شرح نص جسر الأجيال - 7 أساسي - محور تونس الجميلة
شرح نصّ جسر الأجيال، أَبو القَاسِم الشَّابِّي، السنة السابعة أساسي - محور تونس الجميلة
النصّ
هُوَ شَابٌّ جَاوَزَ العِشْرِينَ بِقَلِيلٍ، نَزَلَ إِلَى المَيْدَانِ بِهِمَّةٍ فَتِيَّةٍ وَعَزْمٍ صَارِمٍ
وَتَلَقَّى الحَيَاةَ الوَاقِعِيَّةَ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ بِابْتِسَامَةِ الأَمَلِ وَنَظْرَةِ المُتَفَائِلِ.
هُوَ شَابٌّ يَحْمِلُ بَيْنَ جَنْبَيْهِ قَلْبًا يَزْخَرُ بِالعَوَاطِفِ الشَّرِيفَةِ
وَالإِحْسَاسَاتِ النَّبِيلَةِ، وَتَجُولُ فِي رَأْسِهِ آرَاءٌ فِي التَّرْبِيَةِ وَنَظَرِيَّاتٌ فِي أَسَالِيبِ
التَّعْلِيمِ وَرَغْبَةٌ صَادِقَةٌ فِي النَّفْعِ وَالإِرْشَادِ.
أَمَّا هُمْ فَقَدْ جَاؤُوا إِلَى القَرْيَةِ مِنْ أَوْسَاطٍ مُخْتَلِفَةٍ لاَ يَعْرِفُونَ شَيْئًا وَلاَ
يَسْتَطِيعُونَ عَمَلَ شَيْءٍ، وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَرْتَفِعَ بِهَؤُلاَءِ الأَطْفَالِ قَلِيلاً، فَيَفْتِقَ
عُقُولَهُمُ المُتَطَلِّعَةَ إِلَى إِدْرَاكِ الحَقَائِقِ وَيَفْتَحَ أَبْصَارَهُمْ عَلَى الجَمَالِ المُنْبَثِّ فِي
الخَلِيقَةِ. كُلَّ يَوْمٍ يَقْتَطِعُ مِنْ عَقْلِهِ لِيُكْمِلَ عُقُولَهُمْ، وَيُمَزِّقُ مِنْ نَفْسِهِ لِيَرْقَعَ مِنْ
نُفُوسِهِمْ، وَيَقْبِسُ مِنْ نَارِهِ المُقَدَّسَةِ لِإِيقَادِ النَّارِ الكَامِنَةِ فِي أَرْوَاحِهِمُ الفَتِيَّةِ.
لَقَدْ جَعَلَ حَيَاتَهُ فِي القَرْيَةِ كُلَّهَا جِهَادًا: حَارَبَ الأَخْلاَقَ السَّقِيمَةَ
وَالعَادَاتِ القَبِيحَةَ المَوْرُوثَةَ وَالمُعْتَقَدَاتِ السَّخِيفَةَ، وَحَارَبَ جُنُوحَ الطِّفْلِ إِلَى
الكَسَلِ وَالأَنَانِيَّةِ. تَرَاهُ فِي الوَقْتِ الَّذِي يَفْرُغُ فِيهِ كُلُّ عَامِلٍ مِنْ عَمَلِهِ، جَالِسًا
إِلَى مِصْبَاحِهِ، وَأَمَامَهُ أَكْوَامُ الكُرَّاسَاتِ يُصْلِحُهَا وَيُصَوِّبُ أَخْطَاءَ أَطْفَالِهِ.
حَتَّى إِذَا مَا انْتَهَى مِنْ هَذَا العَمَلِ المُرْهِقِ، أَخَذَ يُعِدُّ الدُّرُوسَ أَوْ يُجَهِّزُ بَرْنَامَجَ
الشَّهْرِ أَوْ يُلَخِّصُ مِنَ الكُتُبِ مُذَكِّرَاتٍ يَكْتُبُهَا لِنَفْسِهِ ثُمَّ يُقَدِّمُهَا إِلَى تَلاَمِيذِهِ
زُبْدَةً سَائِغَةً مَيْسُورَةً.
وَقَدْ يَتَذَوَّقُ لَذَّةَ الاِنْتِصَارِ حِينَ يَرَى غَرْسَهُ قَدْ أَثْمَرَ زَهَرَاتٍ يَانِعَةً
جَمِيلَةً وَكَيْفَ أَمْكَنَهُ بِمَحْضِ إِخْلاَصِهِ وَصَادِقِ عَزْمِهِ أَنْ يُكَوِّنَ جِيلاً
جَدِيدًا، هُوَ أَوَّلُ مَنْ فَتَحَ بَصَرَهُ لِلنُّورِ، وَفَتَقَ لِسَانَهُ، وَانْتَزَعَهُ مِنْ مَخَالِبِ
الجَهَالَةِ.
فَهُوَ كَالجِسْرِ... تَمُرُّ فَوْقَهُ أَجْيَالٌ مِنْ ضَفَّةِ الجَهْلِ إِلَى ضَفَّةِ النُّورِ...
وَيَمْضُونَ فِي طَرِيقِهِمْ.
التقديم:
«جِسْرُ الأَجْيَالِ»
نَصٌّ سَرْدِيٌّ يَنْدَرِجُ ضِمْنَ مَحْوَرِ «تُونِسَ الجَمِيلَةِ» لِلأَدِيبِ التُّونِسِيِّ «مُحَمَّدِ الحَلِيوِيِّ» المَأْخُوذُ مِنْ مُؤَلَّفِهِ «مَبَاحِثُ وَدِرَاسَاتٌ أَدَبِيَّةٌ» صَفْحَةَ 75.
