شرح نصّ في جبال خمير - 7 أساسي - محور تونس الجميلة
شرح نصّ في جبال خمير، الباجي المسعودي، السنة السابعة أساسي - محور تونس الجميلة
النصّ
طَالَ الحَدِيثُ بِالصَّدِيقَيْنِ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ، وَقَادَتْهُمَا الأَرْجُلُ إِلَى
الجَبَلِ، فَتَنَزَّهَا مُدَّةَ أَرْبَعِ سَاعَاتٍ، وَتَوَغَّلاَ فِي الغَابَةِ مَاشِيَيْنِ، ثُمَّ اسْتَقَلاَّ
السَّيَّارَةَ وَغَادَرَا (طَبَرْقَةَ)، وَفِي رِحْلَةٍ عَبْرَ مَنْطِقَةِ (خْمِيرْ) مِنْ أَدْنَاهَا إِلَى
أَقْصَاهَا، فَاخْتَرَقَتِ السَّيَّارَةُ الطُّرُقَ الجَبَلِيَّةَ الكَثِيرَةَ المُنْعَرَجَاتِ، وَكَانَتْ
تُظَلِّلُهَا الغَابَاتُ، وَتَقْطَعُهَا مِنْ حِينٍ إِلَى آخَرَ قَرْيَةٌ مَوْضُوعَةٌ كَالتَّاجِ عَلَى قِمَّةِ
الجَبَلِ، أَوْ فَصَائِلُ مِنَ الأَغْنَامِ أَوِ البَقَرِ فِي غُدُوِّهَا وَرَوَاحِهَا مِنَ المَرَاتِعِ إِلَى
اليَنَابِيعِ الكَثِيرَةِ الَّتِي تَتَفَرَّعُ عَنْهَا الجَدَاوِلُ، فَتُحْدِثُ خَرِيرًا دَائِمًا يَبْعَثُ
عَلَى الخَيَالِ وَيَسْتَوْقِفُ الرَّاكِبِينِ.
كَانَتْ جِبَالُ (خْمِيرْ) مَنْشُورَةً أَمَامَ السَّيَّارَةِ كَالإِزَارِ الأَخْضَرِ
القَشِيبِ، لاَ تَقْطَعُهَا سِوَى مُنْحَدَرَاتٍ تَزْخُرُ فِي قَعْرِهَا الوِدْيَانُ،
وَيَكْسُوهَا الصَّنَوْبَرُ وَالفِلِّينُ، فَلاَ تَرَى العَيْنُ سِوَى الغُصُونِ وَالأَفْنَانِ
وَالأَوْرَاقِ، إِلَى جَانِبِ أُصُولٍ لَحَتْهَا يَدُ الإِنْسَانِ، فَإِذَا هِيَ كَاللِّحَى
المَحْلُوقَةِ يَطِيبُ لَمْسُهَا، وَتَتَمَتَّعُ بِهَا العَيْنُ.
هُنَا، عَلَى هَذِهِ الأَرْضِ الطَّيِّبَةِ يَعِيشُ أَبْنَاءُ (خْمِيرْ) فِي وَدَاعَةٍ تُضْرَبُ بِهَا
الأَمْثَالُ... يُكْرِمُونَ الضَّيْفَ وَيَفْتَحُونَ فِي وَجْهِهِ الأَبْوَابَ بِبَسَاطَةٍ لاَ يَعْرِفُهَا إِلاَّ
الجَبَلِيُّونَ وَسُكَّانُ الغَابَاتِ، فَتَمُرُّ السَّاعَاتُ سَرِيعَةً هَادِئَةً بَيْنَ المُرُوجِ الخُضْرِ وَالدُّورِ
المُعَلَّقَةِ فِي كَنَفِ العُزْلَةِ المُطْلَقَةِ... وَكَثِيرًا مَا تَوَقَّفَ الصَّدِيقَانِ لِيَلِجَا مَعَ الجَدَاوِلِ فِي
مَسَارِبَ ضَيِّقَةٍ تَخْتَرِقُ الغَابَةَ كَالكُهُوفِ فِي سُفُوحِ الجِبَالِ، وَكَثِيرًا مَا جَلَسَا إِلَى رَاعٍ
يَسْتَفْسِرَانِهِ عَنْ حَالِهِ وَحَالِ العِيَالِ وَالمَاشِيَةِ وَمَحْصُولِ الغَابَةِ وَالأَرْضِ...
قَضَيَا جُزْءًا مِنَ الأُمْسِيَّةِ بَيْنَ رُكُوبِ السَّيَّارَةِ فِي الطُّرُقَاتِ المُعَبَّدَةِ، وَالمَشْيِ فِي
الأَوْعَارِ وَالمُنْحَدَرَاتِ وَالمَسَارِبِ، إِلَى أَنْ غَابَتِ الشَّمْسُ وَتَوَّجَتْ آلاَفَ الأَشْجَارِ مِنْ
حَوْلِهَا بِتَاجٍ قِرْمِزِيٍّ وَهَّاجٍ، فَقَفَلاَ رَاجِعَيْنِ إِلَى النُّزُلِ، وَقَضَيَا فَتْرَةً عَلَى الشَّاطِئِ إِلَى
أَنْ حَانَ مَوْعِدُ العَشَاءِ، فَتَعَشَّيَا فِي نَهَمٍ كَبِيرٍ، ثُمَّ مَا لَبِثَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ اِلْتَحَقَ
بِغُرْفَتِهِ، وَمَا كَادَ يَسْتَلْقِي عَلَى فِرَاشِهِ حَتَّى أَخَذَهُ النُّعَاسُ، فَنَامَ إِلَى الصَّبَاحِ فِي هُدُوءٍ
وَسَلاَمٍ.
