شرح نصّ الشوق إلى تونس - 7 أساسي - محور تونس الجميلة
شرح نصّ الشوق إلى تونس، الباجي المسعودي، السنة السابعة أساسي - محور تونس الجميلة
النصّ
حَيَّا نَسِيمُكِ حَتَّى كَادَ يُحْيِينِـــــــــــــي
يَا تُونِسَ الأُنْسِ يَا خَضْرَا المَيَادِينِ
وَجَدَّ بِي الشَّوْقُ وَاِسْتَوْلَى عَلَى جَلَدِي
وَصِرْتُ أُخْفِيهِ أَحْيَانًا وَيُخْفِينِـــــي
سَقَى رُبَي تُونِسَ الخَضْرَا وَسَاكِنَهَـــا
سُحْبًا مِنَ السَّعْدِ تُرْضِيهِمْ وَتُرْضِينِي
مَنْشَا شَبَابِي، وَأَتْرَابِي وَمُرْضِعَتِـــــي
ثَدْيَ العُلُومِ الَّذِي لاَزَالَ يَرْوِينِي....
قُمْ يَا نَدِيمِي نُبَاكِرْ رَوْضَةً سَحَــــــــرًا
فَالسَّعْدُ نَادَى بِنَا مِنْ (بَابِ سَعْدُونَ)
سَاعِدْ أَخَاكَ إِلَى (أَرْيَانَةٍ) فَبِهَـــــــــــا
رَوْضٌ تَوَشَّى بِوَرْدِيٍّ وَنِسْرِيــــــنِ
ظِلٌّ ظَلِيلٌ، وَمَاءٌ كَالسُّلاَفِ عَلَـــــــى
رَجْعِ النَّوَاعِيرِ رَبَّاتِ التَلاَحِيـــــــنِ
وَاحْمِلْ إِلَى شَاطِئِ (المَرْسَى) وَقُبَّتِهَا
إِذْ حُسْنُهَا نَابَ عَنْ نَصْبِ البَرَاهِيـنِ
وَاسْلُكَ إِلَى جَبَلِ (البَاجِي) وَتُرْبَتِـــــهِ
وَاَسْأَلْ هُنَاكَ عَطَــــــاءً غَيْرَ مَمْنُونِ
أَسْرِعْ إِلَى (حَلْقِ وَادِيهَـــــا) فَثَمَّ تَرَى
مَا خَلَّدَتْهُ يَدُ الشُّمِّ العَرَانِيــــــــــــــنِ
تَرَى بِهِ الفُلـــــــــكَ بِالأَبْرَاجِ مُحْدِقَةً
مِثْلَ البَيَادِقِ حَفَّتْ بِالفَرَازِيــــــــــــنِ
تَزَيَّنَتْ بِصُفُوفٍ مِنْ مَدَافِعَهَــــــــــــا
سُودَ فَوَاغِرُهَا مِثْلُ الثَّعَابِيـــــــــــــنِ
التقديم:
قَصِيدَةُ سَرْدِيَّةٌ بِعُنْوَان الشَّوْقُ إِلَى تُونِسَ تَنْدَرِجُ ضِمْنَ مِحْوَر تُونُسَ الجَمِيلَةِ لِلْشَاعِرِ التُونُسِيِّ "الباجي المسعودي".
موضوع النصّ ومحاوره الرئيسة:
يَنْدَرِجُ هَذَا النَّصُّ تَحْتَ الشِّعْرِ الوَطَنِيِّ الرُّومَانْطِيقِيِّ، وَهُوَ يُمَثِّلُ نَمُوذَجًا لِلشِّعْرِ الَّذِي يَمْزِجُ بَيْنَ الحَنِينِ العَاطِفِيِّ وَالوَصْفِ الجُغْرَافِيِّ، حَيْثُ يُعَبِّرُ الشَّاعِرُ عَنْ تَعَلُّقِهِ الشَّدِيدِ بِوَطَنِهِ تُونُسَ، مُسْتَحْضِرًا جَمَالَ مَنَاطِقِهَا وَمَعَالِمَهَا بِحِسٍّ شَفِيفٍ.