موضوع النصّ ومحاوره الرئيسة:
يَنْدَرِجُ هَذَا النَّصُّ تَحْتَ أَدَبِ السِّيرَةِ وَالرِّسَالَةِ التَّرْبَوِيَّةِ، وَهُوَ يَصِفُ مُعَلِّمًا شَابًّا تَفَانَى فِي تَرْبِيَةِ أَطْفَالِ قَرْيَتِهِ، مُبْرِزًا صِفَاتِهِ النَّبِيلَةَ، وَأَعْمَالَهُ الجَلِيلَةَ، وَأَثَرَهُ العَمِيقَ فِي نُفُوسِ تَلاَمِيذِهِ، مُصَوِّرًا إِيَّاهُ كَجِسْرٍ يَعْبُرُ فَوْقَهُ الأَجْيَالُ مِنَ الظُّلْمَةِ إِلَى النُّورِ.
الفكرة العامة:
يَرْسُمُ النَّصُّ صُورَةً مِثَالِيَّةً لِمُعَلِّمٍ شَابٍّ وَاعٍ، يَزْخَرُ بِالعَوَاطِفِ الشَّرِيفَةِ وَالرَّغْبَةِ الصَّادِقَةِ فِي النَّفْعِ وَالإِرْشَادِ، يَتَفَانَى فِي تَخْلِيصِ أَطْفَالِ قَرْيَتِهِ مِنَ الجَهْلِ وَالعَادَاتِ السَّقِيمَةِ، حَتَّى يُصْبِحُوا جِيلاً جَدِيدًا مُسْتَنِيرًا، وَيَظَلَّ هُوَ كَالجِسْرِ الَّذِي يَعْبُرُونَ فَوْقَهُ إِلَى النُّورِ ثُمَّ يَمْضُونَ.
المحاور الرئيسة:
* مِحْوَرُ صِفَاتِ الشَّابِّ الخُلُقِيَّةِ وَالنَّفْسِيَّةِ:
المَوْضُوعُ: تَقْدِيمُ الشَّابِّ كَقُدْوَةٍ حَمْلَ صِفَاتٍ نَادِرَةً مِنَ العَزْمِ وَالتَّفَاؤُلِ وَالنُّبْلِ.
التَّفَاصِيلُ:
- "بِهِمَّةٍ فَتِيَّةٍ وَعَزْمٍ صَارِمٍ".
- "بِابْتِسَامَةِ الأَمَلِ وَنَظْرَةِ المُتَفَائِلِ".
- "قَلْبًا يَزْخَرُ بِالعَوَاطِفِ الشَّرِيفَةِ وَالإِحْسَاسَاتِ النَّبِيلَةِ".
- "رَغْبَةٌ صَادِقَةٌ فِي النَّفْعِ وَالإِرْشَادِ".
* مِحْوَرُ أَعْمَالِ الشَّابِّ وَتَفَانِيهِ فِي الرِّسَالَةِ:
المَوْضُوعُ: رَصْدُ الجُهُودِ الجَبَّارَةِ الَّتِي يَبْذُلُهَا المُعَلِّمُ فِي سَبِيلِ تَلاَمِيذِهِ، خَارِجَ أَوْقَاتِ الدَّوَامِ الرَّسْمِيِّ.
التَّفَاصِيلُ:
- "كُلَّ يَوْمٍ يَقْتَطِعُ مِنْ عَقْلِهِ لِيُكْمِلَ عُقُولَهُمْ".
- "يُمَزِّقُ مِنْ نَفْسِهِ لِيَرْقَعَ مِنْ نُفُوسِهِمْ".
- "يَقْبِسُ مِنْ نَارِهِ المُقَدَّسَةِ لِإِيقَادِ النَّارِ الكَامِنَةِ فِي أَرْوَاحِهِمُ الفَتِيَّةِ".
- "تَرَاهُ... جَالِسًا إِلَى مِصْبَاحِهِ، وَأَمَامَهُ أَكْوَامُ الكُرَّاسَاتِ يُصْلِحُهَا وَيُصَوِّبُ أَخْطَاءَ أَطْفَالِهِ".
- "يُعِدُّ الدُّرُوسَ أَوْ يُجَهِّزُ بَرْنَامَجَ الشَّهْرِ أَوْ يُلَخِّصُ مِنَ الكُتُبِ مُذَكِّرَاتٍ".
* مِحْوَرُ نَتَائِجِ الجُهُودِ (أَثْمَارُ الغَرْسِ التَّرْبَوِيِّ):
المَوْضُوعُ: ثَمَرَةُ تَفَانِي المُعَلِّمِ، الَّتِي تَتَجَلَّى فِي تَكْوِينِ جِيلٍ جَدِيدٍ مُسْتَنِيرٍ.
التَّفَاصِيلُ:
- "يَتَذَوَّقُ لَذَّةَ الاِنْتِصَارِ حِينَ يَرَى غَرْسَهُ قَدْ أَثْمَرَ زَهَرَاتٍ يَانِعَةً جَمِيلَةً".
- "أَنْ يُكَوِّنَ جِيلاً جَدِيدًا، هُوَ أَوَّلُ مَنْ فَتَحَ بَصَرَهُ لِلنُّورِ، وَفَتَقَ لِسَانَهُ، وَانْتَزَعَهُ مِنْ مَخَالِبِ الجَهَالَةِ".
* مِحْوَرُ مُحَارَبَةِ العَادَاتِ وَالمُعْتَقَدَاتِ السَّيِّئَةِ:
المَوْضُوعُ: جِهَادُ المُعَلِّمِ فِي مُوَاجَهَةِ الجَهْلِ وَالأَخْلاَقِ السَّقِيمَةِ وَالعَادَاتِ القَبِيحَةِ.
التَّفَاصِيلُ:
- "جَعَلَ حَيَاتَهُ فِي القَرْيَةِ كُلَّهَا جِهَادًا".
- "حَارَبَ الأَخْلاَقَ السَّقِيمَةَ وَالعَادَاتِ القَبِيحَةَ المَوْرُوثَةَ وَالمُعْتَقَدَاتِ السَّخِيفَةَ".
- "حَارَبَ جُنُوحَ الطِّفْلِ إِلَى الكَسَلِ وَالأَنَانِيَّةِ".