التقديم:
نَصٌّ سَرْدِيٌّ بِعُنْوَانِ «فِي جِبَالِ خْمِيرْ» يَنْدَرِجُ ضِمْنَ المِحْوَرِ الرَّابِعِ: «تُونِسُ الجَمِيلَةُ» لِلْكَاتِبِ وَالأَدِيبِ التُّونِسِيِّ مُصْطَفَى الفَارِسِيِّ.
موضوع النصّ ومحاوره الرئيسة:
يَنْدَرِجُ هَذَا النَّصُّ تَحْتَ أَدَبِ الرِّحْلَةِ وَالوَصْفِ الطَّبِيعِيِّ، وَهُوَ يَصِفُ رِحْلَةَ صَدِيقَيْنِ إِلَى مِنطقَة خْمِيرْ بِشِمَالِ غَرْبِ تُونُسَ، مُصَوِّرًا جَمَالَ الطَّبِيعَةِ البِكْرِ وَحَيَاةَ سُكَّانِهَا البَسِيطَةَ، فِي لَوْحَةٍ تَمْتَزِجُ فِيهَا المَشَاهِدُ الحِسِّيَّةُ بِالمَشَاعِرِ الخَيِّرَةِ.
الفكرة العامة:
يَصِفُ النَّصُّ رِحْلَةَ صَدِيقَيْنِ إِلَى مِنطقَة خْمِيرْ، مُبْرِزًا جَمَالَ الطَّبِيعَةِ الغَنَّاءَ (الغَابَاتُ، اليَنَابِيعُ، الوِدْيَانُ، الجَدَاوِلُ، أَشْجَارُ الصَّنَوْبَرِ وَالفِلِّينِ)، وَمُتَوَقِّفًا عِنْدَ بَسَاطَةِ سُكَّانِهَا وَكَرَمِهِمْ وَوَدَاعَتِهِمْ، فِي رِحْلَةٍ تَمْزِجُ بَيْنَ الاِنْدِمَاجِ فِي الطَّبِيعَةِ وَالتَّعَرُّفِ عَلَى النَّاسِ.
المحاور الرئيسة:
* مِحْوَرُ الرِّحْلَةِ وَالاِنْدِمَاجِ فِي الطَّبِيعَةِ:
المَوْضُوعُ: تَنْقَلُ الصَّدِيقَانِ بَيْنَ الغَابَاتِ وَالجِبَالِ وَالوِدْيَانِ، مُسْتَمْتِعَيْنِ بِالمَنَاظِرِ وَالأَصْوَاتِ.
التَّفَاصِيلُ:
- "طَالَ الحَدِيثُ... فَتَنَزَّهَا مُدَّةَ أَرْبَعِ سَاعَاتٍ، وَتَوَغَّلاَ فِي الغَابَةِ مَاشِيَيْنِ".
- "اخْتَرَقَتِ السَّيَّارَةُ الطُّرُقَ الجَبَلِيَّةَ الكَثِيرَةَ المُنْعَرَجَاتِ".
- "تُظَلِّلُهَا الغَابَاتُ".
- "قَرْيَةٌ مَوْضُوعَةٌ كَالتَّاجِ عَلَى قِمَّةِ الجَبَلِ".
* مِحْوَرُ الوَصْفِ الطَّبِيعِيِّ الحِسِّيِّ:
المَوْضُوعُ: رَصْدٌ دَقِيقٌ لِعَنَاصِرِ الطَّبِيعَةِ بِحَوَاسِّ مُخْتَلِفَةٍ.
التَّفَاصِيلُ:
- المَظَاهِرُ البَصَرِيَّةُ: "جِبَالُ خْمِيرْ مَنْشُورَةً كَالإِزَارِ الأَخْضَرِ القَشِيبِ"، "تَزْخُرُ فِي قَعْرِهَا الوِدْيَانُ"، "يَكْسُوهَا الصَّنَوْبَرُ وَالفِلِّينُ"، "أُصُولٌ لَحَتْهَا يَدُ الإِنْسَانِ"، "تَاجٍ قِرْمِزِيٍّ وَهَّاجٍ".
- المَظَاهِرُ السَّمْعِيَّةُ: "تُحْدِثُ خَرِيرًا دَائِمًا يَبْعَثُ عَلَى الخَيَالِ".
- المَظَاهِرُ اللَّمْسِيَّةُ: "يَطِيبُ لَمْسُهَا".
* مِحْوَرُ الإِنْسَانِ وَالطَّبِيعَةِ (بَسَاطَةُ الجَبَلِيِّينَ):
المَوْضُوعُ: رَصْدُ خِصَالِ سُكَّانِ المَنْطَقَةِ وَانْدِمَاجُ الصَّدِيقَيْنِ مَعَهُمْ.
التَّفَاصِيلُ:
- "يَعِيشُ أَبْنَاءُ خْمِيرْ فِي وَدَاعَةٍ تُضْرَبُ بِهَا الأَمْثَالُ".
- "يُكْرِمُونَ الضَّيْفَ وَيَفْتَحُونَ فِي وَجْهِهِ الأَبْوَابَ بِبَسَاطَةٍ لاَ يَعْرِفُهَا إِلاَّ الجَبَلِيُّونَ".
- "جَلَسَا إِلَى رَاعٍ يَسْتَفْسِرَانِهِ عَنْ حَالِهِ وَحَالِ العِيَالِ وَالمَاشِيَةِ وَمَحْصُولِ الغَابَةِ وَالأَرْضِ".
- "الدُّورُ المُعَلَّقَةُ فِي كَنَفِ العُزْلَةِ المُطْلَقَةِ".