الفكرة العامة:
يُعَبِّرُ الشَّاعِرُ عَنْ شَوْقِهِ العَمِيقِ إِلَى تُونُسَ وَتَعَلُّقِهِ بِهَا، مُسْتَهَلًّا قَصِيدَتَهُ بِالإِشَارَةِ إِلَى النَّسِيمِ الَّذِي يَحْمِلُ لَهُ أَخْبَارَهَا، ثُمَّ يَأْخُذُنَا فِي رِحْلَةٍ شِعْرِيَّةٍ عَبْرَ مَنَاطِقِهَا المُتَنَوِّعَةِ (رُبَى تُونُسَ، أَرْيَانَةَ، المَرْسَى، جَبَلَ البَاجِي، حَلْقَ الوَادِي)، مُصَوِّرًا كُلَّ مَنْطَقَةٍ بِأَبْرَزِ مَعَالِمِهَا، فَيَمْتَزِجُ الوَصْفُ الطَّبِيعِيُّ بِالوَصْفِ العُمْرَانِيِّ فِي لَوْحَةٍ شِعْرِيَّةٍ مُتَكَامِلَةٍ.
المحاور الرئيسة:
* مِحْوَرُ الحَنِينِ وَالشَّوْقِ:
المَوْضُوعُ: تَعْبِيرُ الشَّاعِرِ عَنْ شِدَّةِ اشْتِيَاقِهِ إِلَى وَطَنِهِ.
التَّفَاصِيلُ:
- "حَيَّا نَسِيمُكِ حَتَّى كَادَ يُحْيِينِي".
- "وَجَدَّ بِي الشَّوْقُ وَاسْتَوْلَى عَلَى جَلَدِي".
- "وَصِرْتُ أُخْفِيهِ أَحْيَانًا وَيُخْفِينِي".
* مِحْوَرُ الذِّكْرَيَاتِ وَالنَّشْأَةِ:
المَوْضُوعُ: اسْتِحْضَارُ طُفُولَةِ الشَّاعِرِ وَشَبَابِهِ فِي تُونُسَ.
التَّفَاصِيلُ:
- "مَنْشَا شَبَابِي، وَأَتْرَابِي وَمُرْضِعَتِي".
- "ثَدْيَ العُلُومِ الَّذِي لاَ زَالَ يَرْوِينِي".
* مِحْوَرُ الجُغْرَافْيَا الشِّعْرِيَّةِ (جَوْلَةٌ فِي مَنَاطِقِ تُونُسَ):
المَوْضُوعُ: رِحْلَةٌ شِعْرِيَّةٌ فِي أَرْجَاءِ تُونُسَ، كُلُّ مَنْطَقَةٍ بِمَعْلَمِهَا المُمَيِّزِ.
التَّفَاصِيلُ:
- بَابُ سَعْدُونَ: "فَالسَّعْدُ نَادَى بِنَا مِنْ بَابِ سَعْدُونَ".
- أَرْيَانَةُ: "رَوْضٌ تَوَشَّى بِوَرْدِيٍّ وَنِسْرِينِ".
- المَرْسَى: "شَاطِئِ المَرْسَى وَقُبَّتِهَا... حُسْنُهَا نَابَ عَنْ نَصْبِ البَرَاهِينِ".
- جَبَلُ البَاجِي: "وَاسْلُكْ إِلَى جَبَلِ البَاجِي وَتُرْبَتِهِ".
- حَلْقُ الوَادِي: "مَا خَلَّدَتْهُ يَدُ الشُّمِّ العَرَانِينِ... تَرَى بِهِ الفُلْكَ بِالأَبْرَاجِ مُحْدِقَةً".
* مِحْوَرُ الوَصْفِ الحِسِّيِّ (امْتِزَاجُ الطَّبِيعَةِ وَالعُمْرَانِ):
المَوْضُوعُ: تَوْظِيفُ الشَّاعِرِ لِمُفْرَدَاتِ الطَّبِيعَةِ وَالعُمْرَانِ فِي رَسْمِ صُورَةٍ جَمَالِيَّةٍ مُتَكَامِلَةٍ.
التَّفَاصِيلُ:
- الطَّبِيعَةُ: "نَسِيمُكِ"، "خَضْرَا المَيَادِينِ"، "رَوْضَةً"، "ظِلٌّ ظَلِيلٌ، وَمَاءٌ كَالسُّلاَفِ"، "رَجْعِ النَّوَاعِيرِ"، "بِوَرْدِيٍّ وَنِسْرِينِ".
- العُمْرَانُ: "قُبَّتِهَا"، "الفُلْكَ بِالأَبْرَاجِ"، "مَدَافِعِهَا"، "صُفُوفٍ مِنْ مَدَافِعِهَا سُودَ".
