شرح نصّ مدرستي الثانية - 7 أساسي - محور الحيّ
شرح نصّ مدرستي الثانية، أحمد أمين، السنة السابعة أساسي - محور الحيّ
النصّ
كَانَتِ الْمَدْرَسَةُ الثَّانِيَةُ هِيَ «حَارَتِي» (1) فَقَدْ لَعِبْتُ مَعَ أَبْنَائِهَا
وَتَعَلَّمْتُ مِنْهُمْ مَبَادِئَ السُّلُوكِ وَانْطَبَعَتْ مِنْهَا فِي ذِهْنِي أَوَّلُ صُورَةٍ
للْحَياةِ الصَمِيمَةِ.
وَقَدْ كَانَتْ تَسُودُ حَارَتَنَا النَّزْعَةُ العَرَبِيَّةُ الَّتِي تَعُدُّ الْجَارَ ذَا شَأْنٍ كَبِيرٍ
فِي الحَيَاةِ، فَكَانَ أَهْلُ حَارَتِنَا كُلُّهُمْ جِيرَاناً يَعْرفُ كُلٌّ مِنْهُمْ شُؤونَ
الآخرينَ وَأَسْمَاءَهُمْ وَأَعْمَالَهُمْ، وَيَعُودُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً عِندَ الْمَرَضِ
وَيُعَزُّونَهُمْ فِي المَآتِمِ وَيُشَارِكُونَهُمْ فِي الأَفْرَاحِ ويُقْرِضُونَهُمْ عِنْدَ الْحَاجَةِ
وَيتَزَاوَرُون.
وَقَدْ كَانَتْ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مَجْمُوعَةٍ مِن الْحَارَاتِ سُوقٌ فِيهَا كُلُّ مَا
تَحْتَاجُهُ البُيُوتِ وَبجَانِبِ السُّوقِ كُلُّ مَرَافِقِ الحَيَاةِ الاجْتِمَاعِيَّةِ: مَدْرَسَةٌ
لِتَعْلِيمِ الأَطْفَالَ وَمَسْجِدٌ لِصَلاَةِ أَهْلِ الْحَيِّ وَحَمَّامٌ لِلرِجَالِ أَيَّامًا
وَلِلنِسَاءِ أَيَّامًا وَمَقْهَى يَقْصُونَ فِيهِ أَوْقَاتَ فَرَاغِهِمْ وَيَتَنَاوَلُونَ فِيهِ القَهْوَةَ
وَالشَّايَ وَنَحْو ذَلِكَ. وَفِي الحَيَّ مَقَاهِ مُتَعَدِّدَةٌ مِنْهَا مَا يُنَاسِبُ هَذِهِ الفِئَةَ
وَمِنْهَا مَا يُنَاسِبُ فِئَةٍ أُخْرَى فَقَلَّ مَا يَحْتَاجُ أَهْلُ الْحَيَّ إِلَى شَيْءٍ أَبْعَدَ مِنْ
حَيِّهِمْ، وَمِنْ أَجْلِ هَذَا كَانَتْ دُنْيَايَ فِي صِبَايَ هِيَ حَارَتِي وَمَا حَوْلَهَا
وَأَطوَلُ رِحْلَة أَرْحَلُهَا خَارِجَ حَيِّنَا كَانَتْ يَوْمَ تَذْهَبُ أُمِّي وَتَأْخُذُنِي مَعَهَا
لِشِرَاءِ الْأَقْمِشَةِ أَوْ تَأْخُذُنِي إِلَى بَيْتِ خَالِي وَهَذِهِ كُلُّ دُنْيَايَ.
