُبَادِلُنِي الْحَدِيثَ".
- "دَخَلْتُهُ أَزُورُ صَدِيقِي فِيهِ".
أَمَّ عِبَارَاتُ التَّشَارُكِ وَالتَّهَادِي فَهِيَ:
- "وَلَمَّا اسْتَوْثَقَتِ الصَّدَاقَةُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، جَعَلَنَا نَتَهَادَى مُخْتَلفَ الْأَشْيَاءِ".
- "أُشْرِكُهُ فِيمَا اشْتَرَيْتُ مِنْ صُنُوفِ الْحَلْوَى أَوْ الْمَرَطِّبَاتِ".
- "وَيُقَدِّمُ هُوَ إِلَيَّ بَعْضَ دَفَاتِرَ صَغِيرَةٍ يَصْفِقُهَا بِنَفْسِهِ".
- "وَكَثِيرًا مَا كَانَ يَطْبَعُ اسْمِي بِمَاءِ الذَّهَبِ".
5- لَقَدْ تَطَوَّرَتِ الْعَلَاقَةُ بَيْنَ الرَّاوِي وَبَقِيَّةِ الشَّخْصِيَّاتِ تَدْرِيجِيًّا:
أ) مَرَاحِلُ هَذَا التَّطَوُّرِ:
* مَرْحَلَةُ الرُّهْبَةِ وَالْخَوْفِ: (مِنَ الْحَانُوتِ وَمَا يُمَثِّلُهُ):
الْقَرَائِنُ:
- "وَأَنَا طِفْلٌ أَرْهَبُ هَذَا الْحَانُوتَ أَيَّمَا رَهْبَةٍ..."
- "كَانَ ظَاهِرُهُ أَقْتَمَ عَلَيْهِ سِيمَاءُ الْعُبُوسِ..."
- "مَدْخَلُهُ حَالِكَ الظُّلْمَةِ."
* مَرْحَلَةُ التَّأْنِيسِ وَالتَّعَارُفِ: (مَعَ الشَّخْصِيَّاتِ مِنْ بَعِيدٍ):
الْقَرَائِنُ:
- "سَكَنْتُ عَلَى مَرِّ الْأَيَّامِ إِلَى مَرْآهُ، وَتَعَرَّفْتُ مَنْ يَعْمَلُ فِيهِ وَهُمَا اثْنَانِ: رَجُلٌ وَغُلَامٌ."
* مَرْحَلَةُ الصَّدَاقَةِ وَالْخُصُوصِيَّةِ: (مَعَ الصَّبِيِّ "عَبْدِ الْعَزِيزِ"):
الْقَرَائِنُ:
- "وَتَمَّ بَيْنِي وَبَيْنَ الْغُلَامِ تَعَارُفٌ"
- "وَلَمَّا اسْتَوْثَقَتِ الصَّدَاقَةُ..."
- وَعِبَارَاتُ التَّهَادِي وَالزِّيَارَةِ الْمُذْكُورَةِ فِي السُّؤَالِ الرَّابِعِ.
* مَرْحَلَةُ الثِّقَةِ وَالِالْتِحَامِ الْكَامِلِ: (دُخُولُ الْحَانُوتِ وَالتَّعَامُلُ مَعَ الْمُعَلِّمِ):
- الْقَرَائِنُ:
- "وَتَزَايَلَ عَنِّي مَا كُنْتُ أُسْتَشْعِرُهُ مِنْ فَزَعٍ لِهَذَا الْحَانُوتِ، فَقَدْ دَخَلْتُهُ..."
- "وَجَاءَ يَوْمٌ عَرَفْتُ فِيهِ الْمُعَلِّمَ مُحَمَّدَ عَوْفٍ نَفْسَهُ صَاحِبَ الْحَانُوتِ..."
- "وَجَعَلَ يَتَوَلَّى تَجْلِيدَ مَا عِنْدِي مِنْ كُتُبٍ رِوائِيَّةٍ..."
* مَرْحَلَةُ تَأْصِيلِ الْعَادَةِ وَبَقَاءِ الْأَثَرِ: (تَحَوُّلُ الْعَلَاقَةِ إِلَى عَادَةٍ وَذَوْقٍ دَائِمٍ):
الْقَرَائِنُ:
- "وَأَلِفْتُ بَعْدَ ذَلِكَ أَلَّا آنَسَ بِالْكِتَابِ إِذَا كَانَ غَيْرَ مُجَلَّدٍ."
- "وَلِذَلِكَ اتَّصَلَتْ مُعَامَلَتِي لَهُ، فَلَمْ أَتْرُكْهُ إِلَى غَيْرِهِ، حَتَّى بَعْدَ أَنْ أَتْمَمْتُ الدِّرَاسَةَ وَخَرَجْتُ إِلَى غَمْرَاتِ الْحَيَاةِ."
ب) أَمَّا عَنْ الْعَلَاقَةِ فَقَدْ تَرَكَتْ أَثَرَيْنِ بَارِزَيْنِ فِي شَخْصِيَّةِ السَّارِدِ:
- أَثَرٌ عَاطِفِيٌّ وَإِنْسَانِيٌّ: قَضَتْ عَلَى مَخَاوِفِ الطُّفُولَةِ وَغَرَسَتْ فِيهِ قِيَمَ الصَّدَاقَةِ الْحَقِيقِيَّةِ الَّتِي تَعْبُرُ الْفُروقَ الاجْتِمَاعِيَّةَ. زَادَتْهُ إِيمَانًا بِالْعَلَاقَاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ الصَّادِقَةِ.
