شرح نصّ حنين - 7 أساسي - محور الحيّ
شرح نصّ حنين - مسعودة أبو بكر - السنة السابعة أساسي - محور الحيّ
النصّ:
أَسْكُنُ مَنْزِلاً بِحَيٍّ رَاقٍ. يَوْمَ انْتَقَلْتُ إِلَيْهِ صَفَعَتْنِي الغُرْبَةُ.
"جَادَكَ الغَيْثُ إِذَا الغَيْثُ هَمَى" يَا زَمَانَ الْأُنْسِ بِحَيِّنَا العَتِيقِ ....
أَفْتَقِدُ زُفَاقَ الحَيِّ وَأَزِقَّةَ الأَجْوَارِ، تِلْكَ التِي اعْتَدْتُ أَنْ أَقْطَعَهَا
مُتَرَجِّلَةً .. أَرْشِفُ أُنْسَ أَهْلِهَا .. أَتَفَيَّأُ طِيبَةَ ابْتِسَامَاتِهِمْ العَفْوِيَّةِ.
أَفْتَقِدُ تَحَايَا إِسْكَافِيِّنَا، (1) وَبَسْمَةَ بَائِعِ اللَّبَنِ الْأَخْرَسِ، وَرَنِينَ
أَقْرَاضِ النُّقُودِ النُّحَاسِيَّةِ بِطَسْتِ الشَّحَادِ الْأَعْمَى يُرَابِطُ بِنَفْسِ الْمَكَانِ
مُنْذُ عَرَفَ الزُقَاقَ أَهْلُهُ فَأَلِفُوهُ ...
أَفْتَقِدُ شَكَاوَى جَارِنَا العَجُوزِ مِن أَمْرَاضِ البَرْدِ الْمُزْمِنِةِ لَا تُهَادِنُهُ
شِتَاءً أَوْ صَيْفاً، حَتَّى لَوْ صَعِدَتِ الْحَرَارَةُ أَقْصَاهَا.
أَفْتَقِدُ بَنَاتِ مَعْمَلِ الخِيَاطَةِ ... يَتَقَاطَرْنَ (2) عَلَى دُكَّانِ
«الكَفْتَاجِي»، وَرَوَائِحَ «اللَّبْلَابِي» تُسِيلُ لُعَابَ الأَسْوَارِ العَتِيقَةِ.
أَفْتَقِدُ عَبَقَ الدَقِيقِ المَسْحُوقِ لِتَوِّهِ بِالمَطْحَنَةِ الَّتِي شَاخَتْ، وَهُوَ يُنَافِسُ
رَوَائِحَ الخُبْزِ الطَازِجِ المُتَسَلِّلَةِ مِنَ الفُرْنِ القَائِمِ يَتَحَدَّى صَوْلَةَ الزَّمَنِ .....
لَمْ أَعُدْ أَعْبُرُ الزُّقَاقَ.
كَانَ جِيرَانِي إِذَا اصْفَرَّ وَجْهِي مِنْ سَقَمٍ يَلْتَفُّونَ حَوْلِي وَيُوَشِحُونَنِي
بِأَدْعِيَةٍ لِلشَّفَاءِ فَيُهَدْهِدُنِي قَلَقَهُمْ عَلَى حَالِي وَتَسْتَمْهِلُنِي أَحْيَانًا بَائِعَةُ البَيْضِ
العَرَبِيّ وَ«المُلْسُوقَةِ» لِتَصِفَ لِي شَرَابًا من الأَعْشَابِ ضِدَّ الرَّشْحِ وَالسُعَالِ.
وَرُبِّمَا لَحِقَتْ بِي مِنْ آخِرِ الزُّقَاقِ إِحْدَى جَارَاتِي تَضُمُّ شَالَهَا الصُّوفَ
حَوْلَ كَتِفَيْهَا، تُمْطِرُنِي عَيْنَاهَا وَشَفَتَاهَا بِابْتِسَامَةٍ هِيَ الأُنْسُ وَالشَّهْدُ، (3)
تَمُدُّنِي بِقَبْضَةٍ مِنْ يَنْسُونٍ (4) أَوْ نَعْنَعٍ تَقُولُ بِصَوْتِهَا الدَّافِئِ:
- «إِنْ شَاءَ اللهُ باللَّطْفِ»
أَسْكُنُ مَنْزِلاً مُنْزَوِيًا بِحَيٍّ عَصْرِيِّ يُقَيِّدُنِي فَضَاؤُهُ الْأَخْرَسُ، وَتُزْعِجُنِي
تِلْكَ البَوَابَاتُ الحَدِيدُ المُوصَدَةُ، وَعَلَى لِسَانِي تُجْهَضُ كُلَّ يَومٍ تَحَايَا
الصَّبَاحِ.