* مِحْوَرُ الجِسْرِ كَرَمْزٍ لِلرِّسَالَةِ الخَالِدَةِ:
المَوْضُوعُ: تَشْبِيهُ المُعَلِّمِ بِالجِسْرِ الَّذِي يَعْبُرُ فَوْقَهُ الأَجْيَالُ.
التَّفَاصِيلُ:
- "فَهُوَ كَالجِسْرِ... تَمُرُّ فَوْقَهُ أَجْيَالٌ مِنْ ضَفَّةِ الجَهْلِ إِلَى ضَفَّةِ النُّورِ... وَيَمْضُونَ فِي طَرِيقِهِمْ".
الإجابة عن الأسئلة:
1- عَرَّفَ السَّارِدُ بِصِفَاتِ الشَّابِّ وَأَعْمَالِهِ وَنَتَائِجِ جُهُودِهِ، قَسِّمِ النَّصَّ وِفْقَ ذَلِكَ.
تَقْسِيمُ النَّصِّ وَفْقَ مَا عَرَّفَ بِهِ السَّارِدُ (صِفَاتُ الشَّابِّ – أَعْمَالُهُ – نَتَائِجُ جُهُودِهِ):
* الوَحْدَةُ الأُولَى: صِفَاتُ الشَّابِّ (التَّعْرِيفُ بِشَخْصِيَّتِهِ)
الحُدُودُ: مِنْ بِدَايَةِ النَّصِّ: "هُوَ شَابٌّ جَاوَزَ العِشْرِينَ بِقَلِيلٍ..." إِلَى قَوْلِهِ: "...وَرَغْبَةٌ صَادِقَةٌ فِي النَّفْعِ وَالإِرْشَادِ."
المَوْضُوعُ: تَقْدِيمُ صِفَاتِ الشَّابِّ الخُلُقِيَّةِ وَالنَّفْسِيَّةِ: عَمْرُهُ، هِمَّتُهُ، عَزْمُهُ، تَفَاؤُلُهُ، عَوَاطِفُهُ الشَّرِيفَةُ، آرَاؤُهُ فِي التَّرْبِيَةِ، رَغْبَتُهُ الصَّادِقَةُ فِي النَّفْعِ وَالإِرْشَادِ.
العُنْوَانُ المُقْتَرَحُ: صِفَاتُ الشَّابِّ: الشَّمَائِلُ النَّبِيلَةُ وَالرُّوحُ المُتَفَائِلَةُ
* الوَحْدَةُ الثَّانِيَةُ: أَعْمَالُ الشَّابِّ وَتَفَانِيهِ فِي الرِّسَالَةِ
الحُدُودُ: مِنْ قَوْلِهِ: "أَمَّا هُمْ فَقَدْ جَاؤُوا إِلَى القَرْيَةِ مِنْ أَوْسَاطٍ مُخْتَلِفَةٍ..." إِلَى قَوْلِهِ: "...ثُمَّ يُقَدِّمُهَا إِلَى تَلاَمِيذِهِ زُبْدَةً سَائِغَةً مَيْسُورَةً."
المَوْضُوعُ: رَصْدُ الأَعْمَالِ الجَلِيلَةِ الَّتِي يَقُومُ بِهَا الشَّابُّ: ارْتِفَاعُهُ بِالأَطْفَالِ، فَتْقُ عُقُولِهِمْ، فَتْحُ أَبْصَارِهِمْ عَلَى الجَمَالِ، مُحَارَبَةُ الأَخْلاَقِ السَّقِيمَةِ وَالعَادَاتِ القَبِيحَةِ، إِصْلاَحُ الكُرَّاسَاتِ، إِعْدَادُ الدُّرُوسِ، تَلْخِيصُ المُذَكِّرَاتِ.
العُنْوَانُ المُقْتَرَحُ: أَعْمَالُ الشَّابِّ: جِهَادٌ وَتَفَانٍ فِي تَخْلِيصِ الأَطْفَالِ
* الوَحْدَةُ الثَّالِثَةُ: نَتَائِجُ جُهُودِ الشَّابِّ (أَثْمَارُ الغَرْسِ التَّرْبَوِيِّ)
الحُدُودُ: مِنْ قَوْلِهِ: "وَقَدْ يَتَذَوَّقُ لَذَّةَ الاِنْتِصَارِ حِينَ يَرَى غَرْسَهُ قَدْ أَثْمَرَ..." إِلَى نِهَايَةِ النَّصِّ.
المَوْضُوعُ: ثَمَرَةُ الجُهُودِ المُتَوَاصِلَةِ: تَكْوِينُ جِيلٍ جَدِيدٍ، فَتْحُ بَصَرِهِ لِلنُّورِ، فَتْقُ لِسَانِهِ، انْتِزَاعُهُ مِنْ مَخَالِبِ الجَهَالَةِ، ثُمَّ التَّشْبِيهُ الخِتَامِيُّ بِالجِسْرِ الَّذِي تَعْبُرُ فَوْقَهُ الأَجْيَالُ.
العُنْوَانُ المُقْتَرَحُ: نَتَائِجُ الجُهُودِ: جِيلٌ جَدِيدٌ وَجِسْرٌ إِلَى النُّورِ
2- اسْتَخْدَمَ الكَاتِبُ فِي تَقْدِيمِ الشَّخْصِيَّةِ جُمْلَتَيْنِ اسْمِيَّتَيْنِ، حَدِّدْهُمَا وَاسْتَخْلِصْ مِنْهُمَا مَلاَمِحَ هَذِهِ الشَّخْصِيَّةِ.
تَحْدِيدُ الجُمْلَتَيْنِ الاسْمِيَّتَيْنِ فِي تَقْدِيمِ الشَّخْصِيَّةِ وَاسْتِخْلاَصُ مَلاَمِحِهَا:
* أَوَّلاً: الجُمْلَتَانِ الاسْمِيَّتَانِ
- الجُمْلَةُ الأُولَى: "هُوَ شَابٌّ جَاوَزَ العِشْرِينَ بِقَلِيلٍ، نَزَلَ إِلَى المَيْدَانِ بِهِمَّةٍ فَتِيَّةٍ وَعَزْمٍ صَارِمٍ وَتَلَقَّى الحَيَاةَ الوَاقِعِيَّةَ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ بِابْتِسَامَةِ الأَمَلِ وَنَظْرَةِ المُتَفَائِلِ."
- الجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ: "هُوَ شَابٌّ يَحْمِلُ بَيْنَ جَنْبَيْهِ قَلْبًا يَزْخَرُ بِالعَوَاطِفِ الشَّرِيفَةِ وَالإِحْسَاسَاتِ النَّبِيلَةِ، وَتَجُولُ فِي رَأْسِهِ آرَاءٌ فِي التَّرْبِيَةِ وَنَظَرِيَّاتٌ فِي أَسَالِيبِ التَّعْلِيمِ وَرَغْبَةٌ صَادِقَةٌ فِي النَّفْعِ وَالإِرْشَادِ."
* ثَانِيًا: مَلاَمِحُ الشَّخْصِيَّةِ المُسْتَخْلَصَةُ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ
- مِنَ الجُمْلَةِ الأُولَى:
صِغَرُ السِّنِّ مَعَ كِبَرِ المَسْؤُولِيَّةِ: "جَاوَزَ العِشْرِينَ بِقَلِيلٍ". هُوَ مَازَالَ فِي رَبِيعِ العُمْرِ، وَلَكِنَّهُ نَزَلَ إِلَى المَيْدَانِ (مَيْدَانِ الحَيَاةِ وَالعَمَلِ) مُبَكِّرًا.
الهِمَّةُ العَالِيَةُ وَالعَزْمُ القَوِيُّ: "بِهِمَّةٍ فَتِيَّةٍ وَعَزْمٍ صَارِمٍ". يَمْتَلِكُ حَمَاسَ الشَّبَابِ وَقُوَّةَ الإِرَادَةِ فِي نَفْسِ الوَقْتِ.
التَّفَاؤُلُ وَالأَمَلُ: "بِابْتِسَامَةِ الأَمَلِ وَنَظْرَةِ المُتَفَائِلِ". يَنْظُرُ إِلَى الحَيَاةِ بِنَظْرَةٍ إِيجَابِيَّةٍ، حَتَّى فِي أَوَّلِ مُوَاجَهَتِهِ لِلْوَاقِعِ الصَّعْبِ.
- مِنَ الجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ:
نُبْلُ المَشَاعِرِ وَالعَوَاطِفِ: "يَزْخَرُ بِالعَوَاطِفِ الشَّرِيفَةِ وَالإِحْسَاسَاتِ النَّبِيلَةِ". يَمْتَلِكُ قَلْبًا مَلِيئًا بِالحُبِّ وَالرَّقَّةِ وَالخَيْرِ، وَهِيَ قِيمَةٌ جَوْهَرِيَّةٌ لِلْمُعَلِّمِ النَّاجِحِ.
رِسَالَةٌ فِكْرِيَّةٌ وَتَرْبَوِيَّةٌ مُحَدَّدَةٌ: "تَجُولُ فِي رَأْسِهِ آرَاءٌ فِي التَّرْبِيَةِ وَنَظَرِيَّاتٌ فِي أَسَالِيبِ التَّعْلِيمِ". لَيْسَ مُجَرَّدَ شَابٍّ عَادِيٍّ، بَلْ مُفَكِّرٌ وَمُخْتَصٌّ، يَحْمِلُ مَشْرُوعًا تَرْبَوِيًّا وَاقْتِنَاعَاتٍ فِكْرِيَّةً يُؤْمِنُ بِهَا.
الرَّغْبَةُ الصَّادِقَةُ فِي العَطَاءِ: "وَرَغْبَةٌ صَادِقَةٌ فِي النَّفْعِ وَالإِرْشَادِ". دَافِعُهُ الأَسَاسِيُّ لَيْسَ مَادِّيًّا، بَلْ دَاخِلِيٌّ نَبِيلٌ، يَرْغَبُ فِي نَفْعِ الآخَرِينَ وَإِرْشَادِهِمْ إِلَى الخَيْرِ.
3- أَرْصُدْ فِي الوَحْدَةِ الثَّانِيَةِ الأَفْعَالَ المُسْنَدَةَ إِلَى هَذَا الشَّابِّ وَتَبَيَّنْ مِنْ خِلاَلِهَا مَا يُجَسِّدُ تَفَانِيَهُ فِي خِدْمَةِ وَطَنِهِ.
الأَفْعَالُ المُسْنَدَةُ إِلَى الشَّابِّ فِي الوَحْدَةِ الثَّانِيَةِ وَدَلاَلَتُهَا عَلَى تَفَانِيهِ فِي خِدْمَةِ وَطَنِهِ:
* أَوَّلاً: الأَفْعَالُ المُسْنَدَةُ إِلَى الشَّابِّ:
- "يَرْتَفِعَ بِهَؤُلاَءِ الأَطْفَالِ قَلِيلاً".
- "يَفْتِقَ عُقُولَهُمُ المُتَطَلِّعَةَ إِلَى إِدْرَاكِ الحَقَائِقِ".
- "يَفْتَحَ أَبْصَارَهُمْ عَلَى الجَمَالِ المُنْبَثِّ فِي الخَلِيقَةِ".
- "يَقْتَطِعُ مِنْ عَقْلِهِ لِيُكْمِلَ عُقُولَهُمْ".
- "يُمَزِّقُ مِنْ نَفْسِهِ لِيَرْقَعَ مِنْ نُفُوسِهِمْ".
- "يَقْبِسُ مِنْ نَارِهِ المُقَدَّسَةِ لِإِيقَادِ النَّارِ الكَامِنَةِ فِي أَرْوَاحِهِمُ الفَتِيَّةِ".
- "جَعَلَ حَيَاتَهُ فِي القَرْيَةِ كُلَّهَا جِهَادًا".