الإجابة عن الأسئلة:
1- فِي النَّصِّ تَعْبِيرٌ عَنْ تَعَلُّقِ الشَّاعِرِ بِمَوْطِنِهِ وَتَغَنٍّ بِمُمَيِّزَاتِ بَعْضِ مَنَاطِقِهِ، قَسِّمِ النَّصَّ وَفْقَ ذَلِكَ.
تَقْسِيمُ النَّصِّ وَفْقَ مَعْنَى التَّعَلُّقِ بِالوَطْنِ وَالتَّغَنِّي بِمُمَيِّزَاتِ مَنَاطِقِهِ:
الوَحْدَةُ الأُولَى: التَّعَلُّقُ بِالوَطْنِ وَالحَنِينُ إِلَيْهِ
تَمْتَدُّ هَذِهِ الوَحْدَةُ مِنْ بِدَايَةِ القَصِيدَةِ: "حَيَّا نَسِيمُكِ حَتَّى كَادَ يُحْيِينِي" إِلَى البَيْتِ الخَامِسِ: "ثَدْيَ العُلُومِ الَّذِي لاَ زَالَ يَرْوِينِي..."
فِي هَذِهِ الوَحْدَةِ، يُعَبِّرُ الشَّاعِرُ عَنْ شِدَّةِ تَعَلُّقِهِ بِوَطَنِهِ تُونُسَ مِنْ خِلاَلِ:
- الحَنِينِ وَالشَّوْقِ: "حَيَّا نَسِيمُكِ حَتَّى كَادَ يُحْيِينِي"، "وَجَدَّ بِي الشَّوْقُ وَاسْتَوْلَى عَلَى جَلَدِي"، "وَصِرْتُ أُخْفِيهِ أَحْيَانًا وَيُخْفِينِي".
- الدُّعَاءِ لِلْوَطَنِ وَأَهْلِهِ: "سَقَى رُبَى تُونُسَ الخَضْرَا وَسَاكِنَهَا سُحْبًا مِنَ السَّعْدِ تُرْضِيهِمْ وَتُرْضِينِي".
- اسْتِحْضَارِ النَّشْأَةِ وَالشَّبَابِ: "مَنْشَا شَبَابِي، وَأَتْرَابِي وَمُرْضِعَتِي، ثَدْيَ العُلُومِ الَّذِي لاَ زَالَ يَرْوِينِي".
هَذِهِ الأَبْيَاتُ تَمْثِلُ جَانِبَ المَشَاعِرِ الخَاصَّةَ وَالذِّكْرَيَاتِ الشَّخْصِيَّةَ الَّتِي تَرْبِطُ الشَّاعِرَ بِوَطَنِهِ.
الوَحْدَةُ الثَّانِيَةُ: التَّغَنِّي بِمُمَيِّزَاتِ مَنَاطِقِ تُونُسَ
تَمْتَدُّ هَذِهِ الوَحْدَةُ مِنَ البَيْتِ السَّادِسِ: "قُمْ يَا نَدِيمِي نُبَاكِرْ رَوْضَةً سَحَرًا" إِلَى نِهَايَةِ القَصِيدَةِ: "سُودَ فَوَاغِرُهَا مِثْلُ الثَّعَابِينِ"
فِي هَذِهِ الوَحْدَةِ، يَنْتَقِلُ الشَّاعِرُ مِنَ التَّعْبِيرِ عَنِ المَشَاعِرِ الخَاصَّةِ إِلَى الوَصْفِ الجُغْرَافِيِّ الشِّعْرِيِّ، فَيَأْخُذُ قَارِئَهُ فِي جَوْلَةٍ عَبْرَ مَنَاطِقِ تُونُسَ المُتَنَوِّعَةِ، مُبْرِزًا أَبْرَزَ مَعَالِمِ كُلِّ مَنْطَقَةٍ:
- بَابُ سَعْدُونَ: "فَالسَّعْدُ نَادَى بِنَا مِنْ بَابِ سَعْدُونَ".
- أَرْيَانَةُ: "رَوْضٌ تَوَشَّى بِوَرْدِيٍّ وَنِسْرِينِ... ظِلٌّ ظَلِيلٌ، وَمَاءٌ كَالسُّلاَفِ عَلَى رَجْعِ النَّوَاعِيرِ رَبَّاتِ التَّلاَحِينِ".