التقديم:
حنين: نصّ قصصي، للروائيّة التونسيّة مسعودة بوبكر، ومقتبس من "عقد المرجان"، الصادرة سنة 2000. وهو نصّ يندرج ضمن محور الحيّ.
موضوع النصِّ ومحاوره الرئيسيّة:
يَنْدَرِجُ هَذَا النَّصُّ فِي إِطَارِ أَدَبِ الْحَنِينِ وَالِاغْتِرَابِ الْمَكَانِيِّ. وَهُوَ نَصٌّ سَرْدِيٌّ انْفِعَالِيٌّ يُقَارِنُ بِوُضُوحٍ بَيْنَ عَالَمَيْنِ: "الْحَيِّ الْعَتِيقِ" الْحَمِيمِ الْمُفْعَمِ بِالْحَيَاةِ الْإِنْسَانِيَّةِ، وَ"الْحَيِّ الرَّاقِي" الْحَدِيثِ الْمُعْزِلِ وَالصَّامِتِ. يُقَدِّمُ النَّصُّ صُورَةً وَجْدَانِيَّةً قَوِيَّةً عَنْ فِقْدَانِ النَّسِيجِ الِاجْتِمَاعِيِّ.
الْفِكرةُ الْعامَّةُ:
تُعَبِّرُ الرَّاوِيةُ عَنْ شُعُورِهَا الْعَمِيقِ بِالْغُرْبَةِ وَالْحَنِينِ بَعْدَ انْتِقَالِهَا إِلَى السَّكْنِ فِي حَيٍّ رَاقٍ حَدِيثٍ، فَتَسْتَحْضِرُ ذِكْرَيَاتٍ تَفْصِيلِيَّةً حَيَّةً عَنِ الْحَيِّ الْعَتِيقِ الَّذِي غَادَرَتْهُ، مُبْرِزًة الْفَجْوَةَ الْهَائِلَةَ بَيْنَ عَالَمَيْنِ: الْأَوَّلُ قَائِمٌ عَلَى الْعَلَاقَاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ الْمُبَاشِرَةِ وَالتَّكَافُلِ، وَالثَّانِي قَائِمٌ عَلَى الْعُزْلَةِ وَالْمَسَاحَاتِ الصَّامِتَةِ.
الْمَحَاوِرُ الرَّئِيسِيَّةُ:
- مِحْوَرُ الِاغْتِرَابِ فِي الْحَاضِرِ (صَدْمَةُ الِانْتِقَالِ):
الْمَوْضُوعُ: وَصْفُ الصَّدْمَةِ الْأُولَى لِلْعَيْشِ فِي الْحَيِّ الرَّاقِي الْحَدِيثِ.
التَّفَاصِيلُ الرَّئِيسِيَّةُ:
* بِدَايَةُ النَّصِّ بِصَدْمَةٍ: "صَفَعَتْنِي الْغُرْبَةُ".
* وَصْفُ الْحَيِّ الْجَدِيدِ بِصِفَاتٍ سَلْبِيَّةٍ: "مُنْزَوِيًا"، "يُقَيِّدُنِي فَضَاؤُهُ الْأَخْرَسُ"، "تُزْعِجُنِي تِلْكَ الْبَوَابَاتُ الْحَدِيدُ الْمُوصَدَةُ".
* الْإِحْسَاسُ بِالْكَبْتِ: "وَعَلَى لِسَانِي تُجْهَضُ كُلَّ يَوْمٍ تَحَايَا الصَّبَاحِ".