- "حَارَبَ الأَخْلاَقَ السَّقِيمَةَ وَالعَادَاتِ القَبِيحَةَ المَوْرُوثَةَ وَالمُعْتَقَدَاتِ السَّخِيفَةَ".
- "حَارَبَ جُنُوحَ الطِّفْلِ إِلَى الكَسَلِ وَالأَنَانِيَّةِ".
- "تَرَاهُ... جَالِسًا إِلَى مِصْبَاحِهِ، وَأَمَامَهُ أَكْوَامُ الكُرَّاسَاتِ يُصْلِحُهَا وَيُصَوِّبُ أَخْطَاءَ أَطْفَالِهِ".
- "أَخَذَ يُعِدُّ الدُّرُوسَ أَوْ يُجَهِّزُ بَرْنَامَجَ الشَّهْرِ أَوْ يُلَخِّصُ مِنَ الكُتُبِ مُذَكِّرَاتٍ".
* ثَانِيًا: دَلاَلَةُ هَذِهِ الأَفْعَالِ عَلَى تَفَانِي الشَّابِّ فِي خِدْمَةِ وَطَنِهِ:
- التَّفَانِي فِي النُّهُوضِ بِالأَطْفَالِ (الاِرْتِفَاعُ بِهِمْ): يَبْدَأُ بِفِعْلِ "يَرْتَفِعَ بِهِمْ". وَهَذَا يَعْنِي أَنَّهُ لَمْ يَقْبَلْ بِهِمْ كَمَا هُمْ، بَلْ أَرَادَ أَنْ يَرْفَعَ مُسْتَوَاهُمْ وَيُحَسِّنَ حَالَهُمْ، وَهُوَ أَسَاسُ رِسَالَةِ المُعَلِّمِ.
- التَّفَانِي فِي فَتْحِ العُقُولِ وَالأَبْصَارِ (التَّنْوِيرُ): "يَفْتِقَ عُقُولَهُمْ" وَ"يَفْتَحَ أَبْصَارَهُمْ". هَذَانِ الفِعْلاَنِ يُجَسِّدَانِ جَوْهَرَ التَّعْلِيمِ: فَتْحُ مَا هُوَ مُغْلَقٌ، وَإِنَارَةُ مَا هُوَ مُظْلِمٌ. إِنَّهُ يَسْتَخْدِمُ عَقْلَهُ لِيَفْتَحَ عُقُولَهُمْ، وَبَصَرَهُ لِيَفْتَحَ أَبْصَارَهُمْ، فَيَكُونُ وَسِيلَةَ النُّورِ لَهُمْ.
- التَّفَانِي فِي العَطَاءِ حَتَّى المَزْقِ وَالاقْتِطَاعِ (التَّضْحِيَةُ بِالذَّاتِ): "يَقْتَطِعُ مِنْ عَقْلِهِ"، "يُمَزِّقُ مِنْ نَفْسِهِ"، "يَقْبِسُ مِنْ نَارِهِ". هَذِهِ الأَفْعَالُ تُصَوِّرُ أَقْصَى دَرَجَاتِ التَّضْحِيَةِ. فَالمُعَلِّمُ لاَ يُعْطِي فَقَطْ، بَلْ يَقْتَطِعُ (يَقْطَعُ وَيَأْخُذُ) مِنْ كَوْنِهِ هُوَ لِيُكْمِلَ الآخَرِينَ. هُوَ يَتَفَانَى حَتَّى يَكَادَ يَذُوبُ فِي تَلاَمِيذِهِ.
- التَّفَانِي فِي مُحَارَبَةِ كُلِّ مَا يُعِيقُ تَقَدُّمَ المُجْتَمَعِ (الجِهَادُ المُتَعَدِّدُ الأَبْعَادِ): "حَارَبَ الأَخْلاَقَ السَّقِيمَةَ... العَادَاتِ القَبِيحَةَ... المُعْتَقَدَاتِ السَّخِيفَةَ... جُنُوحَ الطِّفْلِ إِلَى الكَسَلِ وَالأَنَانِيَّةِ". هُوَ لَمْ يَكْتَفِ بِالتَّعْلِيمِ الأَكَادِيمِيِّ، بَلْ جَعَلَ حَيَاتَهُ كُلَّهَا "جِهَادًا" لِتَصْحِيحِ المُجْتَمَعِ مِنْ أَسَاسِهِ. يُحَارِبُ الجَهْلَ فِي شَتَّى صُوَرِهِ.
- التَّفَانِي فِي العَمَلِ خَارِجَ أَوْقَاتِ الدَّوَامِ (لاَ وَقْتَ لِلرَّاحَةِ): "تَرَاهُ فِي الوَقْتِ الَّذِي يَفْرُغُ فِيهِ كُلُّ عَامِلٍ... جَالِسًا إِلَى مِصْبَاحِهِ... يُصْلِحُهَا وَيُصَوِّبُ أَخْطَاءَ... يُعِدُّ الدُّرُوسَ... يُجَهِّزُ بَرْنَامَجَ الشَّهْرِ... يُلَخِّصُ مُذَكِّرَاتٍ".
يُبْرِزُ هَذَا المَشْهَدُ أَنَّ عَمَلَهُ لَمْ يَكُنْ وَظِيفَةً بِالأَجْرِ، بَلْ رِسَالَةً يَحْتَضِنُهَا فِي كُلِّ أَوْقَاتِهِ. فَوَقْتُ فَرَاغِهِ هُوَ وَقْتُ عَمَلٍ إِضَافِيٍّ لِمَصْلَحَةِ تَلاَمِيذِهِ. المِصْبَاحُ يَرْمِزُ إِلَى سَهَرِهِ وَإِخْلاَصِهِ.