- المَرْسَى: "وَاحْمِلْ إِلَى شَاطِئِ المَرْسَى وَقُبَّتِهَا، إِذْ حُسْنُهَا نَابَ عَنْ نَصْبِ البَرَاهِينِ".
- جَبَلُ البَاجِي: "وَاسْلُكْ إِلَى جَبَلِ البَاجِي وَتُرْبَتِهِ، وَاسْأَلْ هُنَاكَ عَطَاءً غَيْرَ مَمْنُونِ".
- حَلْقُ الوَادِي: "أَسْرِعْ إِلَى حَلْقِ وَادِيهَا فَثَمَّ تَرَى مَا خَلَّدَتْهُ يَدُ الشُّمِّ العَرَانِينِ... تَرَى بِهِ الفُلْكَ بِالأَبْرَاجِ مُحْدِقَةً... تَزَيَّنَتْ بِصُفُوفٍ مِنْ مَدَافِعِهَا سُودَ فَوَاغِرُهَا مِثْلُ الثَّعَابِينِ".
2- اِسْتَخْرِجْ مِنَ الوَحْدَةِ الأُولَى القَرَائِنَ الدَّالَّةَ عَلَى شِدَّةِ اشْتِيَاقِ الشَّاعِرِ إِلَى مَوْطِنِهِ.
القَرَائِنُ الدَّالَّةُ عَلَى شِدَّةِ اشْتِيَاقِ الشَّاعِرِ إِلَى مَوْطِنِهِ:
1. تَحِيَّةُ النَّسِيمِ كَأَنَّهُ رَسُولُ الحَنِينِ:
- "حَيَّا نَسِيمُكِ حَتَّى كَادَ يُحْيِينِي".
يُشَبِّهُ الشَّاعِرُ النَّسِيمَ القَادِمَ مِنْ تُونُسَ بِمَنْ يُحَيِّيهِ، وَيُبَالِغُ فِي تَأْثِيرِ هَذِهِ التَّحِيَّةِ حَتَّى كَادَتْ تُعِيدُ إِلَيْهِ الحَيَاةَ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ اشْتِيَاقِهِ.
2. الشَّوْقُ الَّذِي اسْتَوْلَى عَلَى جَلَدِهِ وَأَضْعَفَهُ:
- "وَجَدَّ بِي الشَّوْقُ وَاسْتَوْلَى عَلَى جَلَدِي".
- "وَصِرْتُ أُخْفِيهِ أَحْيَانًا وَيُخْفِينِي".
يَصِفُ الشَّاعِرُ شَوْقَهُ بِأَنَّهُ شَيْءٌ عَظِيمٌ جَدَّ بِهِ (زَادَ وَاشْتَدَّ)، وَاسْتَوْلَى عَلَى قُوَّتِهِ وَصَبْرِهِ (جَلَدِهِ)، حَتَّى صَارَ هُوَ وَشَوْقُهُ كَأَنَّهُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ، كُلٌّ مِنْهُمَا يُخْفِي الآخَرَ.
3. الدُّعَاءُ لِتُونُسَ بِالسَّعْدِ وَالرِّضَا:
- "سَقَى رُبَى تُونُسَ الخَضْرَا وَسَاكِنَهَا سُحْبًا مِنَ السَّعْدِ تُرْضِيهِمْ وَتُرْضِينِي".
يَدْعُو الشَّاعِرُ لِتُونُسَ بِالخَيْرِ وَالسَّعْدِ، وَيَجْعَلُ سَعَادَتَهُ مُرْتَبِطَةً بِسَعَادَتِهَا، مِمَّا يُظْهِرُ عُمْقَ تَعَلُّقِهِ بِهَا.
4. اسْتِحْضَارُ النَّشْأَةِ وَالشَّبَابِ وَالرِّضَاعِ العِلْمِيِّ:
- "مَنْشَا شَبَابِي، وَأَتْرَابِي وَمُرْضِعَتِي، ثَدْيَ العُلُومِ الَّذِي لاَ زَالَ يَرْوِينِي".
يَجْعَلُ الشَّاعِرُ مِنْ تُونُسَ مَنْشَأَ شَبَابِهِ، وَرَفِيقَ صِبَاهُ، وَالمُرْضِعَةَ الَّتِي أَرْضَعَتْهُ العُلُومَ. وَاسْتِمْرَارُ هَذَا الرِّضَاعِ ("لاَ زَالَ يَرْوِينِي") يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عِلاَقَتَهُ بِوَطَنِهِ مَاضِيَةٌ وَحَاضِرَةٌ، وَأَنَّ اشْتِيَاقَهُ مُسْتَمِرٌّ.