الْهَدَفُ: تَصْوِيرُ الْعُزْلَةِ وَالْبُرُودِ فِي السَّكْنِ الْحَدِيثِ، حَيْثُ تَحِلُّ الْأَبْوَابُ الْمُوصَدَةُ وَالْفَضَاءَاتُ الصَّامِتَةُ مَحَلَّ التَّفَاعُلِ الْإِنْسَانِيِّ.
- مِحْوَرُ الْحَنِينِ وَالذِّكْرَيَاتِ (عَالَمُ الْحَيِّ الْعَتِيقِ الْمَفْقُودِ):
الْمَوْضُوعُ: اسْتِرْجَاعٌ حِسِّيٌّ وَعَاطِفِيٌّ مُفَصَّلٌ لِمَعَالِمِ الْحَيَاةِ فِي الْحَيِّ الْقَدِيمِ.
التَّفَاصِيلُ الرَّئِيسِيَّةُ:
* افْتِقَادُ "زُفَاقَ الْحَيِّ" (الضَّوْضَاءُ الْحَمِيمَةُ) وَ"أَزِقَّةَ الْأَجْوَارِ".
* مَشَاهِدُ الْحِرَفِيِّينَ وَالْبَائِعِينَ والأُكْلاَتِ الشعبيّة: (الْإِسْكَافِيِّ، بَائِعِ اللَّبَنِ الْأَخْرَسِ، بَائِعَةِ الْبَيْضِ، الْكَفْتَاجِيِّ، اللَّبْلَابِيِّ).
* رَوَائِحُ الذَّاكِرَةِ النَّابِضَةُ: رَوَائِحُ التَّوَابِلِ، الدَّقِيقُ الطَّازَجُ، الْخُبْزُ السَّاخِنُ.
* نَمُوذَجُ الْعَلَاقَاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ: (الشَّحَاذُ الأَعْمَى، الْعَجُوزُ الَّذِي يَشْكُو مِنَ الْبَرْدِ، بَنَاتُ مَعْمَلِ الْخِيَاطَةِ).
الْهَدَفُ: خَلْقُ صُورَةٍ حَيَّةٍ عَنْ مُجْتَمَعٍ عُضْوِيٍّ، حَيْثُ تَكُونُ التَّفَاصِيلُ الصَّغِيرَةُ (الرَّوَائِحُ، الْأَصْوَاتُ، الْوُجُوهُ) هِيَ نَسِيجُ الْحَيَاةِ نَفْسِهَا.
- مِحْوَرُ التَّكَافُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ وَالْعَطْفِ الْإِنْسَانِيِّ (جَوْهَرُ الْفِقْدَانِ):
الْمَوْضُوعُ: اسْتِعْرَاضُ مَظَاهِرِ التَّضَامُنِ وَالرِّعَايَةِ غَيْرِ الرَّسْمِيَّةِ فِي الْحَيِّ الْعَتِيقِ.
التَّفَاصِيلُ الرَّئِيسِيَّةُ:
* الِاهْتِمَامُ بِالْمَرْضَى: "إِذَا اصْفَرَّ وَجْهِي مِنْ سَقَمٍ يَلْتَفُّونَ حَوْلِي"، وَيُهَدِّئُونَ مِنْ رَوْعِهِ.
* النَّصَائِحُ وَالْعِلَاجَاتُ الشَّعْبِيَّةُ: بَائِعَةُ الْبَيْضِ تَصِفُ لَهُ شَرَابَ أَعْشَابٍ.
* الْهَدَايَا الرَّمْزِيَّةُ الدَّافِئَةُ: الْجَارَةُ الَّتِي تَمْنَحُهُ قَبْضَةَ يَنْسُونٍ أَوْ نَعْنَعٍ مَعَ دُعَاءٍ: "إِنْ شَاءَ اللهُ بِاللُّطْفِ".
الْهَدَفُ: إِبْرَازُ الْقِيمَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ غَيْرِ الْقَابِلَةِ لِلتَّعْوِيضِ الَّتِي يُتْعَبُ فِقْدَانُهَا، وَهِيَ الشَّبَكَةُ الْعَاطِفِيَّةُ وَالدَّعْمُ الْمَعْنَوِيُّ التِّلْقَائِيُّ الَّذِي يُوَفِّرُهُ الْمُجْتَمَعُ الْمُتَلَاحِمُ.