4- مَا الَّذِي يَجْعَلُ هَذَا الشَّابَّ مُسَاهِمًا بِطَرِيقَتِهِ فِي بِنَاءِ الوَطَنِ؟
يَتَحَقَّقُ سَهْمُ هَذَا الشَّابِّ فِي بِنَاءِ الوَطَنِ مِنْ خِلاَلِ عِدَّةِ مَسَارَاتٍ مُتَكَامِلَةٍ، تَتَجَلَّى فِيمَا يَلِي:
* أَوَّلاً: بِنَاءُ الإِنْسَانِ (الأَسَاسُ الحَقِيقِيُّ لِلْوَطَنِ):
- يَرْفَعُ مُسْتَوَى الأَطْفَالِ فِكْرِيًّا وَأَخْلاَقِيًّا، فَيُحَوِّلُهُمْ مِنْ أَشْخَاصٍ "لاَ يَعْرِفُونَ شَيْئًا وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ عَمَلَ شَيْءٍ" إِلَى جِيلٍ يُفَكِّرُ وَيَعْمَلُ. هَذَا التَّحَوُّلُ فِي جَوْهَرِ الإِنْسَانِ هُوَ أَعْمَقُ أَنْوَاعِ البِنَاءِ.
* ثَانِيًا: تَحْرِيرُ العُقُولِ مِنَ الجَهْلِ وَالخُرَافَاتِ:
- يُحَارِبُ الأَخْلاَقَ السَّقِيمَةَ، وَالعَادَاتِ القَبِيحَةَ المَوْرُوثَةَ، وَالمُعْتَقَدَاتِ السَّخِيفَةَ. تَطْهِيرُ المُجْتَمَعِ مِنْ هَذِهِ الآفَاتِ يَجْعَلُهُ مُهَيَّأً لِلتَّقَدُّمِ، وَيُحَرِّرُ الطَّاقَاتِ الفِكْرِيَّةَ لِتُسْتَثْمَرَ فِي الإِعْمَارِ لاَ فِي التَّخَلُّفِ.
* ثَالِثًا: تَنْشِئَةُ جِيلٍ يَنْزِعُ إِلَى النُّورِ:
- يُكَوِّنُ جِيلاً جَدِيدًا "هُوَ أَوَّلُ مَنْ فَتَحَ بَصَرَهُ لِلنُّورِ، وَفَتَقَ لِسَانَهُ، وَانْتَزَعَهُ مِنْ مَخَالِبِ الجَهَالَةِ". هَذَا الجِيلُ المُسْتَنِيرُ هُوَ مَنْ سَيَتَوَلَّى قِيَادَةَ الوَطَنِ فِي المُسْتَقْبَلِ، وَيُكْمِلُ مَسِيرَةَ البِنَاءِ. فَالوَطَنُ القَوِيُّ هُوَ وَطَنُ المُوَاطِنِينَ المُسْتَنِيرِينَ.
* رَابِعًا: الإِعْدَادُ بِالتَّفَانِي وَالجِهَادِ:
- يَصِفُ النَّصُّ أَعْمَالَهُ بِالتَّفَانِي: "يَقْتَطِعُ مِنْ عَقْلِهِ، يُمَزِّقُ مِنْ نَفْسِهِ، يَقْبِسُ مِنْ نَارِهِ". هَذَا المُعَلِّمُ لاَ يُعَلِّمُ بِرُتْبَةٍ أَوْ لِأَجْرٍ مَادِّيٍّ، بَلْ يَبْذُلُ جَهْدًا إِضَافِيًّا لَيْلاً وَنَهَارًا (تَرَاهُ فِي فَرَاغِهِ جَالِسًا إِلَى مِصْبَاحِهِ). هَذَا الإِخْلاَصُ وَالجِهَادُ يُنْتِجَانِ أَطْفَالاً يَتَعَلَّمُونَ أَيْضًا قِيمَةَ الإِخْلاَصِ وَالبَذْلِ لِلْوَطَنِ بِالقُدْوَةِ لاَ بِالكَلاَمِ فَقَطْ.
* خَامِسًا: غَرْسُ قِيَمِ العَمَلِ وَالنِّضَالِ فِي الأَطْفَالِ:
- يُحَارِبُ "جُنُوحَ الطِّفْلِ إِلَى الكَسَلِ وَالأَنَانِيَّةِ". هَذَا يَعْنِي أَنَّهُ يُعِدُّ أَطْفَالاً عَامِلِينَ مُتَعَاوِنِينَ يَحْمِلُونَ هِمَّةَ البِنَاءِ، لَيْسُوا كَسَالَى أَوْ أَنَانِيِّينَ يَهْتَمُّونَ بِأَنْفُسِهِمْ فَقَطْ. بِنَاءُ الوَطَنِ يَحْتَاجُ إِلَى جِيلٍ يَعْمَلُ وَيَتَعَاوَنُ.
* سَادِسًا: تَخْصِيصُ كُلِّ الوَقْتِ وَالجَهْدِ لِلرِّسَالَةِ:
- النَّصُّ يُظْهِرُهُ فِي الوَقْتِ الَّذِي يَفْرُغُ فِيهِ كُلُّ عَامِلٍ، وَهُوَ مَازَالَ يُصْلِحُ كُرَّاسَاتِ أَطْفَالِهِ، وَيُعِدُّ الدُّرُوسَ، وَيُلَخِّصُ المُذَكِّرَاتِ. هُوَ مُعَلِّمٌ عَلَى مَوْعِدٍ دَائِمٍ، يَعْمَلُ حِينَ يَنَامُ الآخَرُونَ، لِيُخْرِجَ جِيلاً يَعْمَلُ حِينَ يَسْتَيْقِظُ الجَمِيعُ.