3- عَدَّدَ الشَّاعِرُ مَوَاضِعَ مُخْتَلِفَةً مِنْ مَوْطِنِهِ وَخَصَّ كُلَّ مَوْضِعٍ بِمَظْهَرٍ يُمَيِّزُهُ، وَضِّحْ ذَلِكَ.
المَوَاضِعُ الَّتِي عَدَّدَهَا الشَّاعِرُ وَمَا خَصَّ كُلَّ مَوْضِعٍ بِهِ:
* أَوَّلاً: بَابُ سَعْدُونَ
خَصَّهُ الشَّاعِرُ بِالسَّعْدِ وَالبِشَارَةِ، فِي قَوْلِهِ: "فَالسَّعْدُ نَادَى بِنَا مِنْ بَابِ سَعْدُونَ". رَبَطَ اسْمَ المَوْضِعِ بِمَعْنَى السَّعْدِ، فَجَعَلَ مِنْهُ مَنْزَعًا لِلْفَرَحِ وَالبِشَارَةِ.
* ثَانِيًا: أَرْيَانَةُ
خَصَّهَا بِالطَّبِيعَةِ الخَلاَّبَةِ وَأَصْوَاتِ النَّوَاعِيرِ، فِي قَوْلِهِ: "رَوْضٌ تَوَشَّى بِوَرْدِيٍّ وَنِسْرِينِ... ظِلٌّ ظَلِيلٌ، وَمَاءٌ كَالسُّلاَفِ عَلَى رَجْعِ النَّوَاعِيرِ رَبَّاتِ التَّلاَحِينِ". صَوَّرَهَا كَمَكَانٍ يَجْمَعُ بَيْنَ جَمَالِ الطَّبِيعَةِ (الظِّلِّ، المَاءِ، الوَرْدِ، النِّسْرِينِ) وَحَيَوِيَّةِ الحَرَكَةِ (أَصْوَاتُ النَّوَاعِيرِ الَّتِي تَتَغَنَّى بِأَلْحَانِهَا).
* ثَالِثًا: المَرْسَى
خَصَّهَا بِالجَمَالِ العُمْرَانِيِّ، فِي قَوْلِهِ: "وَاحْمِلْ إِلَى شَاطِئِ المَرْسَى وَقُبَّتِهَا، إِذْ حُسْنُهَا نَابَ عَنْ نَصْبِ البَرَاهِينِ". رَكَّزَ عَلَى البُعْدِ العُمْرَانِيِّ (الشَّاطِئُ وَالقُبَّةُ)، وَجَعَلَ جَمَالَهَا دَلِيلاً كَافِيًا لاَ يَحْتَاجُ إِلَى بُرْهَانٍ آخَرَ.
* رَابِعًا: جَبَلُ البَاجِي
خَصَّهُ بِالأَرْضِ المُبَارَكَةِ وَالعَطَاءِ، فِي قَوْلِهِ: "وَاسْلُكْ إِلَى جَبَلِ البَاجِي وَتُرْبَتِهِ، وَاسْأَلْ هُنَاكَ عَطَاءً غَيْرَ مَمْنُونِ". جَعَلَ مِنْ هَذَا الجَبَلِ مَكَانًا لِلْعَطَاءِ المُبَارَكِ، وَرَبَطَهُ بِالأَرْضِ وَخَيْرِهَا الَّذِي لاَ يَنْضَبُ.
* خَامِسًا: حَلْقُ الوَادِي
خَصَّهَا بِالقُوَّةِ البَحْرِيَّةِ وَالعَسْكَرِيَّةِ، فِي قَوْلِهِ: "تَرَى بِهِ الفُلْكَ بِالأَبْرَاجِ مُحْدِقَةً مِثْلَ البَيَادِقِ حَفَّتْ بِالفَرَازِينِ... تَزَيَّنَتْ بِصُفُوفٍ مِنْ مَدَافِعِهَا سُودَ فَوَاغِرُهَا مِثْلُ الثَّعَابِينِ". صَوَّرَهَا كَمَكَانٍ يَجْمَعُ بَيْنَ القُوَّةِ البَحْرِيَّةِ (الفُلْكُ المُحْدِقَةُ بِالأَبْرَاجِ) وَالقُوَّةِ الحَرْبِيَّةِ (المَدَافِعُ الصَّافَّةُ)، فَجَسَّدَ الجَانِبَ الحَضَارِيَّ العَسْكَرِيَّ فِي تَارِيخِ تُونُسَ.