الإجابة عن الأسئلة:
1- قَطِّعِ النَّصَّ حَسَبَ مِعْيَارِ نَمَطِ الكِتَابَةِ (سَرْدٌ - وَصْفٌ - سَرْدٌ)، وَاضِعًا الحُدُودَ وَالعَنَاوِينِ.
* الوَحْدَةُ الأُولَى: السَّرْدُ
الحُدُودُ: مِنْ بِدَايَةِ النَّصِّ: "طَالَ الحَدِيثُ بِالصَّدِيقَيْنِ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ..." إِلَى قَوْلِهِ: "...فَتُحْدِثُ خَرِيرًا دَائِمًا يَبْعَثُ عَلَى الخَيَالِ وَيَسْتَوْقِفُ الرَّاكِبِينَ."
العُنْوَانُ المُقْتَرَحُ: انْطِلاَقُ الرِّحْلَةِ وَتَخَطِّي الطَّرِيقِ الجَبَلِيِّ.
شَرْحُ الحَدَثِ: يَبْدَأُ السَّارِدُ بِسَرْدِ أَحْدَاثِ الرِّحْلَةِ: حَدِيثُ الصَّدِيقَيْنِ، تَنَزُّهَهُمَا عَلَى الأَقْدَامِ فِي الغَابَةِ، ثُمَّ رُكُوبُ السَّيَّارَةِ وَاجْتِيَازُهَا الطُّرُقَ الجَبَلِيَّةَ المُنْعَرَجَاتِ. فِي هَذِهِ الوَحْدَةِ، يَتَدَاخَلُ السَّرْدُ مَعَ بَعْضِ العَنَاصِرِ الوَصْفِيَّةِ (القَرْيَةُ كَالتَّاجِ، الغَابَاتُ، الجَدَاوِلُ)، لَكِنَّ الغَالِبَ هُوَ السَّرْدُ الَّذِي يَتَتَبَّعُ حَرَكَةَ الصَّدِيقَيْنِ.
* الوَحْدَةُ الثَّانِيَةُ: الوَصْفُ
الحُدُودُ: مِنْ قَوْلِهِ: "كَانَتْ جِبَالُ خْمِيرْ مَنْشُورَةً أَمَامَ السَّيَّارَةِ كَالإِزَارِ الأَخْضَرِ القَشِيبِ..." إِلَى قَوْلِهِ: "...وَتَتَمَتَّعُ بِهَا العَيْنُ."
العُنْوَانُ المُقْتَرَحُ: جَمَالُ الطَّبِيعَةِ فِي جِبَالِ خْمِيرْ.
شَرْحُ الحَدَثِ: يَنْتَقِلُ السَّارِدُ إِلَى الوَصْفِ المُحَضِّ، فَيَرْسُمُ لِلْقَارِئِ صُورَةً كَامِلَةً عَنْ جِبَالِ خْمِيرْ: يُشَبِّهُهَا بِالإِزَارِ الأَخْضَرِ القَشِيبِ، وَيَصِفُ الوِدْيَانَ الَّتِي تَزْخُرُ فِي قَعْرِ المُنْحَدَرَاتِ، وَأَشْجَارَ الصَّنَوْبَرِ وَالفِلِّينِ، وَأُصُولَ الأَشْجَارِ المَحْلُوقَةَ كَاللِّحَى الَّتِي يَطِيبُ لَمْسُهَا. هَذِهِ الوَحْدَةُ خَالِيَةٌ مِنَ الحَرَكَةِ السَّرْدِيَّةِ، مُكَرَّسَةٌ بِالكَامِلِ لِلْوَصْفِ الطَّبِيعِيِّ الحِسِّيِّ.
* الوَحْدَةُ الثَّالِثَةُ: السَّرْدُ
الحُدُودُ: مِنْ قَوْلِهِ: "هُنَا، عَلَى هَذِهِ الأَرْضِ الطَّيِّبَةِ يَعِيشُ أَبْنَاءُ خْمِيرْ فِي وَدَاعَةٍ..." إِلَى نِهَايَةِ النَّصِّ.
العُنْوَانُ المُقْتَرَحُ: العَوْدَةُ مِنَ الرِّحْلَةِ وَخِتَامُ اليَوْمِ.
شَرْحُ الحَدَثِ: يَعُودُ السَّارِدُ إِلَى السَّرْدِ، فَيَصِفُ تَفَاعُلَ الصَّدِيقَيْنِ مَعَ سُكَّانِ المَنْطَقَةِ (وَدَاعَتُهُمْ، كَرَمُهُمْ، جُلُوسُهُمَا إِلَى رَاعٍ يَسْتَفْسِرَانِهِ)، ثُمَّ يَسْرِدُ أَطْوَارَ خِتَامِ الرِّحْلَةِ: قَضَاءُ جُزْءٍ مِنَ الأُمْسِيَّةِ بَيْنَ رُكُوبِ السَّيَّارَةِ وَالمَشْيِ فِي الأَوْعَارِ، غُرُوبُ الشَّمْسِ وَتَوْجِيهُ الأَشْجَارِ، العَوْدَةُ إِلَى النُّزُلِ، قَضَاءُ فَتْرَةٍ عَلَى الشَّاطِئِ، العَشَاءُ، ثُمَّ النَّوْمُ الهَانِئُ. هَذِهِ الوَحْدَةُ تَحْمِلُ الحَرَكَةَ وَتَتَتَبَّعُ انْتِهَاءَ الرِّحْلَةِ.