5- مَا المَعَانِي الَّتِي تَسْتَخْلِصُهَا مِنْ تَشْبِيهِ المُعَلِّمِ بِالجِسْرِ؟
تَشْبِيهُ المُعَلِّمِ بِالجِسْرِ فِي نِهَايَةِ النَّصِّ يَحْمِلُ عِدَّةَ مَعَانٍ عَمِيقَةٍ وَدَلاَلاَتٍ رَمْزِيَّةٍ، يُمْكِنُ اسْتِخْلاَصُهَا كَمَا يَلِي:
* أَوَّلاً: الجِسْرُ وَسِيلَةُ العُبُورِ لاَ الغَايَةُ:
- المُعَلِّمُ هُوَ وَسِيلَةٌ لِعُبُورِ الأَجْيَالِ مِنَ الجَهْلِ إِلَى العِلْمِ، وَلَيْسَ هُوَ الغَايَةَ فِي نَفْسِهِ. هُوَ يَمْهَدُ الطَّرِيقَ وَيُوَصِّلُ الآخَرِينَ إِلَى بَرِّ الأَمَانِ (النُّورِ، المَعْرِفَةِ، الحَضَارَةِ)، ثُمَّ يَمْضُونَ هُمْ فِي حَيَاتِهِمْ بَعِيدًا عَنْهُ.
* ثَانِيًا: الجِسْرُ يَظَلُّ صَامِدًا بَعْدَ عُبُورِ الأَجْيَالِ:
- الجِسْرُ لاَ يَتَحَرَّكُ مَعَ العَابِرِينَ، بَلْ يَبْقَى ثَابِتًا فِي مَكَانِهِ لِيَخْدِمَ غَيْرَهُمْ. كَذَلِكَ المُعَلِّمُ، بَعْدَ أَنْ يُنِيرَ عُقُولَ أَجْيَالٍ وَيُوَصِّلَهُمْ إِلَى مَرَاتِبَ عُلْيَا، يَبْقَى هُوَ فِي مَكَانِهِ (فِي فَصْلِهِ، مَدْرَسَتِهِ، قَرْيَتِهِ)، مُسْتَعِدًّا لاِسْتِقْبَالِ أَجْيَالٍ جَدِيدَةٍ لِيُكَرِّرَ الرِّحْلَةَ مَعَهُمْ.
* ثَالِثًا: الجِسْرُ يُعَانِي لِكَيْ يَعْبُرَ الآخَرُونَ:
- الجِسْرُ مَعْرُوضٌ لِلرِّيَاحِ وَالأَمْطَارِ وَثِقَلِ العَابِرِينَ. هُوَ يَبْذُلُ نَفْسَهُ لِيُسَهِّلَ حَرَكَةَ غَيْرِهِ. كَذَلِكَ المُعَلِّمُ: "يَقْتَطِعُ مِنْ عَقْلِهِ، يُمَزِّقُ مِنْ نَفْسِهِ، يَقْبِسُ مِنْ نَارِهِ". هُوَ يُضَحِّي بِجُهْدِهِ وَوَقْتِهِ وَصِحَّتِهِ لِيَرْقَى بِتَلاَمِيذِهِ. الجِسْرُ رَمْزٌ لِلتَّضْحِيَةِ وَالبَذْلِ.
* رَابِعًا: الاِنْتِقَالُ مِنَ "ضَفَّةِ الجَهْلِ" إِلَى "ضَفَّةِ النُّورِ":
- الجِسْرُ يَرْبُطُ بَيْنَ ضَفَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ كُلِّيًّا: الجَهْلُ وَالنُّورُ. هَذَا يُبْرِزُ أَنَّ المُعَلِّمَ يَصْنَعُ تَحَوُّلاً جَذْرِيًّا فِي حَيَاةِ التَّلاَمِيذِ، لَيْسَ تَحْسِينًا طَفِيفًا. يُنْقِذُهُمْ مِنَ الظُّلْمَةِ الحَقِيقِيَّةِ (ظُلْمَةِ الجَهْلِ) إِلَى الحُرِّيَّةِ الحَقِيقِيَّةِ (حُرِّيَّةِ العِلْمِ وَالوَعْيِ).
* خَامِسًا: الجِسْرُ صَامِتٌ لاَ يَنْتَظِرُ شُكْرًا:
- الجِسْرُ لاَ يَتَكَلَّمُ، وَلاَ يَطْلُبُ أَجْرًا، وَلاَ يُذَكِّرُ العَابِرِينَ بِفَضْلِهِ. كَذَلِكَ المُعَلِّمُ الحَقِيقِيُّ، فَهُوَ يَبْذُلُ وَلاَ يَنْتَظِرُ مُجَازَاةً، يَعْمَلُ فِي صَمْتٍ، وَالأَجْيَالُ "تَمْضُونَ فِي طَرِيقِهِمْ" وَرُبَّمَا لاَ يَلْتَفِتُونَ إِلَى مَنْ صَنَعَ لَهُمْ هَذَا الطَّرِيقَ.
* سَادِسًا: الجِسْرُ يَرْبُطُ بَيْنَ مَرْحَلَتَيْنِ فِي رِحْلَةِ الأَجْيَالِ:
- المُعَلِّمُ هُوَ الجِسْرُ الَّذِي يَحْمِلُ تُرَاثَ الأُمَّةِ (المَعَارِفَ، القِيَمَ، العُلُومَ) مِنَ الجِيلِ الَّذِي سَبَقَ إِلَى الجِيلِ الَّذِي يَلِيهِ. وَبِدُونِ هَذَا الجِسْرِ تَنْقَطِعُ الصِّلَةُ بَيْنَ الأَجْيَالِ، وَتَنْدَثِرُ المَعَارِفُ، وَتَبْقَى كُلُّ ضَفَّةٍ فِي جَهْلِهَا وَلاَ تَصِلُ إِلَى النُّورِ. فَالجِسْرُ هُنَا هُوَ القَنَاةُ الَّتِي تَنْقُلُ الإِنْسَانَ مِنْ حَالَةٍ إِلَى حَالَةٍ، وَالعِلْمُ هُوَ المَاءُ الَّذِي يَجْرِي فِيهَا.