4- يُمَكِّنُ جَمَالُ المَوَاقِعِ مِنْ إِمْتَاعِ مُخْتَلِفِ الحَوَاسِّ، اِسْتَخْرِجْ مِنَ النَّصِّ أَمْثِلَةً تُبَيِّنُ ذَلِكَ.
الأَمْثِلَةُ مِنَ النَّصِّ الَّتِي تُبَيِّنُ إِمْتَاعَ مُخْتَلِفِ الحَوَاسِّ بِجَمَالِ المَوَاقِعِ هِيَ:
* أَوَّلاً: حَاسَّةُ البَصَرِ (الرُّؤْيَةُ)
- رُؤْيَةُ المَنَاظِرِ الطَّبِيعِيَّةِ: "رَوْضٌ تَوَشَّى بِوَرْدِيٍّ وَنِسْرِينِ". يَرَى القَارِئُ بِخَيَالِهِ الوَرْدَ وَالنِّسْرِينَ يَتَزَيَّنَانِ الرَّوْضَةَ.
- رُؤْيَةُ الظِّلِّ وَالمَاءِ: "ظِلٌّ ظَلِيلٌ، وَمَاءٌ كَالسُّلاَفِ". يَتَخَيَّلُ القَارِئُ الظِّلَّ الوَارِفَ وَالمَاءَ الصَّافِيَ كَالخَمْرِ.
- رُؤْيَةُ العُمْرَانِ وَالقُوَّةِ: "شَاطِئِ المَرْسَى وَقُبَّتِهَا"، "الفُلْكَ بِالأَبْرَاجِ مُحْدِقَةً"، "صُفُوفٍ مِنْ مَدَافِعِهَا سُودَ". تُرْسِمُ هَذِهِ الصُّوَرُ مَشَاهِدَ بَصَرِيَّةً لِلشَّاطِئِ وَالقُبَّةِ وَالسُّفُنِ وَالمَدَافِعِ.
- رُؤْيَةُ التَّشْبِيهَاتِ البَصَرِيَّةِ: "مِثْلَ البَيَادِقِ حَفَّتْ بِالفَرَازِينِ". يَرَى القَارِئُ الفُلْكَ كَقِطَعِ الشَّطْرَنْجِ المُحِيطَةِ بِالمَلِكِ. "مِثْلُ الثَّعَابِينِ". يَرَى القَارِئُ فَوَاغِرَ المَدَافِعِ كَأَفْوَاهِ الثَّعَابِينِ.
* ثَانِيًا: حَاسَّةُ السَّمْعِ (الأَصْوَاتُ)
- أَصْوَاتُ النَّوَاعِيرِ: "عَلَى رَجْعِ النَّوَاعِيرِ رَبَّاتِ التَّلاَحِينِ". يَسْمَعُ القَارِئُ أَصْوَاتَ النَّوَاعِيرِ المُتَنَاغِمَةَ كَأَنَّهَا تُغَنِّي أَلْحَانًا جَمِيلَةً.
- صَوْتُ النَّسِيمِ (مُسْتَفَادٌ مِنَ السِّيَاقِ): "حَيَّا نَسِيمُكِ". النَّسِيمُ يَحْمِلُ مَعَهُ صَوْتَ التَّحِيَّةِ وَالبِشَارَةِ.
ثَالِثًا: حَاسَّةُ الذَّوْقِ (الطَّعْمُ)
- طَعْمُ المَاءِ: "وَمَاءٌ كَالسُّلاَفِ". السُّلاَفُ هُوَ العُصَارَةُ الخَالِصَةُ. يُسْتَشْعَرُ هُنَا طَعْمُ المَاءِ العَذْبِ اللَّذِيذِ كَأَفْضَلِ الشَّرَابِ.
رَابِعًا: حَاسَّةُ الشَّمِّ (الرَّائِحَةُ)
- رَائِحَةُ الأَزْهَارِ: "بِوَرْدِيٍّ وَنِسْرِينِ". الوَرْدُ وَالنِّسْرِينُ مَعْرُوفَانِ بِرَائِحَتِهِمَا العَطِرَةِ، فَيَشُمُّ القَارِئُ عِبْقَ الزُّهُورِ فِي الرَّوْضَةِ.