- الْمُقَابَلَةُ (الثّنَائِيَّاتُ الضِّدِّيَّةُ) الْبَانِيَةُ لِلنَّصِّ:
يُبْنَى النَّصُّ عَلَى مُقَابَلَةٍ حَادَّةٍ تَزِيدُ مِنْ تَأْثِيرِ الْمَعْنَى:
- الْغَيْثُ / الْأُنْسُ (فِي الذِّكْرَى) <--> الْغُرْبَةُ (فِي الْوَاقِعِ).
- الزُّقَاقُ / الْأَزِقَّةُ (الْمَفْتُوحَةُ وَالْحَيَّةُ) <--> الْبَوَابَاتُ الْحَدِيدُ الْمُوصَدَةُ (الْمَغْلَقَةُ وَالْمُعِيقَةُ).
- الْفَضَاءُ الْأَخْرَسُ (الصَّامِتُ) <--> زُفَاقَ الْحَيِّ (الضَّجِيجُ الْحَمِيمُ).
- الْوَجْهُ الْأَصْفَرُ (الْمَرَضُ) <--> ابْتِسَامَةٍ هِيَ الْأُنْسُ وَالشَّهْدُ (الْعَطْفُ).
- التَّحَايَا (الَّتِي تُجْهَضُ) <--> "إِنْ شَاءَ اللهُ بِاللُّطْفِ" (الَّتِي كَانَتْ تُمْنَحُ).
معجمي:
- معنى كلمة همَى: همَى يهمِي، هَمْيًا وهَمَيانًا، فهو هامٍ، والمفعول مَهْمِيّ عليه. أي: سال.
- معنى كلمة أتفيّأ: تفيَّأَ / يتفيّأ، تفيُّؤًا، فهو متفيِّئ، والمفعول مُتفيَّأ به. تَفَيَّأَ الظِّلُّ: اِنْتَقَلَ، تَحَوَّلَ. تَفَيَّأَتِ الشجرةُ: فَيّأَتْ. تفيَّأت الظِّلالُ :انبسطت، تقلّبت ومالت: تدور ظلاله وترجع من جانب إلى جانب. تفيَّأ بالشَّجرة وغيرها: استظلَّ بها، التجأ إليها تفيّأ بعباءته من شدَّة الحرّ.
- معنى كلمة تُجْهِضُ: من فعل أجهض. وأجهض الشّيء: يعني أسقطه وقضى عليه ''أجهض خُطَط العدوّ".
الإجابة عن الأسئلة:
1- تَقْسِيمُ النَّصِّ إِلَى وَحَدَاتٍ حَسَبَ مِعْيَارِ (الْحَاضِرُ // الْمَاضِي // الْحَاضِرُ).
* الْوَحْدَةُ الْأُولَى (الْحَاضِرُ): تَبْدَأُ مِنْ: "أَسْكُنُ مَنْزِلًا بِحَيٍّ رَاقٍ..." وَتَنْتَهِي عِنْدَ: "...يَا زَمَانَ الْأَنْسِ بِحَيِّنَا الْعَتِيقِ". (تَصْفُ الْوَاقِعَ الْحَالِيَّ وَصَدْمَةَ الْغُرْبَةِ).
* الْوَحْدَةُ الثَّانِيَةُ (الْمَاضِي): تَبْدَأُ مِنْ: "أَفْتَقِدُ زُفَاقَ الْحَيِّ..." وَتَنْتَهِي عِنْدَ: "...إِنْ شَاءَ اللهُ بِاللُّطْفِ". (اسْتِحْضَارٌ كَامِلٌ لِذِكْرَيَاتِ الْحَيِّ الْعَتِيقِ وَحَيَاتِهِ).
* الْوَحْدَةُ الثَّالِثَةُ (الْحَاضِرُ): تَبْدَأُ مِنْ: "أَسْكُنُ مَنْزِلًا مُنْزَوِيًا بِحَيٍّ عَصْرِيِّ..." وَتَنْتَهِي عِنْدَ نِهَايَةِ النَّصِّ. (الْعَوْدَةُ إِلَى وَاقِعِ الْعُزْلَةِ وَالْكَبْتِ فِي الْحَيِّ الْحَدِيثِ).