* سَابِعًا: الجِسْرُ لاَ يَزَالُ هُنَاكَ حَتَّى بَعْدَ أَنْ يَتَخَلَّى عَنْهُ الجَمِيعُ:
- النِّهَايَةُ: "وَيَمْضُونَ فِي طَرِيقِهِمْ". الجِسْرُ يَبْقَى شَاهِدًا، صَامِدًا، مُوَاصِلاً دَوْرَهُ مَعَ أَجْيَالٍ جَدِيدَةٍ، بَعْدَ أَنْ مَضَى الَّذِينَ عَبَرُوا فَوْقَهُ. هَذَا هُوَ خُلُودُ رِسَالَةِ المُعَلِّمِ.
القيمة التعليميّة / الأدبيّة:
يُقَدِّمُ النَّصُّ نَمُوذَجًا أَدَبِيًّا رَفِيعًا لِـ:
- أَدَبِ الرِّسَالَةِ وَالسِّيرَةِ التَّرْبَوِيَّةِ: تَخْليِدُ صُورَةِ المُعَلِّمِ الفَاضِلِ الَّذِي يَحْمِلُ رِسَالَةً سَامِيَةً، وَيَبْذُلُ رُوحَهُ وَوَقْتَهُ فِي تَنْوِيرِ عُقُولِ الأَجْيَالِ.
- بِنَاءِ الشَّخْصِيَّةِ المِثَالِيَّةِ: اِعْتِمَادُ أُسْلُوبِ التَّكْرَارِ فِي تَقْدِيمِ الصِّفَاتِ ("هُوَ شَابٌّ... هُوَ شَابٌّ...") لِلتَّأْكِيدِ عَلَى نُبْلِ هَذِهِ الشَّخْصِيَّةِ، ثُمَّ الاِنْتِقَالُ إِلَى وَصْفِ أَعْمَالِهَا وَجِهَادِهَا.
- المُبَالَغَةِ لِلتَّأْكِيدِ عَلَى التَّفَانِي: اِسْتِخْدَامُ تَرَاكِيبَ بَلِيغَةٍ تُصَوِّرُ قِمَّةَ العَطَاءِ وَالذَّوْبَانِ فِي سَبِيلِ الآخَرِينَ: "يَقْتَطِعُ مِنْ عَقْلِهِ... يُمَزِّقُ مِنْ نَفْسِهِ... يَقْبِسُ مِنْ نَارِهِ".
- المُقَابَلَةِ بَيْنَ الجَهْلِ وَالنُّورِ: يُقَابِلُ النَّصُّ بَيْنَ "الجَهْلِ" وَ"النُّورِ"، وَبَيْنَ "الأَخْلاَقِ السَّقِيمَةِ" وَ"الزَّهَرَاتِ اليَانِعَةِ"، لِتُبْرِزَ المُقَابَلَةُ حَجْمَ التَّحَوُّلِ الَّذِي أَحْدَثَهُ المُعَلِّمُ.
- المُعْجَمِ التَّرْبَوِيِّ النَّبِيلِ: تَوْظِيفُ أَلْفَاظٍ كَالعَزْمِ، الأَمَلِ، العَوَاطِفِ الشَّرِيفَةِ، النَّفْعِ، الإِرْشَادِ، الجِهَادِ، التَّضْحِيَةِ، الجِسْرِ.
- الاسْتِعَارَةِ الكُبْرَى (تَشْبِيهُ المُعَلِّمِ بِالجِسْرِ): إِنْجَازٌ فَنِّيٌّ يُحَوِّلُ المُعَلِّمَ إِلَى مَفْهُومٍ مُجَرَّدٍ خَالِدٍ، يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ تَتَجَاوَزُ شَخْصَهُ وَتَصِيرُ مِيرَاثًا لِلْأَجْيَالِ.
- النِّهَايَةِ الدَّائِرِيَّةِ (الجِسْرُ يَبْقَى وَالأَجْيَالُ تَمْضِي): خَاتِمَةُ النَّصِّ جَمِيلَةٌ مُؤَثِّرَةٌ، حَيْثُ تَظَلُّ صُورَةُ الجِسْرِ، وَتَمُرُّ فَوْقَهُ الأَجْيَالُ، وَيَمْضُونَ فِي طَرِيقِهِمُ المُسْتَنِيرِ، دُونَ أَنْ يَلْتَفِتُوا كَثِيرًا إِلَى الجِسْرِ الَّذِي صَنَعَ طَرِيقَهُمْ.
الخلاصة:
هَذَا النَّصُّ هُوَ تَخْلِيدٌ لِلْمُعَلِّمِ المُضَحِّي، وَتَجْسِيدٌ لِمَعْنَى الرِّسَالَةِ التَّرْبَوِيَّةِ الحَقِيقِيَّةِ. يُصَوِّرُ النَّصُّ مُعَلِّمًا شَابًّا يَمْلِكُ قَلْبًا نَبِيلاً وَرُوحًا مُتَفَائِلَةً، لاَ يَبْخَلُ بِوَقْتِهِ وَلاَ بِجُهْدِهِ، يَعْمَلُ أَثْنَاءَ النَّهَارِ وَيُصْلِحُ وَيُعِدُّ أَثْنَاءَ اللَّيْلِ، لِيَغْرِسَ فِي عُقُولِ أَطْفَالِهِ النُّورَ، وَفِي قُلُوبِهِمُ الأَخْلاَقَ، وَيَنْزَعَهُمْ مِنْ أَوْحَالِ الجَهْلِ وَالأَنَانِيَّةِ. النِّهَايَةُ تَضَعُ قِصَّتَهُ فِي إِطَارِ الخُلُودِ: هُوَ جِسْرٌ لاَ تَتَوَقَّفُ الأَجْيَالُ عَنْ عُبُورِهِ، وَهُمْ يَمْضُونَ إِلَى النُّورِ، لِيَظَلَّ هُوَ صَامِدًا فِي مَكَانِهِ، مُكَمِّلاً رِسَالَتَهُ الأَبَدِيَّةَ. إِنَّهُ قَصِيدَةُ نَثْرٍ فِي حُبِّ التَّعْلِيمِ وَفَضْلِ المُعَلِّمِ.


ليست هناك تعليقات:
حتى تصبح عضوا في الموسوعة المدرسية انزل إلى أسفل الصفحة