- رَائِحَةُ التُّرْبَةِ (مُسْتَفَادٌ مِنَ السِّيَاقِ): "جَبَلِ البَاجِي وَتُرْبَتِهِ". التُّرْبَةُ تُوحِي بِرَائِحَةِ الأَرْضِ النَّدِيَّةِ المُبَارَكَةِ.
خَامِسًا: حَاسَّةُ اللَّمْسِ (المَلْمُوسُ)
- لَمْسُ النَّسِيمِ: "حَيَّا نَسِيمُكِ". النَّسِيمُ مَلْمُوسٌ يُحِسُّ بِهِ الإِنْسَانُ عَلَى بَشَرَتِهِ.
- لَمْسُ الظِّلِّ: "ظِلٌّ ظَلِيلٌ". الظِّلُّ يُشْعِرُ بِالاِنْتِعَاشِ وَالبُرُودَةِ.
5- اِسْتَخْدَمَ الشَّاعِرُ فِي إِبْرَازِ جَمَالِ المَوْطِنِ مُعْجَمَيِ الطَّبِيعَةِ وَالعُمْرَانِ، عَيِّنِ الأَلْفَاظَ المُنْتَمِيَةَ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
* أَوَّلاً: مُعْجَمُ الطَّبِيعَةِ (أَلْفَاظُ الطَّبِيعَةِ وَالرِّيفِ)
- نَسِيمُكِ
- خَضْرَا المَيَادِينِ
- رُبَى: الآكَامُ وَالمُرْتَفَعَاتُ مِنَ الأَرْضِ.
- خَضْرَا
- رَوْضَةً
- سَحَرًا: آخِرُ اللَّيْلِ.
- رَوْضٌ
- وَرْدِيٍّ
- نِسْرِينِ
- ظِلٌّ ظَلِيلٌ
- مَاءٌ كَالسُّلاَفِ
- جَبَلِ البَاجِي وَتُرْبَتِهِ
* ثَانِيًا: مُعْجَمُ العُمْرَانِ (أَلْفَاظُ المَدِينَةِ وَالحَضَارَةِ)
- المَيَادِينِ: مَيَادِينُ المَدِينَةِ.
- بَابِ سَعْدُونَ: اسْمُ مَوْضِعٍ عُمْرَانِيٍّ فِي تُونُسَ.
- شَاطِئِ المَرْسَى
- قُبَّتِهَا
- نَصْبِ البَرَاهِينِ: إِقَامَةُ الأَدِلَّةِ (بِمَعْنَى الاِسْتِدْلاَلِ، وَلَكِنَّهُ وَرَدَ فِي سِيَاقِ الجَمَالِ العُمْرَانِيِّ).
- حَلْقِ وَادِيهَا
- الأَبْرَاجِ: بُرُوجُ السُّفُنِ.
- البَيَادِقِ: قِطَعُ الشَّطْرَنْجِ، وَهُوَ تَشْبِيهٌ عُمْرَانِيٌّ/حَرْبِيٌّ.
- الفَرَازِينِ: المَلِكُ فِي الشَّطْرَنْجِ (تَشْبِيهٌ عُمْرَانِيٌّ/حَرْبِيٌّ).
- مَدَافِعِهَا: أَسْلِحَةٌ حَرْبِيَّةٌ.
- صُفُوفٍ: تَنْظِيمٌ عَسْكَرِيٌّ.
- فَوَاغِرُهَا: فَتَحَاتُ المَدَافِعِ.
القيمة التعليميّة / الأدبيّة:
يُقَدِّمُ النَّصُّ الشِّعْرِيُّ نَمُوذَجًا رَفِيعًا لِـ:
- الشِّعْرِ الوَطَنِيِّ الحَنِينِيِّ: حَيْثُ يُعَبِّرُ الشَّاعِرُ عَنْ حُبِّهِ لِوَطَنِهِ بِصُوَرٍ شِعْرِيَّةٍ مُؤَثِّرَةٍ، لاَ تَقُومُ عَلَى الوَصْفِ البَارِدِ، بَلْ عَلَى العَاطِفَةِ الجَارِفَةِ.