كَانَتِ الْحَارَةُ ومَا حَوْلَهَا مَدْرَسَةً لِي تَعَلَّمْتُ مِنْ أَلْفَاظِهَا وَأَسَالِيبِهَا
وَأَمْثَالِهَا وَزَجَلِهَا وَتَعَلَّمتُ مِنْهَا كُلَّ العَادَاتِ وَالتَقَالِيدِ وَرَأَيتُ كَيْفَ تُقَامُ
الأَفْرَاحُ وكَيفَ كَانَ أَهْلُهَا يَفْرَحُونَ وَيَمْرَحُونَ وَكَيْفَ يُغّنُّونَ وَمَا
يُغَنُّونَ. هَكَذَا شَاهَدْتُ في الحَارَةِ الأَفْرَاحَ وَالمَآتِمَ وَاسْتَفَدْتُ مِنْ كُلِّ مَا
سَمِعْتُ وَشَاهَدْتُ ثَمَّ رَأَيْتُ الْمُعَامَلَاتِ بَيْنَ أَهْلِ الْحَارَةِ وَأَهْلِ السَّوقِ،
كُلُّ ذَلِكَ كَانَ دُرُوساً عَمَلِيَّةً وَتَجَارِبَ قَيِّمَةً لَا يُسْتَهَانُ بِهَا.
التقديم:
مدرستي الثانية: نصّ سرديّ، للأديب والمفكّر والمؤرّخ والكاتب المصري أحمد أمين، ومأخوذ من سيرته الذاتية "حياتي" الصادرة سنة 1950. وهذا النصّ يندرج ضمن محور الحيّ.
موضوع النصّ ومحاوره الرئيسيّة:
ينتمي هذا النصّ إلى صنف أدب السيرة الذاتيّة والذكريات التربويّة، حيث يسترجع الراوي مرحلة تكوينه الأولى في فضاء اجتماعي متكامل، هو "الحارة". يعكس النصّ رؤيةً للمجتمع التقليدي كوحدة تربويّة واقتصاديّة واجتماعيّة مكتفية ذاتيّاً.
الفكرة العامة:
يصف الراوي "الحارة" التي نشأ فيها لا كمجرّد مكان سكن، بل كمدرسة حياتيّة شاملة ("كانت الحارة وما حولها مدرسة لي"). فهي الفضاء الذي تشكّلت فيه هويته، وتعلّم فيه المبادئ الأخلاقيّة والعادات الاجتماعيّة، واكتفى بأرجائه في تلبية جميع احتياجاته الماديّة والمعنويّة، ممّا جعلها "دُنياه" الكاملة في الصبا.
المحاور الرئيسيّة:
- المحور التربويّ والأخلاقيّ (الحارة كمدرسة للقيم):
الموضوع: دور الحارة في تشكيل سلوك الفرد وقيمه.
التفاصيل الرئيسيّة:
* تعلم "مبادئ السلوك" من خلال اللعب والتعايش مع أبناء الحارة.
* اكتساب الصورة الأولى "للحياة الصميمة"، أي العلاقات الإنسانيّة الحقيقيّة والوثيقة.
* تعلّم العادات والتقاليد الاجتماعيّة من خلال المشاهدة والممارسة.
الهدف: إبراز الدور الأساسي للبيئة الاجتماعيّة المُتقاربة (الحيّ/الحارة) في التنشئة الاجتماعيّة، قبل المدرسة النظاميّة أو خارجها.
- المحور الاجتماعي والعاطفي (نظام الجيرة والتكافل):
الموضوع: طبيعة العلاقات الإنسانيّة داخل نسيج الحارة المترابط.
التفاصيل الرئيسيّة:
* هيمنة "النزعة العربية" التي تُعظّم شأن الجار.
* المعرفة المتبادلة العميقة بين السكان: "يَعرف كلّ منهم شؤون الآخرين وأسماءهم وأعمالهم".
* نظام التكافل الاجتماعي المتكامل: العيادة في المرض، المواساة في المآتم، المشاركة في الأفراح، الإقراض عند الحاجة، التزاور.
الهدف: تصوير نموذج المجتمع العضوي الذي تكون فيه الروابط الشخصية والمعرفة المتبادلة هي الضامن للأمن الاجتماعي والدعم النفسي.
- المحور الوظيفي والاقتصادي (الاكتفاء الذاتي للحارة):
الموضوع: الاكتفاء الذاتي للحارة كوحدة سكنية واقتصادية متكاملة.
التفاصيل الرئيسيّة:
* وجود سوق يلبي جميع احتياجات البيوت.