2- مَا الَّذِي يَدُلُّ فِي الوَحْدَةِ الأُولَى عَلَى اسْتِمْتَاعِ الصَّدِيقَيْنِ بِالنُّزْهَةِ وَانْشِدَادِهِمَا إِلَى المَكَانِ؟
يَظْهَرُ اسْتِمْتَاعُ الصَّدِيقَيْنِ وَانْشِدَادُهُمَا إِلَى المَكَانِ فِي الوَحْدَةِ الأُولَى مِنْ خِلاَلِ عِدَّةِ قَرَائِنَ:
* أَوَّلاً: طُولُ المُكْثِ فِي النُّزْهَةِ وَعَدَمُ المَلَلِ
- "طَالَ الحَدِيثُ بِالصَّدِيقَيْنِ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ".
- "فَتَنَزَّهَا مُدَّةَ أَرْبَعِ سَاعَاتٍ، وَتَوَغَّلاَ فِي الغَابَةِ مَاشِيَيْنِ".
هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا لَمْ يَشْعُرَا بِالمَلَلِ أَوِ التَّعَبِ، بَلِ اسْتَمَرَّا فِي النُّزْهَةِ لِوَقْتٍ طَوِيلٍ، وَتَوَغَّلاَ فِي الغَابَةِ رَاجِلَيْنِ.
* ثَانِيًا: الاِسْتِمْتَاعُ بِالمَشَاهِدِ الطَّبِيعِيَّةِ رَغْمَ صُعُوبَةِ الطَّرِيقِ
- "اخْتَرَقَتِ السَّيَّارَةُ الطُّرُقَ الجَبَلِيَّةَ الكَثِيرَةَ المُنْعَرَجَاتِ".
رَغْمَ صُعُوبَةِ الطُّرُقِ الجَبَلِيَّةِ المُتَلَوِّيَةِ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَائِقًا أَمَامَ اسْتِمْتَاعِهِمَا.
* ثَالِثًا: التَّوَقُّفُ وَالإِعْجَابُ بِالمَنَاظِرِ
- "وَكَانَتْ تُظَلِّلُهَا الغَابَاتُ".
- "وَقَرْيَةٌ مَوْضُوعَةٌ كَالتَّاجِ عَلَى قِمَّةِ الجَبَلِ".
هَذَا الوَصْفُ المُعْجَبُ لِلْغَابَاتِ وَلِلْقَرْيَةِ كَالتَّاجِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّدِيقَيْنِ كَانَا يَتَأَمَّلاَنِ هَذِهِ المَشَاهِدَ وَيَسْتَمْتِعَانِ بِهَا.
* رَابِعًا: الاِنْشِدَادُ بِخَرِيرِ الجَدَاوِلِ
- "تَتَفَرَّعُ عَنْهَا الجَدَاوِلُ، فَتُحْدِثُ خَرِيرًا دَائِمًا يَبْعَثُ عَلَى الخَيَالِ وَيَسْتَوْقِفُ الرَّاكِبِينَ".
هَذِهِ العِبَارَةُ تُظْهِرُ أَنَّ صَوْتَ خَرِيرِ المَاءِ كَانَ مُؤَثِّرًا فِيهِمَا، حَتَّى جَعَلَهُمَا يَتَوَقَّفَانِ لِيَسْتَمِعَا إِلَيْهِ، وَأَثَارَ خَيَالَهُمَا. فِعْلُ "يَسْتَوْقِفُ" يَدُلُّ عَلَى قُوَّةِ التَّأْثِيرِ.
* خَامِسًا: الاِنْدِمَاجُ فِي الحَرَكَةِ وَالطَّبِيعَةِ
- "وَفِي رِحْلَةٍ عَبْرَ مَنْطِقَةِ خْمِيرْ مِنْ أَدْنَاهَا إِلَى أَقْصَاهَا".
هَذَا يُبْرِزُ أَنَّ الصَّدِيقَيْنِ لَمْ يَكْتَفِيَا بِمُشَاهَدَةِ جُزْءٍ مِنَ المَنْطَقَةِ، بَلْ قَطَعَاهَا مِنْ أَدْنَاهَا إِلَى أَقْصَاهَا، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ رَغْبَتِهِمَا فِي الاِسْتِمْتَاعِ.
كُلُّ هَذِهِ العَنَاصِرِ تُبْرِزُ أَنَّ الصَّدِيقَيْنِ كَانَا فِي حَالَةِ انْجِذَابٍ تَامٍّ لِلطَّبِيعَةِ الَّتِي يَمُرَّانِ بِهَا، لاَ يَمُرَّانِ فَقَطْ، بَلْ يَتَفَاعَلاَنِ مَعَهَا بِكُلِّ حَوَاسِّهِمَا.
3- رَبَطَ السَّارِدُ جَمَالَ الطَّبِيعَةِ بِجَمَالِ بَعْضِ الخِصَالِ الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِهَا السُّكَّانُ، وَضِّحْ ذَلِكَ.
رَبَطَ السَّارِدُ فِي النَّصِّ بَيْنَ جَمَالِ الطَّبِيعَةِ فِي جِبَالِ خْمِيرْ وَبَيْنَ خِصَالِ أَهْلِهَا، مُبْرِزًا أَنَّ المَكَانَ يُشَكِّلُ النَّاسَ كَمَا يُشَكِّلُونَ هُمُ المَكَانَ. وَيَتَجَلَّى هَذَا الرَّبْطُ فِي النِّقَاطِ التَّالِيَةِ:
* أَوَّلاً: الوَدَاعَةُ فِي الطَّبِيعَةِ وَالوَدَاعَةُ فِي النَّاسِ
تَظْهَرُ الطَّبِيعَةُ فِي صُورَةِ الغَابَاتِ المُظَلِّلَةِ وَالجَدَاوِلِ ذَاتِ الخَرِيرِ الدَّائِمِ، وَجِبَالِ خْمِيرْ المَنْشُورَةِ كَالإِزَارِ الأَخْضَرِ القَشِيبِ. هَذِهِ صُورَةُ طَبِيعَةٍ هَادِئَةٍ مُطْمَئِنَّةٍ. وَفِي المُقَابِلِ، يَعِيشُ أَبْنَاءُ خْمِيرْ فِي "وَدَاعَةٍ تُضْرَبُ بِهَا الأَمْثَالُ". فَالسُّكَّانُ يَتَّصِفُونَ بِالوَدَاعَةِ نَفْسِهَا الَّتِي تَتَّصِفُ بِهَا الطَّبِيعَةُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ المَكَانَ قَدْ طَبَعَهُمْ بِطَابِعِهِ.