2- يُفِيدُ التَّكْرَارُ:
- شِدَّةَ الْحَنِينِ وَالِاشْتِيَاقِ: فَكُلُّ جُمْلَةٍ تَبْدَأُ بِـ"أَفْتَقِدُ" هِيَ نَدْبَةٌ وَإِحْلَالٌ عَلَى شَيْءٍ عَزِيزٍ فَقَدَتْهُ، وَتُؤَكِّدُ أَنَّ الْفِقْدَانَ لَيْسَ لِشَيْءٍ وَاحِدٍ بَلْ لِعَالَمٍ كَامِلٍ.
- عُمْقَ التَّأَثُّرِ وَالِارْتِبَاطِ: فَقَدْ تَعُمَّقَ الْعَلَاقَةُ بِالْمَكَانِ حَتَّى أَصْبَحَتْ جُزْءًا مِنْ كِيَانِهَا، لِذَا تَسْرُدُ التَّفَاصِيلَ وَاحِدَةً تِلْوَ الْأُخْرَى كَمَا تَتَدَفَّقُ الذِّكْرَيَاتُ.
- تَرْكِيزَ الْقَارِئِ عَلَى جَوْهَرِ الْفِقْدَانِ: فَالتَّكْرَارُ يُحَوِّلُ الْقَارِئَ إِلَى شَاهِدٍ عَلَى لائِحَةٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الْمَفَاقِيدِ الْعَاطِفِيَّةِ وَالْحِسِّيَّةِ.
- إِبْرَازَ الْفَجْوَةِ بَيْنَ مَاضٍ غَنِيٍّ وَحَاضِرٍ فَقِيرٍ: فَكُلُّ "أَفْتَقِدُ" تُقَابِلُهَا فِي الْوَاقِعِ الْحَالِيِّ فَرَاغٌ أَوْ صَمْتٌ.
3- خَصَائِصُ الْمَكَانِ (الْحَيِّ الْعَتِيقِ) الْمُفْتَقَدَةُ:
- زُفَاقُ الْحَيِّ (الضَّوْضَاءُ الْحَيَوِيَّةُ).
- أَزِقَّةُ الْأَجْوَارِ الَّتِي تَعْبُرُهَا مُتَرَجِّلَةً.
- الْأُنْسُ وَطِيبُ ابْتِسَامَاتِ الْأَهْلِ الْعَفْوِيَّةِ.
- وُجُودُ أَشْخَاصٍ مَعْرُوفِينَ (الْإِسْكَافِيُّ، بَائِعُ اللَّبَنِ الْأَخْرَسُ، الشَّحَّاذُ الْأَعْمَى).
- أَصْوَاتٌ وَرَنَيْنَاتٌ مَأْلُوفَةٌ (أَقْرَاصُ النُّقُودِ النُّحَاسِيَّةُ).
- رَوَائِحُ مُمَيِّزَةٌ (رَوَائِحُ التَّوَابِلِ، الدَّقِيقُ الطَّازَجُ، الْخُبْزُ).
- التَّكَافُلُ وَالْعِنَايَةُ عِنْدَ الْمَرَضِ (الِالْتِفَافُ حَوْلَ الْمَرِيضِ، الْأَدْعِيَةُ، وَصْفُ الْأَعْشَابِ).
- الْعَطَاءُ الرَّمْزِيُّ الدَّافِئُ (قَبْضَةُ الْيَنْسُونِ، دُعَاءُ "إِنْ شَاءَ اللهُ بِاللَّطْفِ").
مَلَامِحُ الْحَيِّ الْمُسْتَخْلَصَةُ مِنْ هَذِهِ الْخَصَائِصِ:
- حَيٌّ شَعْبِيٌّ / تَقْلِيدِيٌّ يَكْثُرُ فِيهِ الْحِرَفِيُّونَ وَالْبَائِعُونَ الصَّغَارُ.
- حَيٌّ حَيٌّ وَنَابِضٌ بِالضَّوْضَاءِ الْحَمِيمَةِ وَالْحَرَكَةِ الْيَوْمِيَّةِ.