* تجاور كلّ مرافق الحياة الاجتماعيّة في مكان واحد: (المسجد + المدرسة + الحمام + المقهى).
* تعدّد المقاهي لتناسب الفئات العمريّة والاجتماعيّة المختلفة.
* نتيجة هذا التكامل: "قَلَّ مَا يَحْتَاجُ أَهْلُ الْحَيَّ إِلَى شَيْءٍ أَبْعَدَ مِنْ حَيِّهِمْ".
الهدف: وصف الكفاية الوظيفيّة للحارة التقليديّة، التي تجعلها "عالمًا" مغلقًا ومكتفيًا بذاته، ممّا يُعزّز شعور الانتماء ويقلّل من الحاجة للخروج عنه.
- المحور المعرفيّ والتجريبيّ (دروس الحياة العمليّة):
الموضوع: الحارة كمصدر للمعارف العمليّة والخبرات الحياتيّة.
التفاصيل الرئيسيّة:
* التعلّم من "ألفاظها وأساليبها وأمثالها وزجلها" (اكتساب اللّغة والتراث الشعبي).
* المشاهدة المباشرة لكيفيّة إقامة الأفراح وطقوس الفرح والغناء.
* ملاحظة المعاملات بين أهل الحارة وأهل السوق كدروس في الاقتصاد والعلاقات الاجتماعيّة.
* وصف هذه الخبرات بأنّها "دروساً عمليةً وتجاربَ قيّمةً لا يُستهان بها".
الهدف: التأكيد على أنّ أهمّ معارف الحياة تُكتسب خارج جدران الفصل الدراسي، من خلال الانغماس في الحياة اليوميّة للمجتمع.
- المحور النفسي والوجودي (الحارة كـ "دُنيا" كاملة):
الموضوع: الإحساس بالاكتمال والاكتفاء داخل حدود الحارة في مرحلة الطفولة.
التفاصيل الرئيسيّة:
* التصريح بأنّ: "دُنْيَايَ فِي صِبَايَ هِيَ حَارَتِي وَمَا حَوْلَهَا".
* اعتبار أطول رحلة خارج الحيّ هي الذهاب لشراء الأقمشة أو زيارة بيت الخال.
الهدف: تصوير الوعي الطفوليّ المبنيّ على المركزيّة، حيث يمثّل عالم الحارة الصغير الكونَ بأسره، ممّا يعكس شعوراً بالأمان والاستقرار ووضوح المعالم في مرحلة التكوين.
الإجابة عن الأسئلة:
1- الوحدات حسب معيار المعنى:
من بداية النصّ إلى السطر 3 (... للْحَياةِ الصَمِيمَةِ):
يتحدّث الكاتب في هذه الوحدة عن دور الحيّ في تكوين شخصيته.
من السطر 4 (وَقَدْ كَانَتْ تَسُودُ حَارَتَنَا...) إلى السطر 17 (... وَهَذِهِ كُلُّ دُنْيَايَ.):
يتحدّث الكاتب في هذه الوحدة عن العلاقة التي تربط أهل الحيّ بعضهم ببعض. ثمّ عن العلاقة التي تربطه هو وأهل الحيّ بحيّهم، وكيف أنّ السوق وكلّ المرافق الاجتماعيّة المتوفّرة عندهم، لبّت حاجياتهم، وجعلتهم قلّ ما يضطرون إلى مغادرة الحيّ.
من السطر 18 (كَانَتِ الْحَارَةُ ومَا حَوْلَهَا...) إلى آخر النصّ:
بيّن الكاتب في هذه الوحدة أثر الحيّ في حياته.
التحليل:
2- إنّ النزعة العربيّة التي كانت تسود الحيّ، والتي منحت الجار مكانة عالية، جعلت علاقة الجيران متينة ومترابطة، إذ كانوا يتبادلون الزيارات، ويتعاونون في المرض والمآتم، ويُشاركون في الأفراح، ويُعين بعضهم بعضًا عند الحاجة.
وقد ساهم هذا التآلف في تقوية أواصر المحبّة بينهم، وفي ترسيخ قيم الوفاء والإخلاص وحبّ الخير والإحسان إلى الجار في نفوس أبنائهم.