- الجُغْرَافْيَا الشِّعْرِيَّةِ: تَصْوِيرُ المَنَاطِقِ الجُغْرَافِيَّةِ (أَرْيَانَةُ، المَرْسَى، حَلْقُ الوَادِي، جَبَلُ البَاجِي) لاَ كَمَوَاقِعَ فَقَطْ، بَلْ كَفَضَاءَاتٍ مَحْمُولَةٍ بِالذِّكْرَيَاتِ وَالمَشَاعِرِ.
- تَقْنِيَةِ النِّدَاءِ وَالتَّشْخِيصِ: يُخَاطِبُ الشَّاعِرُ تُونُسَ كَامْرَأَةٍ حَيَّةٍ (يَا تُونِسَ...)، وَيُنَادِي رَفِيقَهُ (نَدِيمَهُ) لِيَصْحَبَهُ فِي هَذِهِ الرِّحْلَةِ الشِّعْرِيَّةِ، مِمَّا يُعْطِي النَّصَّ طَابَعًا حَمِيمِيًّا.
- المُعْجَمِ المَزْدَوِجِ (الطَّبِيعَةُ وَالعُمْرَانُ): يَمْزِجُ الشَّاعِرُ فِي وَصْفِهِ بَيْنَ أَلْفَاظِ الطَّبِيعَةِ (الرَّوْضَةُ، النَّوَاعِيرُ، الوَرْدُ، المَاءُ) وَأَلْفَاظِ العُمْرَانِ (القُبَّةُ، الأَبْرَاجُ، المَدَافِعُ)، لِيُشَكِّلَ صُورَةً تَتَوَازَنُ فِيهَا الحَضَارَةُ مَعَ الطَّبِيعَةِ.
- الحَرَكَةِ الدَّاخِلِيَّةِ لِلنَّصِّ: تَبْدَأُ القَصِيدَةُ بِالشَّوْقِ وَالحَنِينِ، ثُمَّ تَنْتَقِلُ إِلَى الرِّحْلَةِ المُتَنَقِّلَةِ بَيْنَ المَنَاطِقِ، لِتَخْتِمَ بِمَشْهَدِ الفُلْكِ وَالمَدَافِعِ فِي حَلْقِ الوَادِي، وَهِيَ لَوْحَةٌ تَجْمَعُ بَيْنَ الجَمَالِ وَالقُوَّةِ.
- الإِيقَاعِ المُوسِيقِيِّ وَالقَافِيَةِ: اِسْتِخْدَامُ القَافِيَةِ المُتَّصِلَةِ (فِي، نِينِي، وِينِي) يُعْطِي النَّصَّ وَقْعًا مُوسِيقِيًّا يَتَوَافَقُ مَعَ مَوْضُوعِ الحَنِينِ وَالاشْتِيَاقِ.
الخلاصة:
هَذَا النَّصُّ هُوَ نَشِيدُ حُبٍّ لِتُونُسَ، يَتَجَلَّى فِيهِ حَنِينُ الشَّاعِرِ الَّذِي غَادَرَ فَلَمْ يُفَارِقْهُ الحُبُّ. يُسَافِرُ بِنَا الشَّاعِرُ فِي رِحْلَةٍ شِعْرِيَّةٍ إِلَى أَرْيَانَةَ بِرَوْضِهَا وَوَرْدِهَا، وَإِلَى المَرْسَى بِشَاطِئِهَا وَقُبَّتِهَا، وَإِلَى جَبَلِ البَاجِي بِتُرْبَتِهِ، وَإِلَى حَلْقِ الوَادِي بِفُلْكِهَا وَمَدَافِعِهَا. فِي كُلِّ مَنْطَقَةٍ، يَجِدُ الشَّاعِرُ صُورَةً جَمِيلَةً يَشْتَاقُ إِلَيْهَا، وَتَذْكُرَهُ بِوَطَنِهِ الَّذِي لاَ تَزَالُ ذِكْرَاهُ تُحْيِيهِ، حَتَّى كَادَ نَسِيمُهَا يُحْيِيهِ. إِنَّهَا قَصِيدَةٌ تُجَسِّدُ عُمْقَ الاِرْتِبَاطِ بِالمَكَانِ، وَتَكْشِفُ عَنْ قُدْرَةِ الشِّعْرِ عَلَى تَحْوِيلِ الجُغْرَافْيَا إِلَى مَشَاعِرَ.


ليست هناك تعليقات:
حتى تصبح عضوا في الموسوعة المدرسية انزل إلى أسفل الصفحة