* ثَانِيًا: البَسَاطَةُ فِي الطَّبِيعَةِ وَالبَسَاطَةُ فِي التَّعَامُلِ
تَجَلَّتِ الطَّبِيعَةُ فِي القُرَى المَوْضُوعَةِ "كَالتَّاجِ عَلَى قِمَّةِ الجَبَلِ"، وَفِي الأُصُولِ المَحْلُوقَةِ "كَاللِّحَى المَحْلُوقَةِ" الَّتِي تَطِيبُ لَمْسُهَا. هَذِهِ صُورَةُ طَبِيعَةٍ بَسِيطَةٍ غَيْرِ مُتَكَلِّفَةٍ. وَفِي المُقَابِلِ، يَفْتَحُ السُّكَّانُ أَبْوَابَهُمْ لِلضَّيْفِ "بِبَسَاطَةٍ لاَ يَعْرِفُهَا إِلاَّ الجَبَلِيُّونَ". الكَرَمُ هُنَا لَيْسَ كَرَمَ أَغْنِيَاءِ المُدُنِ المَصْحُوبَ بِالتَّكَلُّفِ، بَلْ هُوَ كَرَمٌ بَسِيطٌ تِلْقَائِيٌّ نَابِعٌ مِنْ طَبِيعَةِ المَكَانِ.
* ثَالِثًا: الاِنْدِمَاجُ فِي الطَّبِيعَةِ يَقُودُ إِلَى الاِنْدِمَاجِ فِي النَّاسِ
تَجَلَّتِ الطَّبِيعَةُ فِي "المَسَارِبِ الضَّيِّقَةِ الَّتِي تَخْتَرِقُ الغَابَةَ كَالكُهُوفِ" وَفِي "الجَدَاوِلِ" الَّتِي تَخْرُجُ مِنَ اليَنَابِيعِ. هَذِهِ دَعْوَةٌ لِلتَّجَوُّلِ وَالاِكْتِشَافِ. وَلَمْ يَكْتَفِ الصَّدِيقَانِ بِمُشَاهَدَةِ الطَّبِيعَةِ، بَلْ جَلَسَا إِلَى رَاعٍ "يَسْتَفْسِرَانِهِ عَنْ حَالِهِ وَحَالِ العِيَالِ وَالمَاشِيَةِ وَمَحْصُولِ الغَابَةِ وَالأَرْضِ". الطَّبِيعَةُ هِيَ الجِسْرُ الَّذِي وَصَلَهُمْ بِالنَّاسِ.
* رَابِعًا: العُزْلَةُ كَحَالَةٍ مُشْتَرَكَةٍ بَيْنَ المَكَانِ وَسُكَّانِهِ
جِبَالُ خْمِيرْ هِيَ جِبَالٌ مُنْعَزِلَةٌ بَعِيدَةٌ عَنِ المُدُنِ وَصَخَبِهَا. وَكَمَا أَنَّ الجِبَالَ مُنْعَزِلَةٌ، فَكَذَلِكَ دُورُ السُّكَّانِ فِي هَذِهِ المِنْطَقَةِ "مُعَلَّقَةٌ فِي كَنَفِ العُزْلَةِ المُطْلَقَةِ". العُزْلَةُ لَيْسَتْ عَزْلَةَ قَهْرٍ، بَلْ هِيَ عَزْلَةٌ صَنَعَتْ بَسَاطَةَ النَّاسِ وَوَدَاعَتَهُمْ، فَلَمْ تَصِلْ إِلَيْهِمْ تَعْقِيدَاتُ الحَضَارَةِ.
4- اسْتَخْلِصْ مِنَ النَّصِّ مَا يُفِيدُ تَنَوُّعَ مَظَاهِرِ الجَمَالِ فِي هَذَا الجُزْءِ مِنَ الوَطَنِ.
يَتَجَلَّى تَنَوُّعُ مَظَاهِرِ الجَمَالِ فِي جِبَالِ خْمِيرْ مِنْ خِلاَلِ عِدَّةِ عَنَاصِرَ تَشْمَلُ الطَّبِيعَةَ وَالعُمْرَانَ وَالإِنْسَانَ وَالأَصْوَاتَ، وَيُمْكِنُ اسْتِخْلاَصُهَا كَمَا يَلِي:
* أَوَّلاً: جَمَالُ الطَّبِيعَةِ الجَبَلِيَّةِ
- الغَابَاتُ: "تُظَلِّلُهَا الغَابَاتُ"، "يَكْسُوهَا الصَّنَوْبَرُ وَالفِلِّينُ"، "لاَ تَقْطَعُهَا سِوَى مُنْحَدَرَاتٍ".
- الجِبَالُ: "جِبَالُ خْمِيرْ مَنْشُورَةً أَمَامَ السَّيَّارَةِ كَالإِزَارِ الأَخْضَرِ القَشِيبِ".
- الوِدْيَانُ: "تَزْخُرُ فِي قَعْرِهَا الوِدْيَانُ".