3- يُمثّل الحيّ بالنسبة إلى الكاتب عالمه الصغير الذي استغنى به عمّا سواه، ويتّضح ذلك من خلال قوله:
- «فَقَلَّ مَا يَحْتَاجُ أَهْلُ الْحَيَّ إِلَى شَيْءٍ أَبْعَدَ مِنْ حَيِّهِمْ، وَمِنْ أَجْلِ هَذَا كَانَتْ دُنْيَايَ فِي صِبَايَ هِيَ حَارَتِي وَمَا حَوْلَهَا...».
- «وَهَذِهِ كُلُّ دُنْيَايَ.».
ويرجع هذا الاكتفاء إلى توفّر السوق ومختلف المرافق الاجتماعيّة داخل الحيّ.
4- يختلف الجواب عن هذا السؤال باختلاف التلميذ وتجربته الشخصيّة، وعلى التلميذ أن يُبدي رأيه مستعملًا أدوات التعبير عن الرأي مثل:
في رأيي – أعتقد أنّ – من وجهة نظري – أظنّ أنّ…
5- للحيّ دور مهمّ في تكوين شخصيّة الفرد وتربيته، وقد دلّ الكاتب على ذلك من خلال عبارات عديدة، من بينها:
- «كَانَتِ الْحَارَةُ ومَا حَوْلَهَا مَدْرَسَةً لِي تَعَلَّمْتُ مِنْ أَلْفَاظِهَا وَأَسَالِيبِهَا وَأَمْثَالِهَا وَزَجَلِهَا».
- «وَتَعَلَّمتُ مِنْهَا كُلَّ العَادَاتِ وَالتَقَالِيدِ».
- «هَكَذَا شَاهَدْتُ في الحَارَةِ الأَفْرَاحَ وَالمَآتِمَ وَاسْتَفَدْتُ مِنْ كُلِّ مَا سَمِعْتُ وَشَاهَدْتُ».
- «ثَمَّ رَأَيْتُ الْمُعَامَلَاتِ بَيْنَ أَهْلِ الْحَارَةِ وَأَهْلِ السَّوقِ».
- «كُلُّ ذَلِكَ كَانَ دُرُوساً عَمَلِيَّةً وَتَجَارِبَ قَيِّمَةً لَا يُسْتَهَانُ بِهَا».
القيمة التعليميّة / الأدبيّة:
يقدم النصّ نموذجاً كلاسيكيّاً لـ:
- أدب الذكريات التكوينيّة التي ترصد أصول الهويّة الفرديّة.
- الوصف الوظيفي الاجتماعي لمكان يبدو بسيطاً لكنه معقد في تركيبه.
- التأمل في مفهوم "المجتمع" المصغَّر المتضامن والمكتفِي.
- الدفاع عن قيمة المعرفة العمليّة المكتسبة من الحياة اليوميّة مقابل المعرفة الأكاديميّة المجرّدة.
- نقد ضمني للعزل الوظيفي في المدن الحديثة، حيث تُفصل السكن عن العمل عن الترفيه عن الخدمات.
الخلاصة:
هذا النصّ هو إشادةٌ بنموذج "الحارة" كخليّة مجتمعيّة مثاليّة في الذاكرة. فهو يقدّمها ليس فقط كمسكن، بل كمؤسّسة تربويّة، وشبكة أمان اجتماعي، ووحدة اقتصاديّة، ومصدر للهويّة الثقافيّة. النصّ يحنّ إلى ذلك العالم المغلق والمتناغم الذي كان يوفّر للإنسان الصبيّ "دنياه" كاملة دون حاجة للابتعاد، في مقابل عالم اليوم المفتوح والمجزّأ. إنّه احتفاء بـ "المدرسة الثانية" للإنسان، تلك التي لا جدران لها سوى حدود الحيّ، ولا منهج لها سوى الحياة نفسها.

ليست هناك تعليقات:
حتى تصبح عضوا في الموسوعة المدرسية انزل إلى أسفل الصفحة