- أَثَرٌ ثَقَافِيٌّ وَجَمَالِيٌّ: شَكَّلَتْ ذَوْقَهُ وَعَلاقَتَهُ بِالْكِتَابِ. فَتَحَوَّلَ الْكِتَابُ لَدَيْهِ مِنْ وَسِيلَةِ تَعْلِيمٍ إِلَى قِطْعَةٍ فَنِّيَّةٍ يَجِبُ أَنْ تُحْفَظَ وَتُجَمَّلَ بِالتَّجْلِيدِ. أَصْبَحَ حُبُّ الْكِتَابِ وَالْجَمَالِ الْمَادِيِّ لَهُ عَادَةً أَصِيلَةً رَافَقَتْهُ طَوِيلاً، وَهَذَا مِنْ أَجَلِّ مَا تُمْنَحُهُ الْعَلَاقَاتُ الْإِنْسَانِيَّةُ الصَّادِقَةُ.
القيمة التعليميّة / الأدبيّة:
يُقَدِّمُ النَّصُّ نَمُوذَجًا أَدَبِيًّا وَتَعْلِيمِيًّا رَفِيعًا لِـ:
- فَنِّ الرُّسُومِ الشَّخْصِيَّةِ (البُورْتْرِيه): حَيْثُ يُقَدِّمُ وَصْفًا دَقِيقًا مُحَاكَیًا لِلشَّخْصِيَّتَيْنِ الرَّئِیسَتَیْنِ، یَبْنِی صُورَتَهُمَا مِنْ خِلَالِ الْمَلَامِحِ الْجَسَدِيَّةِ وَالسُّلُوكِيَّةِ لِیُعَبِّرَ عَنْ طَبِيعَتِهِمَا وَظُرُوفِهِمَا النَّفْسِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ.
- رِوَایَةِ الذِّكْرَیَاتِ التَّکْوِینِیَّةِ: فَهُوَ لَیْسَ مَجْرَدَ اسْتِعَادَةِ أَحْدَاثٍ، بَلْ تَحْلِیلٌ لِتَأْثِیرِ الْمَكَانِ وَالنَّاسِ فِی بِنَاءِ هُوِیَّةِ الْفَرْدِ وَتَشْکِیلِ ذَوْقِهِ.
- تَصْوِیرِ الْعَلَاقَاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ النَّبِیلَةِ: فِی ثلَاثِیَّةِ الرَّابِطِ بَیْنَ (التَّلَامِیذِ) عَلَى اخْتِلَافِ حَظُوظِهِمْ، وَبَیْنَ (الْمُعَلِّمِ وَالتِّلْمِیذِ) فِی إِطَارِ الْكَفَالَةِ وَالرِّعَایَةِ، وَبَیْنَ (الصَّانِعِ وَالزَّبُونِ) فِی إِطَارِ الْودَادِ وَالْإِخْلَاصِ.
- بِنَاءِ التَّقَابُلِ: بَیْنَ الْخَوْفِ وَالْأُلْفَةِ، بَیْنَ الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ فِی الْمَلَامِحِ، بَیْنَ ظُلْمَةِ الْحَانُوتِ وَجَمَالِ الْکِتَابِ الْمُجَلَّدِ، وَهَذَا یُعَمِّقُ الدَّلالَةَ.
- تَوْظِيفِ الْحَوَاسِّ: لِخَلْقِ صُورَةٍ ذِهْنِيَّةٍ حَيَّةٍ عَنِ الْمَكَانِ (الظُّلْمَةُ، رَائِحَةُ الْوَرَقِ وَالْغِرَاءِ، صَوْتُ الْعَمَلِ).
- التَّرْبِیَةِ عَلَى قِیمَ الصَّنْعَةِ وَالْإِتْقَانِ: فَالنَّصُّ یَحْتَفِی بِحِرْفَةٍ تَقْلِیدِیَّةٍ (التَّجْلِیدُ) وَیُرسِّخُ قِیمَةَ الْعَمَلِ بِیدِ وَالِاهْتِمَامِ بِالْجَوْهَرِ وَالْمَظْهَرِ مَعًا.
الخلاصة:
يَكْشِفُ هَذَا النَّصُّ بِرِقَّةٍ عَنِ الْعَالَمِ الْخَفِيِّ لِلطُّفُولَةِ، حَيْثُ تَكْمُنُ الْقِصَصُ الْكَبِيرَةُ فِي الْأَمَاكِنِ الصَّغِيرَةِ وَالْوُجُوهِ الْعَادِيَّةِ. إِنَّهُ احْتِفَاءٌ بِـ "حَانُوتِ التَّجْلِيدِ" لَا كَمَحَلٍّ تِجَارِيٍّ، بَلْ كَمَخْتَبَرٍ لِلْعَوَاطِفِ (مِنْ خَوْفٍ إِلَى صَدَاقَةٍ)، وَكَمَشْغَلٍ لِصُنَّاعِ الْذِّكْرَيَاتِ وَالْكُتُبِ مَعًا. فَمِنْ بَيْنِ ظُلْمَتِهِ وَنُدُوبَةِ قَاطِنِيهِ، وُلِدَ حُبٌّ جَمِيلٌ لِلْكِتَابِ وَارْتَسَمَتْ صُورَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ لَنْ تُمْحَى عَنْ ذَاكِرَةِ الرَّاوِي.

ليست هناك تعليقات:
حتى تصبح عضوا في الموسوعة المدرسية انزل إلى أسفل الصفحة