- أَشْجَارُ الصَّنَوْبَرِ وَالفِلِّينِ: "يَكْسُوهَا الصَّنَوْبَرُ وَالفِلِّينُ، فَلاَ تَرَى العَيْنُ سِوَى الغُصُونِ وَالأَفْنَانِ وَالأَوْرَاقِ".
- الأُصُولُ المَحْلُوقَةُ: "أُصُولٍ لَحَتْهَا يَدُ الإِنْسَانِ، فَإِذَا هِيَ كَاللِّحَى المَحْلُوقَةِ يَطِيبُ لَمْسُهَا".
- غُرُوبُ الشَّمْسِ: "غَابَتِ الشَّمْسُ وَتَوَّجَتْ آلاَفَ الأَشْجَارِ مِنْ حَوْلِهَا بِتَاجٍ قِرْمِزِيٍّ وَهَّاجٍ".
* ثَانِيًا: جَمَالُ المِيَاهِ
- اليَنَابِيعُ: "يَنَابِيعَ كَثِيرَةٍ".
- الجَدَاوِلُ: "تَتَفَرَّعُ عَنْهَا الجَدَاوِلُ".
- خَرِيرُ المَاءِ: "فَتُحْدِثُ خَرِيرًا دَائِمًا يَبْعَثُ عَلَى الخَيَالِ".
* ثَالِثًا: جَمَالُ العُمْرَانِ البَسِيطِ
- القُرَى: "قَرْيَةٌ مَوْضُوعَةٌ كَالتَّاجِ عَلَى قِمَّةِ الجَبَلِ".
- الدُّورُ: "الدُّورُ المُعَلَّقَةُ فِي كَنَفِ العُزْلَةِ المُطْلَقَةِ".
* رَابِعًا: جَمَالُ الحَرَكَةِ وَالحَيَاةِ
- فَصَائِلُ الأَغْنَامِ وَالبَقَرِ: "فَصَائِلُ مِنَ الأَغْنَامِ أَوِ البَقَرِ فِي غُدُوِّهَا وَرَوَاحِهَا مِنَ المَرَاتِعِ إِلَى اليَنَابِيعِ".
- الرَّاعِي: "جَلَسَا إِلَى رَاعٍ يَسْتَفْسِرَانِهِ عَنْ حَالِهِ وَحَالِ العِيَالِ وَالمَاشِيَةِ".
* خَامِسًا: جَمَالُ الأَلْوَانِ
- الأَخْضَرُ: "كَالإِزَارِ الأَخْضَرِ القَشِيبِ".
- القِرْمِزِيُّ: "تَاجٍ قِرْمِزِيٍّ وَهَّاجٍ".
* سَادِسًا: جَمَالُ الأَصْوَاتِ
- خَرِيرُ الجَدَاوِلِ: "فَتُحْدِثُ خَرِيرًا دَائِمًا".
- صَوْتُ المَاءِ: "يَبْعَثُ عَلَى الخَيَالِ".
* سَابِعًا: جَمَالُ الإِنْسَانِ وَخِصَالِهِ
- الوَدَاعَةُ: "يَعِيشُ أَبْنَاءُ خْمِيرْ فِي وَدَاعَةٍ تُضْرَبُ بِهَا الأَمْثَالُ".
- البَسَاطَةُ وَالكَرَمُ: "يُكْرِمُونَ الضَّيْفَ وَيَفْتَحُونَ فِي وَجْهِهِ الأَبْوَابَ بِبَسَاطَةٍ لاَ يَعْرِفُهَا إِلاَّ الجَبَلِيُّونَ".
5- هَاتِ مِنَ النَّصِّ أَمْثِلَةً لاِمْتِزَاجِ الوَصْفِ بِالخَيَالِ، وَبَيِّنْ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ مِنْ مَشَاعِرِ السَّارِدِ.
* أَوَّلاً: أَمْثِلَةُ امْتِزَاجِ الوَصْفِ بِالخَيَالِ مِنَ النَّصِّ:
1. تَشْبِيهُ جِبَالِ خْمِيرْ بِالإِزَارِ الأَخْضَرِ القَشِيبِ:
- "كَانَتْ جِبَالُ خْمِيرْ مَنْشُورَةً أَمَامَ السَّيَّارَةِ كَالإِزَارِ الأَخْضَرِ القَشِيبِ".
شَرْحُ الامْتِزَاجِ: الوَصْفُ الحِسِّيُّ لِلْجِبَالِ (مَنْشُورَةً أَمَامَ السَّيَّارَةِ) يَمْتَزِجُ بِالخَيَالِ الَّذِي يَرَاهَا كَثَوْبٍ أَخْضَرَ جَمِيلٍ مُنَشَّرٍ.
مَشَاعِرُ السَّارِدِ: يَدُلُّ عَلَى إِعْجَابٍ كَبِيرٍ بِالمَنْظَرِ، وَرُؤْيَةِ الطَّبِيعَةِ كَشَيْءٍ أَنِيقٍ يَسُرُّ العَيْنَ.
2. تَشْبِيهُ القَرْيَةِ بِالتَّاجِ عَلَى قِمَّةِ الجَبَلِ:
- "قَرْيَةٌ مَوْضُوعَةٌ كَالتَّاجِ عَلَى قِمَّةِ الجَبَلِ".
شَرْحُ الامْتِزَاجِ: الوَصْفُ لِلْقَرْيَةِ بِأَنَّهَا "مَوْضُوعَةٌ" يَمْتَزِجُ بِالخَيَالِ الَّذِي يُشَبِّهُهَا بِالتَّاجِ، فَتُصْبِحُ القَرْيَةُ عُنْصُرَ زِينَةٍ يَتَوَّجُ الجَبَلَ.