- حَيٌّ مُتَرَابِطُ النَّسِيجِ الْإِنْسَانِيِّ، يَعْرِفُ أَهْلُهُ بَعْضَهُمْ وَيَتَكَافَلُونَ.
- حَيٌّ غَنِيٌّ بِالْحَوَاسِّ (أَصْوَاتٌ، رَوَائِحُ، مَشَاهِدُ) تُشَكِّلُ هُوِيَّتَهُ.
- حَيٌّ يَغْلُبُ عَلَيْهِ طَابَعُ الْأُلْفَةِ وَالدِّفْءِ الْعَاطِفِيِّ وَالدِّينِيِّ.
4- فِي الْوَحْدَةِ الثَّانِيَةِ وَرَدَتْ مَجْمُوعَةٌ مِنَ الْكَلِمَاتِ الَّتِي تَشْتَرِكُ فِي مَعْنَيَيْ (الْأُلْفَةِ وَالْأَمَانِ). مِنْ أَهَمِّهَا:
- الْأُنْسُ: وَرَدَ فِي: "أَرْشِفُ أُنْسَ أَهْلِهَا"، "ابْتِسَامَةٍ هِيَ الْأُنْسُ وَالشَّهَدُ". وَهُوَ أَقْوَى مَا يَدُلُّ عَلَى سَكِينَةِ النَّفْسِ وَغِيَابِ الْوَحْشَةِ.
- الطِّيبَةُ: فِي: "أَتَفَيَّأُ طِيبَةَ ابْتِسَامَاتِهِمْ الْعَفْوِيَّةِ". وَتَدُلُّ عَلَى نَقَاءِ الْعَلَاقَاتِ وَخُلُوِّهَا مِنَ الرِّيَاءِ.
- الِالْتِفَافُ / يَلْتَفُّونَ حَوْلِي: وَهِيَ صُورَةٌ مَجَازِيَّةٌ قَوِيَّةٌ لِلْحِمَايَةِ وَالرِّعَايَةِ الْجَمَاعِيَّةِ.
- يُهَدْهِدُنِي: وَتَعْنِي التَّهْدِئَةَ وَالطُّمَأْنِينَةَ، وَهِيَ مِنْ فِعْلِ الْأُمِّ بِوَلَدِهَا.
- تَضُمُّ: فِي "تَضُمُّ شَالَهَا الصُّوفَ حَوْلَ كَتِفَيْهَا"، وَهِيَ حَرَكَةٌ تَدُلُّ عَلَى الْحَنَانِ وَالِاحْتِضَانِ الرَّمْزِيِّ.
- الدَّافِئُ: فِي "صَوْتِهَا الدَّافِئِ"، وَيَدُلُّ عَلَى الْعَطْفِ الَّذِي يُذِيبُ الْبُرُودَةَ.
وَلَقَدْ كَانَ لِهَذِهِ الكَلِمَاتِ أََثَرٌ كَبِيرٌ عَلَى شَخْصِيَّةِ السَّارِدَةِ، فّقّدْ:
- بَنَتْ فِيهَا شَخْصِيَّةً مُرْتَبِطَةً وَوَاثِقَةً: فَهِيَ نَشَأَتْ فِي مَجَالٍ يَشْعُرُهَا بِالِانْتِمَاءِ وَالْقَبُولِ، فَتَكَوَّنَ لَدَيْهَا إِحْسَاسٌ قَوِيٌّ بِالْهُوِيَّةِ الْجَمَاعِيَّةِ.
- رَبَّتْ فِيهَا حَاجَةً عَمِيقَةً إِلَى التَّوَاصُلِ الْإِنْسَانِيِّ: فَالْعَلَاقَاتُ لَمْ تَكُنْ سَطْحِيَّةً بَلْ عَمِيقَةً وَمُلْهِمَةً، فَصَارَ هَذَا هُوَ الْمِعْيَارَ الَّذِي تَقِيسُ بِهِ أَيَّ عَلَاقَةٍ أَوْ مَكَانٍ جَدِيدٍ.