مَشَاعِرُ السَّارِدِ: يَدُلُّ عَلَى نَظْرَةِ تَقْدِيرٍ وَإِعْجَابٍ لِلْقَرْيَةِ الجَبَلِيَّةِ، كَأَنَّهَا لَيْسَتْ مَكَانًا عَادِيًّا بَلْ تَاجٌ يُزَيِّنُ الجَبَلَ.
3. تَشْبِيهُ أُصُولِ الأَشْجَارِ بِاللِّحَى المَحْلُوقَةِ:
- "إِلَى جَانِبِ أُصُولٍ لَحَتْهَا يَدُ الإِنْسَانِ، فَإِذَا هِيَ كَاللِّحَى المَحْلُوقَةِ يَطِيبُ لَمْسُهَا".
شَرْحُ الامْتِزَاجِ: الوَصْفُ الحِسِّيُّ لِلْأُصُولِ (مَحْلُوقَةٌ) يَمْتَزِجُ بِالخَيَالِ الَّذِي يُشَبِّهُهَا بِاللِّحَى، حَتَّى يَطِيبَ لَمْسُهَا كَلَمْسِ الذَّقَنِ المَحْلُوقِ.
مَشَاعِرُ السَّارِدِ: يَدُلُّ عَلَى رِقَّةِ الإِحْسَاسِ وَالاِنْدِمَاجِ التَّامِّ مَعَ الطَّبِيعَةِ، حَتَّى صَارَ يَتَعَامَلُ مَعَ أَشْجَارِهَا كَأَنَّهَا جُزْءٌ مِنْ جَسَدِهِ.
4. تَشْبِيهُ المَسَارِبِ الضَّيِّقَةِ بِالكُهُوفِ فِي سُفُوحِ الجِبَالِ:
- "مَسَارِبَ ضَيِّقَةٍ تَخْتَرِقُ الغَابَةَ كَالكُهُوفِ فِي سُفُوحِ الجِبَالِ".
شَرْحُ الامْتِزَاجِ: الوَصْفُ الحَرَكِيُّ لِلْمَسَارِبِ (تَخْتَرِقُ الغَابَةَ) يَمْتَزِجُ بِالخَيَالِ الَّذِي يُشَبِّهُهَا بِالكُهُوفِ، فَتُصْبِحُ المَسَارِبُ مَكَانًا غَامِضًا مُثِيرًا.
مَشَاعِرُ السَّارِدِ: يَدُلُّ عَلَى حُسْنِ التَّأَمُّلِ وَالاِسْتِمْتَاعِ بِتَفَاصِيلِ الطَّبِيعَةِ، حَتَّى أَضْفَى عَلَى المَسَارِبِ طَابَعًا أَسَطُورِيًّا.
5. تَشْبِيهُ غُرُوبِ الشَّمْسِ بِتَاجٍ قِرْمِزِيٍّ وَهَّاجٍ:
- "غَابَتِ الشَّمْسُ وَتَوَّجَتْ آلاَفَ الأَشْجَارِ مِنْ حَوْلِهَا بِتَاجٍ قِرْمِزِيٍّ وَهَّاجٍ".
شَرْحُ الامْتِزَاجِ: الوَصْفُ الحِسِّيُّ لِغُرُوبِ الشَّمْسِ يَمْتَزِجُ بِالخَيَالِ الَّذِي يَتَخَيَّلُ الشَّمْسَ كَمَلِكَةٍ تُوِّجَتْ بِالتَّاجِ القِرْمِزِيِّ، فَتَتَحَوَّلُ أَلْوَانُ الغُرُوبِ إِلَى تَاجٍ يَعْلُو رُؤُوسَ الأَشْجَارِ.
مَشَاعِرُ السَّارِدِ: يَدُلُّ عَلَى دَهْشَةٍ كَبِيرَةٍ وَإِعْجَابٍ شِعْرِيٍّ بِهَذَا المَشْهَدِ، وَجَعَلَهُ ذُرْوَةَ الجَمَالِ فِي الرِّحْلَةِ.
* ثَانِيًا: دَلاَلَةُ امْتِزَاجِ الوَصْفِ بِالخَيَالِ عَلَى مَشَاعِرِ السَّارِدِ:
- الإِعْجَابٌ بِالطَّبِيعَةِ: السَّارِدُ لاَ يَرَى الطَّبِيعَةَ كَمَا هِيَ فَقَطْ، بَلْ يَرَاهَا مُحَمَّلَةً بِالجَمَالِ وَالبَهَاءِ، فَيُضْفِي عَلَيْهَا خَيَالَهُ لِيُصَوِّرَهَا أَجْمَلَ مِمَّا هِيَ.
- انْدِمَاجٌ تَامٌّ مَعَ المَكَانِ: هَذِهِ الصُّوَرُ الخَيَالِيَّةُ (الإِزَارُ، التَّاجُ، اللِّحَى، الكُهُوفُ) تَدُلُّ عَلَى أَنَّ السَّارِدَ لَمْ يَكُنْ مُشَاهِدًا بَارِدًا، بَلْ انْدَمَجَ فِي الطَّبِيعَةِ حَتَّى صَارَتْ جُزْءًا مِنْ تَخَيُّلاَتِهِ وَمَشَاعِرِهِ.
- حِسٌّ شِعْرِيٌّ رَفِيعٌ: السَّارِدُ يَنْظُرُ إِلَى الطَّبِيعَةِ بِعَيْنِ شَاعِرٍ، فَيَرَى فِي الجِبَالِ إِزَارًا، وَفِي القَرْيَةِ تَاجًا، وَفِي الغُرُوبِ تَوْجِيهًا مَلَكِيًّا. هَذَا يُبْرِزُ رُوحَهُ الشِّعْرِيَّةَ وَتَأَمُّلَهُ الجَمَالِيَّ.