- زَادَتْ مِنْ حَسَّاسِيَّتَهَا وَرِقَّةَ مَشَاعِرِهَا: فَقَدْ تَعَوَّدَتْ عَلَى لُغَةِ الْمَشَاعِرِ وَالْعَطَاءِ غَيْرِ الْمَادِّيِّ، لِذَا أَصْبَحَتْ أَكْثَرَ إِحْسَاسًا بِبُرُودَةِ وَعُزْلَةِ الْعَالَمِ الْحَدِيثِ.
- جَعَلَتْ فِقْدَانَ هَذِهِ الْمَشَاعِرَ أَمْرًا لا يُحْتَمَلُ: لِذَا يَكُونُ انْتِقَالُهَا إِلَى الْحَيِّ الْجَدِيدِ مِثْلَ صَدْمَةٍ، فَهِيَ تَنْتَقِلُ مِنْ فَضَاءٍ "دَافِئٍ" إِلَى فَضَاءٍ "أَخْرَسَ".
5- إِنَّ أَسْبَابَ نُفُورِ السَّارِدَةَ مِنْ حَيِّهَا الْجَدِيدِ هِيَ:
- الْغُرْبَةُ وَفِقْدَانُ الْأُلْفَةِ: الْحَيُّ الْجَدِيدُ رَاقٍ مَادِيًّا وَلَكِنَّهُ بَارِدٌ عَاطِفِيًّا، لَا توجد فِيهِ الْوُجُوهُ وَالْأَصْوَاتُ وَالرَّوَائِحُ الَّتِي تَعْهَدُهَا، فَيَشْعُرُهَا بِأَنَّها غَرِيبَةٌ.
- الْعُزْلَةُ وَالْكَبْتُ: الْبَوَابَاتُ الْمُوصَدَةُ وَالْفَضَاءُ الْأَخْرَسُ وَالْجِيرَانُ الَّذِينَ لَا يَتَعَارَفُونَ، كُلُّ ذَلِكَ يُقَيِّدُ حَرِيَّتَهَا الْقَدِيمَةَ فِي التَّحَرُّكِ وَالتَّوَاصُلِ، حَتَّى إِنَّ تَحَايَا الصَّبَاحِ لَا تَجِدُ مَنْ تُهْدِيهِ إِلَيْهِ.
- فِقْدَانُ شَبَكَةِ الدَّعْمِ وَالتَّكَافُلِ: لَا أَحَدَ يَتَفَقَّدُهَا إِذَا مَرِضَتْ، وَلَا أَحَدَ يُهْدِيهَا قَبْضَةَ يَنْسُونٍ، فَتَفْتَقِدُ الْأَمَانَ الَّذِي كَانَ مُجَانًا فِي الْحَيِّ الْقَدِيمِ.
- التَّنَاقُضُ الْحَادُّ مَعَ ذَاكِرَتِهَا: كُلُّ مَا فِي الْحَيِّ الْجَدِيدِ يُذَكِّرُهَا بِضِدِّهِ فِي الْحَيِّ الْعَتِيقِ، فَيَزِيدُ أَلَمَ الْحَنِينِ وَالشُّعُورَ بِالْفِقْدَانِ.
أمَّا عَنْ رَأْيِي الشَّخْصِيُّ فِي ذَلِكَ:
فأّنَا أَرَى أَنَّ تَعْبِيرَ السَّارِدَةِ عَنْ نُفُورِهَا، مَشْرُوعٌ وَطَبِيعِيٌّ جِدًّا. فَالْإِنْسَانُ لَيْسَ آلَةً تَنْتَقِلُ بِسُهُولَةٍ بَيْنَ الْأَمَاكِنِ، بَلْ هُوَ كِيَانٌ تَتَشَكَّلُ هُوِيَّتُهُ وَسَعَادَتُهُ مِنْ خِلَالِ الْعَلَاقَاتِ وَالذِّكْرَيَاتِ. لَقَدْ نَقَلَتْهَا الظُّرُوفُ مِنْ "وَطَنٍ صَغِيرٍ" حَافِلٍ بِالْحُبِّ وَالْحَيَاةِ، إِلَى مَسَاحَةٍ جَدِيدَةٍ خَالِيَةٍ مِنْ هَذِهِ الْقِيَمِ. نُفُورُهَا لَيْسَ مِنْ رِقَّةِ السُّكْنَى، بَلْ مِنْ فَقْرِهَا الْعَاطِفِيِّ. هَذَا يُذَكِّرُنَا بِأَنَّ التَّقَدُّمَ الْعُمْرَانِيَّ وَالرَّفَاهِيَّةَ الْمَادِّيَّةَ لَا تَكْفِي لِخَلْقِ مُجْتَمَعٍ سَعِيدٍ، إِنْ لَمْ تُرَافِقْهُمَا رَوَابِطُ إِنْسَانِيَّةٌ حَقِيقِيَّةٌ وَفُرَصٌ لِبِنَاءِ الْأُلْفَةِ بَيْنَ الْجِيرَانِ
القيمة التعليميّة / الأدبيّة:
يُقَدِّمُ النَّصُّ نَمُوذَجًا أَدَبِيًّا رَفِيعًا لِـ:
- فَنِّ الِاسْتِرْجَاعِ (الْفِلَاشْ بَاك) الذِّكْرَيَاتِيِّ الْمُحَمَّلِ بِالْحِسِّيَّةِ (أَصْوَاتٍ، رَوَائِحَ، مَشَاهِدَ).
- تِقْنِيَةِ الْمُقَابَلَةِ (التَّبَايُنِ) لِتَعْمِيقِ الشُّعُورِ بِالْفِقْدِ وَالْحَنِينِ.
- التَّجْسِيدِ وَالتَّأْنِيسِ: (الْفَضَاءُ الْأَخْرَسُ، الْمَطْحَنَةُ الَّتِي شَاخَتْ، الزَّمَنُ ذُو الصَّوْلَةِ).
- تَوْظِيفِ اللُّغَةِ الْمَحْكِيَّةِ وَالتَّرَاكِيبِ الشَّعْبِيَّةِ لِإِضْفَاءِ الْوَاقِعِيَّةِ وَالْحَمِيمِيَّةِ عَلَى وَصْفِ الْحَيِّ الْعَتِيقِ (مِثْلَ: "إِنْ شَاءَ اللهُ بِاللُّطْفِ").
- نَقْدِ التَّطَوُّرِ الْعُمْرَانِيِّ وَالْعَصْرِيِّ عِنْدَمَا يَأْتِي عَلَى حِسَابِ الرَّوَابِطِ الْإِنْسَانِيَّةِ وَالدِّفْءِ الِاجْتِمَاعِيِّ.
الخلاصة:
هَذَا النَّصُّ هُوَ نَشْجَةٌ مُصَوَّتَةٌ لِفَقْدِ الْإِنْسَانِ. الِانْتِقَالُ مِنَ "الزُّقَاقِ" إِلَى "الْحَيِّ الرَّاقِي" لَيْسَ انْتِقَالًا مَادِّيًّا فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ انْتِقَالٌ مِنْ فَضَاءٍ "نَاطِقٍ" بِالْحَيَاةِ إِلَى فَضَاءٍ "أَخْرَسَ"، وَمِنْ مُجْتَمَعٍ "يَحْتَضِنُ" إِلَى مَكَانٍ "يُقَيِّدُ". النَّصُّ لَا يَنْتَقِدُ الرَّقَّةَ الْمَادِّيَّةَ لِلْحَيِّ الْجَدِيدِ، بَلْ يَنْتَقِدُ فَقْرَهُ الْعَاطِفِيَّ وَالْإِنْسَانِيَّ. إِنَّهُ يُذَكِّرُنَا بِأَنَّ قِيمَةَ الْمَكَانِ لَا تَكْمُنُ فِي رِقَّتِهِ، بَلْ فِي "قَبْضَةِ الْيَنْسُونِ" الدَّافِئَةِ، وَ"التَّحَايَا" الْمُتَبَادَلَةِ، وَ"الِابْتِسَامَةِ الَّتِي هِيَ الْأُنْسُ وَالشَّهَدُ" الَّتِي تَذْوِي فِي ظِلِّ الْأَبْوَابِ الْحَدِيدِ الْمُوصَدَةِ.

ليست هناك تعليقات:
حتى تصبح عضوا في الموسوعة المدرسية انزل إلى أسفل الصفحة