- الاِسْتِمْتَاعُ الحِسِّيُّ المُتَكَامِلُ: لَمْ يَكْتَفِ السَّارِدُ بِوَصْفِ مَا يَرَاهُ، بَلْ أَضَافَ إِلَيْهِ مَا يَخْيَلُهُ وَمَا يَشْعُرُ بِهِ (يَطِيبُ لَمْسُهَا، يَبْعَثُ عَلَى الخَيَالِ)، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى اسْتِمْتَاعٍ يَشْمَلُ الحَوَاسَّ كُلَّهَا.
القيمة التعليميّة / الأدبيّة:
يُقَدِّمُ النَّصُّ نَمُوذَجًا أَدَبِيًّا رَفِيعًا لِـ:
- أَدَبِ الرِّحْلَةِ الطَّبِيعِيِّ: تَصْوِيرُ رِحْلَةٍ فِي الطَّبِيعَةِ البِكْرِ بِعَيْنِ مُتَأَمِّلٍ، يَرْصُدُ التَّفَاصِيلَ الدَّقِيقَةَ وَيَغْتَرِفُ مِنْ جَمَالِهَا.
- الوَصْفِ الحِسِّيِّ المُتَكَامِلِ: اِمْتِزَاجُ الحَوَاسِّ فِي الوَصْفِ (البَصَرُ: الإِزَارُ الأَخْضَرُ، التَّاجُ القِرْمِزِيُّ؛ السَّمْعُ: خَرِيرُ الجَدَاوِلِ؛ اللَّمْسُ: لَمْسُ الأُصُولِ المَحْلُوقَةِ)، مِمَّا يُحْيِي المَشْهَدَ فِي نَفْسِ القَارِئِ.
- رَسْمِ صُورَةِ الجَبَلِيِّ البَسِيطِ: يَرْسُمُ النَّصُّ صُورَةَ سُكَّانِ الجِبَالِ كَأُنْمُوذَجٍ لِلْكَرَمِ وَالبَسَاطَةِ وَالوَدَاعَةِ، مُقَابِلاً بَيْنَ جَمَالِ الطَّبِيعَةِ الخَامِّ وَجَمَالِ الرُّوحِ الإِنْسَانِيَّةِ.
- المُقَابَلَةِ بَيْنَ الحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ: يَتَقَاطَعُ فِي النَّصِّ مَشْهَدُ الحَرَكَةِ (رُكُوبُ السَّيَّارَةِ، المَشْيُ فِي الأَوْعَارِ، تَخَطِّي الجَدَاوِلِ) مَعَ مَشَاهِدِ السُّكُونِ وَالهُدُوءِ (الجُلُوسُ إِلَى الرَّاعِي، اسْتِمَاعُ خَرِيرِ المَاءِ، النَّوْمُ فِي هُدُوءٍ وَسَلاَمٍ).
- التَّشْبِيهِ الجَمِيلِ: تَوْظِيفُ التَّشْبِيهَاتِ لِإِضْفَاءِ الطَّابَعِ الشِّعْرِيِّ عَلَى النَّصِّ: "كَالإِزَارِ الأَخْضَرِ القَشِيبِ"، "كَاللِّحَى المَحْلُوقَةِ يَطِيبُ لَمْسُهَا"، "كَالكُهُوفِ فِي سُفُوحِ الجِبَالِ".
- البِنَاءِ الزَّمَنِيِّ الدَّائِرِيِّ: يَبْدَأُ النَّصُّ بِالتَّجَوُّلِ فِي الطَّبِيعَةِ نَهَارًا، وَيَنْتَهِي بِلَيْلٍ هَادِئٍ تَأْخُذُ فِيهِ الرَّاحَةُ جَمِيعَ الأَعْضَاءِ، مُحَقِّقًا وَحْدَةً عُضْوِيَّةً فِي البِنَاءِ.
الخلاصة:
هَذَا النَّصُّ هُوَ رِحْلَةٌ حِسِّيَّةٌ وَرُوحِيَّةٌ فِي جِبَالِ خْمِيرْ. يَنْدَمِجُ الصَّدِيقَانِ فِي الطَّبِيعَةِ البِكْرِ، فَتَرْتَسِمُ فِي أَذْهَانِهِمَا صُوَرُ الغَابَاتِ المُمْتَدَّةِ، وَالجَدَاوِلِ المُخْرَوِرَّةِ، وَأَشْجَارِ الصَّنَوْبَرِ وَالفِلِّينِ. وَفِي خِلاَلِ ذَلِكَ، يَلْتَقِيَانِ بِالنَّاسِ البَسِيطِينَ، أَهْلِ الجِبَالِ، الَّذِينَ يَفْتَحُونَ لَهُمَا الأَبْوَابَ وَيُكْرِمُونَهُمَا بِوَدَاعَةٍ لاَ يَعْرِفُهَا إِلاَّ هَؤُلاَءِ السُّكَّانُ. النَّصُّ لاَ يُصَوِّرُ الطَّبِيعَةَ فَقَطْ، بَلْ يُصَوِّرُ أَيْضًا كَيْفَ تُطَهِّرُ الطَّبِيعَةُ الرُّوحَ، وَكَيْفَ تَمْنَحُ البَسَاطَةُ سَلاَمًا لاَ تَمْنَحُهُ تَعْقِيدَاتُ الحَضَارَةِ.


ليست هناك تعليقات:
حتى تصبح عضوا في الموسوعة المدرسية انزل إلى أسفل الصفحة